السياسة والاقتصاد ينتصران للدراما على حساب السينما في مصر

د عرفت صناعة السينما في مصر خلال السنوات الأخيرة ترديا غير مسبوق على مستوى الكم والكيف، الأمر الذي جعل بعض نجوم الصف الأول سينمائيا يعوضون هذا النقص في الدراما التلفزيونية التي زاد إشعاعها، “العرب” التقت مجموعة من المختصين في المجالين التلفزيوني والسينمائي، الذين أكّدوا أنّ لهذا التراجع عوامل اقتصادية وأخرى سياسية.
الجمعة 2015/10/30
معدات العمل السينمائي تزيد من حدة المنافسة

قد ينطبق المثل العربي الذي يقول مصائب قوم عند قوم فوائد، على واقع الدراما التلفزيونية المصرية في السنوات الأخيرة حيث استفادت من تردّي حالة السينما، لتحقق نجاحا جماهيريا واضحا تعزز بتوجه أغلب نجوم الصف الأول السينمائي إلى أدوار البطولة في المسلسلات الرمضانية.

التحول لم يقتصر فقط على الممثلين أو النجوم إنما تجاوز ذلك إلى اجتياح عدد كبير من صناع السينما في مصر، مثل المخرجين والفنيين للدراما التلفزيونية، وذلك استغلالا لضخامة الاستثمارات المخصصة لها، مقابل التراجع الكبير في الإنتاج السينمائي وسيطرة نمط معين من المنتجين عليه.

المنتج أحمد الجابري فسر لـ”العرب” التناقض بين حال السينما والتلفزيون فقال: إن الشق الإعلاني كان له تأثير كبير في رواج الدراما التلفزيونية، ففي الوقت الذي لا توجد فيه للسينما نوافذ دعم سوى شباك التذاكر، أدّى تزايد عدد القنوات التلفزيونية الخاصة وظهور قنوات متخصصة في الدراما فقط، إلى اتساع قاعدة التسويق والتوزيع لها على المستويين المحلي والعربي.

هذا الوضع شجع المنتجين فأقبلوا على تقديم أعمال تلفزيونية على مدار العام، حتى خارج الموسم الرمضاني أيضا، بعكس السينما التي لا يدوم فيها عرض الفيلم إلا مدة أسبوعين أو شهرا على أقصى تقدير.

وأشار الجابري إلى أن دخول عناصر سينمائية للعمل التلفزيوني أضاف للصورة على مستوى التكنيك المقدم بها، وأن معدات العمل السينمائي أصبحت تستخدم في التلفزيون، ما زاد من حدة المنافسة ومنحها أبعادا متميزة، في الوقت الذي انحدرت فيه الكثير من المشروعات السينمائية المقدمة على الشاشة، بما فيها موجة أفلام العشوائيات وغيرها، ما يتضمن قدرا وفيرا من الإسفاف والسخف، مشيرا إلى أن السينما أصبحت في حاجة إلى منتجين أكثر جرأة عمّا في الماضي.

الناقدة ماجدة خيرالله حددت العنصر الثقافي كأحد الأسباب المؤثرة في الأمر، وقالت في تصريحات لـ”العرب” إن السينما في مصر لا تزال تقف في حيّز الرفاهية، حيث لا يمكن للفرد أن يذهب إلى السينما مرتين في الأسبوع، بسبب ارتفاع سعر تذكرة السينما مقارنة بالأحوال الاقتصادية للمشاهدين.

على الرغم من أن سعر التذكرة قد يكون مناسبا لتكلفة الفيلم، لكنه بالتأكيد مرهق لميزانية أبناء العديد من الطبقات المتوسطة الذين يجدون في التلفزيون ما يشبع رغباتهم مجانا، دون مصاريف إضافية لم تعد ميزانيات آلاف الأسر المصرية تتحملها في ظل موجة ارتفاع الأسعار في الفترة الأخيرة.

