السياسة والحرب شغلتا المخرجين وهيمنتا على عالم السينما

وقائع جدل حول فيلم "الرجل المحظوظ" للمخرج البريطاني ليندساي أندرسون في نادي السينما بالقاهرة فترة السبعينات.
الأربعاء 2020/03/18
"يا لك من رجل محظوظ" فيلم أثار لدى عرضه الكثير من الجدل

في هذا المقال حديث عن فترة من أخصب الفترات في عصر الثقافة السينمائية ونوادي السينما المصرية في السبعينات، وتوقف أمام الكثير من الأحداث والأفلام والشخصيات التي لعبت دورا هاما في تلك النهضة التي انقطعت لأسباب كثيرة.

كناّ نعيش على ما يعرضه نادي السينما من أفلام، نتناقش فيها أسبوعيا، ونذهب لنراجع ونبحث ونقرأ. وبالنسبة لي كانت مكتبة “المركز الفني للصور المرئية” في 36 شارع شريف بالقاهرة، الطبعة التي أستمد منها الكثير عن السينما وعالمها.

وتحديدا كنت أتردد بشكل دائم على مكتبة المركز التي اهتم بها أحمد الحضري اهتماما كبيرا بعد أن تولّى إدارة المركز عام 1972، فأصبح يشترك في المجلات السينمائية الدولية مثل “سايتآند ساوند” و“نشرة الفيلم الشهرية”، و“فيلم كومنت” و“ستيللز” وغيرها، ومجلات أخرى بالفرنسية مثل “سينما” و“إيكران”.

وكنت أستعير الكتب من مكتبة المركز وأطالع المجلات هناك. كما ساهم الحضري في تأسيس أرشيف معلومات سينمائية يضم كل ما ينشر في الصحف المصرية عن السينما، ثم أصدر الدليل السنوي للأفلام المصرية.

مساهمة الحضري في الثقافة السينمائية، هائلة، فقد ترجم عشرات الكتب كما قدّم وراجع كتبا أخرى كثيرة، وأدار نادي السينما وأشرف على تحرير نشرته الأسبوعية التي كانت بمثابة مجلة غزيرة المعلومات.

ولا شك أنه من دون ما ترجمه الحضري ويوسف شريف للنشرة لم نكن لنعرف شيئا عن عدد من كبار المخرجين في تلك الفترة من السبعينات، أي قبل الانفجار الذي وقع في وسائل الاتصال، ثم ظهور شبكة الإنترنت، وسهولة السفر والحصول على المطبوعات السينمائية من الخارج أو تحميلها على أجهزة الكمبيوتر.

أفلام محظورة

مساهمة أحمد الحضري في الثقافة السينمائية، هائلة، فقد ترجم عشرات الكتب كما قدّم وراجع كتبا أخرى كثيرة، وأدار نادي سينما القاهرة
مساهمة أحمد الحضري في الثقافة السينمائية، هائلة، فقد ترجم عشرات الكتب كما قدّم وراجع كتبا أخرى كثيرة، وأدار نادي سينما القاهرة

من المخرجين الذين قدّمهم لنا الحضري ويوسف، المخرج النمساوي- الأميركي جوزيف فون سترنبرغ. ففي فبراير 1973 عرض النادي فيلمه “قطار شنغهاي السريع” (1932)، من بطولة مارلين ديترتش. كتب فتحي فرج وأحمد رأفت بهجت عن الفيلم، وترجم يوسف شريف مقابلة طويلة مع مخرجه، وترجم الحضري مقابلة أخرى طويلة مع مدير تصويره لي جارمس الحاصل على جائزة الأوسكار لأفضل تصوير سينمائي عن هذا الفيلم.

كان سترنبرغ قد هاجر مع والديه النمساويين إلى أميركا عندما كان في الرابعة من عمره. وبين عامي 1930 و1938 أخرج سترنبرغ ستة أفلام قامت ببطولتها جميعها النجمة الألمانية الشهيرة التي انتقلت للعمل في هوليوود مارلين ديتريتش، كان أولها فيلم “المغرب” (1930) الذي تدور أحداثه في المغرب في العشرينات، ويروي قصة حب بين مجند أميركي (يقوم بدوره غاري كوبر) وراقصة في ملهى ليلي.

ولكن أشهر هذه الأفلام، هو فيلم “الملاك الأزرق” الذي أخرجه في ألمانيا وقدّم فيه الممثل الألماني الشهير إميل جيننغز في أول دور في فيلم ناطق لهذا الممثل، الذي حصل على الأوسكار عن دوره في فيلم “القيادة الأخيرة” (1928).

أودّ أن أتوقف هنا لكي أستكمل عناوين الأفلام التي عرضت في النصف الأول من عام 1973 لكي يعرف القارئ كيف كنّا نكتشف الأفلام والمخرجين الكبار من خلال النادي وحده في تلك الفترة. فمن هذه الأفلام إلى جانب ما ذكرته من قبل، “الشمال من الشمال الغربي” لهيتشكوك، “أندريه روبليوف” لتاركوفسكي، “زد” لكوستا غافراس، “المخدوعون” لتوفيق صالح، “حب العصافير” لياروميل يرش التشيكي، و“ماكبث” لبولانسكي، و“مطب 22” لمايك نيكولز. وقد أحدث عرض فيلم “زد” دويا شديدا، بسبب رؤيته السياسية في وقت كانت مصر تشهد بعض الاضطرابات لذلك سرعان ما منعت الرقابة عرضه العام.

