السياسة والجمال

لماذا انتقدوا أشكال وأزياء البرلمانيات السابقات ووصفوهن بأبشع الأوصاف.. وإذا ازداد عدد المرشحات السافرات ازدادت معهن سيول الهجوم التي تصفهن بالكاسيات العاريات وجعلوا من عمليات التجميل والمكياج مادة للتندر والاستهزاء؟
الأربعاء 2018/05/02
المرأة العراقية أثبتت أنها للمهمات الكبيرة

لماذا نجد الكلمتين متناقضتين وكأننا نشير إلى الأسود والأبيض أو إلى الليل والنهار.. على الرغم من أن عالم السياسة مثله مثل عالم المال والأعمال.. يكتنفه كل شيء ويفضي بعلاقاته ومصالحه إلى كل شيء؟

لم أفكر يوما بالكتابة في السياسة (ولا في عالم البزنس.. طبعا).. لكن ما استفزّ قلمي اليوم هو المرأة التي تلج هذه العوالم.. والتي غالبا ما تكون تحت مجهر النقد والانتقاد والتسقيط والتشهير والإشاعات.. وعلى الرغم من أن مشاهير السياسة من رجال هم ليسوا بمعصومين أو بعيدين عن النقد والانتقاد.. إلا أن لنساء هذا العالم غالبا الحصة الأكبر.. فهن الحلقة الأضعف في كل مفاصل الحياة.. فما بالك بمفاصل السياسة؟

وقبل الخوض في غمار السياسة الدولية دعونا نبدأ بعالمنا أولا.. فما لفت انتباه الجمهور في الدورات الانتخابية الهزيلة المتلاحقة للبرلمان العراقي.. وجود عدد لا بأس به من المرشحات.. بيد أن الدورات الأولى لم تكن فيها للمرشحات أي علاقة بالسياسة من قريب أو بعيد.. إلا في ما ندر.. لكن ما فرضه الدستور العراقي على الأحزاب من حصة نسائية كان لا بد لها ألا تقل عن خمسة وعشرين بالمئة من مجمل الأعضاء (وهو ما عرف بـ”الكوتا”).. جعل أسماء وأشكالا وأفكارا لا علاقة لها بعالم السياسة أو التحضّر تجد طريقها إلى التربع على كراسي البرلمان لتأتي بنتائج كارثية.. (ولم تكن أقلها مطالبة إحدى البرلمانيات بخفض سن الزواج تعكزا على أحكام دينية وتمريرا لقانون سلفي لم يكن له أن يقرّ حتى ذلك اليوم!) ولا عجب.. فإن شعبا عانى ما عاناه من دكتاتورية وحروب وحصار وجوع تلاه احتلال وحروب أهلية وطائفية.. لم يكن من الممكن له أن يصبح ديمقراطيا ضليعا في شؤون السياسة بين عشية وضحاها.. ولم يكن من الممكن له أن يصحو من نومه لينفض غبار الحروب والكوابيس ليكون متوازنا كفوءا مؤهلا لاتخاذ القرار الصائب والخوض في غمار الأعمار والتغيير ومواكبة ركب التحضر.. على الرغم من أن للإنسان العراقي قدرة عجيبة على صنع المعجزات (وهو ما شهد به الأعداء).. إلا أن المعجزات وحدها لا تكفي لإعادة إعمار وترميم الإنسان بعد أن نالت منه الويلات والكوارث..

ومع ذلك.. فقد أثبتت المرأة العراقية بإصرارها أنها أهل لهذه المهمات الكبيرة مثلها مثل الرجل.. فلماذا نجدها دائما واقعة تحت بؤرة الشك والتشكيك والتسقيط والانتقاص؟.. لماذا انتقدوا إشكال وأزياء البرلمانيات السابقات ووصفوهن بأبشع الأوصاف.. وإذا ازداد عدد المرشحات السافرات والناشطات المدنيات ازدادت معهن سيول الهجوم التي تصفهن بالكاسيات العاريات.. وجعلوا من عمليات التجميل والمكياج مادة للتندر والاستهزاء.. ولم تسلم من الهجوم حتى ألوان أصباغ الأظافر؟.. فهل يتعارض الجمال والأناقة مع الفكر الحر ومع احتراف السياسة؟.. ولماذا لم نسمع أحدا ينتقد أشكال وأزياء المرشحين الرجال؟

ولكي أكون منصفة فإن الأمر لا يقتصر على مجتمعاتنا وحدها.. وإنما يتعداها إلى عالم السياسة الدولية.. فهاهي بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي مثلا.. واقعة في مهب ريح الانتقاد كونها تكبره بـ25 عاما.. بينما لا ينتقد أحد ميلانيا زوجة ترامب التي تصغره بـ23 عاما.. والكل يروج لجمالها وينتقد شكل سيدة فرنسا الأولى!

أما آن الأوان للعالم المتحضر أن يقيم المرأة لفكرها وعلمها وإبداعها وليس لشكلها؟

21