وأكدت خيرالله على أن عنصر الإعلانات عامل محفز لزيادة الإنتاج التلفزيوني، بخلاف السينما التي من الممكن استخدام نفس العنصر بها في حالة إذا ما اتفقت مع المحتوى المقدم، لكن ذلك لا يحدث في الغالب.

عمرو سمير عاطف: تفوق الدراما التلفزيونية ظاهرة عالمية بدليل النجاح التركي والإيراني

وأضافت أن هناك عنصرا آخر، يتعلق بشعور بعض النجوم بتراجع شعبيتهم السينمائية، ما دفعهم إلى اللجوء للعمل في التلفزيون، ولا سيما أنه يضمن لهم انتشارا جيدا وعوائد مالية قد لا تتيسر في السينما، في ظل أحوالها الراهنة، مؤكدة أن الإنتاج الكبير للتلفزيون لم يجعل تفوقه نوعيا، بل كميا فقط، فمن بين 40 أو 50 مسلسلا لا يوجد سوى 4 أو 5 أعمال جيدة.

السيناريست عمرو سمير عاطف أحد الكتاب الذين أثبتوا تفوقهم في الدراما التلفزيونية خلال السنوات الأخيرة، دافع في تصريحات لـ”العرب” عن الظاهرة باعتبار أنها باتت مسألة عالمية “فنحن مثلا لدينا معرفة عظيمة بالدراما التركية والإيرانية لكننا لا نعرف شيئا عمّا تقدمه البلدان في السينما، على الرغم من تطورهم فيها، خصوصا إيران، كما أن كثيرا من أشهر مخرجي هوليوود مثل مارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبيرغ قدموا مسلسلات ناجحة، وأصبح التلفزيون مثار جذب لهم، وبالتالي نستطيع القول بأننا نعيش عصر الجيل الذهبي للتلفزيون حالياً”.

وأوضح عاطف أن قرصنة الأعمال السينمائية هي أحد العوامل التي ضربت الصناعة أيضا مع عدم وجود إجراءات منصفة تساهم في حل الأزمة، ومع ذلك أكد أن السينما لا يمكن أن تنطفئ أنوارها مع كل ما تعيشه من أزمات، والدليل أن المسرح والإذاعة على قدمهما لم ينته دورهما.

قال أشرف توفيق أستاذ النقد السينمائي والتلفزيوني بأكاديمية الفنون المصرية، أن ثورة يناير أعطت حافزا لصناع الدراما لتقديم الأفضل، وسط منافسة درامية لكثير من البلدان الأخرى في السنوات الماضية، وقدمت الدراما التلفزيونية نفسها كبديل مقبول للسينما في السنوات التي تلت الثورة، وشهدت عزوفا واضحا من الجماهير عن الذهاب إلى دور العرض السينمائي، بسبب الحالة الأمنية التي لم تكن مستقرة في ذلك الوقت، وهو ما كانت له تأثيرات كبيرة على الإنتاج الذي تضاءل، وانسحب منه العديد من المنتجين الجادين.

وأضاف توفيق أن العنصر الاقتصادي كان له تأثيره هو الآخر، فمن ناحية تركت السينما في يد نمط معين من المنتجين الذين يملكون المال والجرأة لإنتاج أفلام تخاطب فئات بعينها من الذين يستطيعون دفع ثمن تذكرة السينما، فظهرت أفلام تعكس المستوى الثقافي المترنح للمجتمع، تعزف الفئات المحترمة عن مشاهدتها.

وختم توفيق: إن العديد من المسلسلات التلفزيونية تتجاوز ميزانياتها الـ50 مليون جنيه (حوالي 7 ملايين دولار)، وهي ميزانية تفوق ضعف ما يحتاجه إنتاج فيلم سينمائي جيد، لكن المكاسب الكبيرة من الإنتاج التلفزيوني دفعت أيضا شركات الإنتاج السينمائي للدخول في شراكة مع الفضائيات لإنتاج دراما تلفزيونية، مما ساهم في إدخال الكثير من العناصر السينمائية على التلفزيون، الأمر الذي منحه بريقا خاصا.

16