ومن طرائف تلك الفترة المشحونة، أنه عندما أعلن النادي عن عرض فيلم “انتهت الحرب” (1966) للمخرج الفرنسي آلان رينيه، وذهبنا جميعا لمشاهدة الفيلم مساء الأربعاء كالمعتاد، إلاّ أننا وجدنا دار السينما مغلقة في وجوهنا، وسط مناخ شديد التوتر والقلق وانتشار بعض مخبري الشرطة. فقد صدر قرار من “جهات عليا” بمنع عرض الفيلم.

وقيل في أسباب ذلك أن اسم الفيلم استفز المسؤولين في ذلك الوقت، فما معنى أن “الحرب انتهت”؟ وقد فُهم العنوان على أنه نوع من السخرية، أما السبب الأقرب إلى الصحة فهو أن بطل الفيلم الذي يقوم بدوره إيف مونتان، كان زعيما شيوعيا تجاوزه الزمن ولم تعد أساليبه النضالية تعجب رفاقه، الذين تخلّوا عن العنف الثوري.

ومن الأفلام التي تم منع عرضها في النادي أيضا بسبب تدخل “السلطات العليا” فيلم “اغتيال تروتسكي” (1972) لجوزيف لوزي، الذي أعلن النادي عن عرضه لكنه لم يعرض بسبب ما يمكن أن يثيره من تعاطف مع شخصية تروتسكي.

وأتذكر أنه من الأشياء الطريفة أن طلاب الجامعة الذين اعتصموا في ميدان التحرير في يناير 1972 كتبوا على الجدران “ماذا فعلت في الحرب يا بابا”، وكانوا في ذلك يستخدمون بسخرية عنوان الفيلم الكوميدي الشهيرWhat Did You Do in The War Daddy؟ للمخرج بليك إدواردز (1966).

انفتاح ثقافي وفكري

من الأفلام التي أثارت أيضا الكثير من الجدل عند عرضها في النادي فيلم “يا لك من رجل محظوظ” (1973) Oh.Lucky Man للمخرج البريطاني ليندساي أندرسون. وقد عرضه النادي في مايو 1974.

كتب أحمد رأفت بهجت عن الفيلم وتوقف كثيرا كعادته، أمام المغزى السياسي له، وعلاقة الفيلم بفكرة الاستعمار الجديد ورفض الثقافة السائدة، ونشر سمير فريد مقابلة خاصة أجراها مع المخرج بمساعدة الناقد البريطاني ديفيد روبنسون، كما ترجم محمد عبده جزءا ممّا كتبه ليندساي أندرسون في الكتاب الذي يضم سيناريو الفيلم. ثم نشر يسري نصرالله مقالا عن الفيلم دعّمه بمقابلة سريعة أجراها مع أندرسون في لندن، وكان وقتها يكتب النقد السينمائي قبل أن ينهي دراسته للسينما في معهد القاهرة، ويغادر إلى بيروت حيث قضّى سنوات يمارس النقد في صحيفة السفير، قبل أن يعود إلى مصر ويعمل مع يوسف شاهين، ثم يبدأ مشروعه السينمائي الخاص في الإخراج في الثمانينات.

ومن يطالع هذه الكتابات اليوم يدرك إلى أي مدى كان هناك كل هذا الاهتمام بفيلم سينمائي واحد لمخرج كبير، وكيف كان هناك انفتاح ثقافي وفكري على مختلف الآراء، وكيف كان العالم “المغلق” مفتوحا، وأن تكون مصر جزءا من العالم الكبير لا بلدا مُغلقا على نفسه يجتر مراراته ويتعلق فقط بمحيطه المباشر الصغير الذي صار أكثر تأثيرا عليه، وكيف كان هذا الوضع يسمح بأن يسافر سمير ويسري إلى لندن ويقابلان المخرج ليندساي أندرسون مباشرة، وينقلان لنا ما يقوله ويراه دون تلك الأسئلة التقليدية الساذجة المضحكة التي أصبحت سائدة في الصحافة المصرية التي يوجهها كل من يجري حوارا مع مخرج أجنبي مثل: “ما رأيك في مصر، وهل تشاهد الأفلام المصرية، وهل تعجبك، وهل نحن حلوين وشاطرين”.. إلى آخر كل هذا الهراء.

يسري نصرالله كتب في النشرة (بتاريخ 12 يونيو 1974) أنه قال لأندرسون في لقائه معه، أنه يرفض الرؤية التي توصل إليها في الفيلم، أي تلك الرؤية التي لا ترى إمكانية أو جدوى للصراع، وإن كانت ترى في الواقع كل الأسباب التي تجعل هناك على الأقل داعيا للصراع.

كما عبّرتُ له عن اشمئزازي من النتيجة التي يصل إليها وهي “أن تبتسم”، أي تستسلم للأمر الواقع. وكان رده: هذه النتيجة غير موجودة أصلا في الفيلم، فالاستسلام يتطلّب نوعا من التأقلم أو الاندماج مع الواقع المتدني، وأنه يرى أن أسلوب مواجهة هذا الواقع هو أن يقبله المرء ويبتسم له كالفلاسفة، وهناك فرق بين القبول والاستسلام، فالاستسلام يدلّ على الضعف في حين أن القبول هو نوع من الحكمة.

وكان يسري ينطلق من أرضية “يسارية ثورية” في ذلك الوقت، فهو يمضي في تحليل الفيلم ليصل إلى أن أندرسون ينقد الرأسمالية من الأرضية الرأسمالية، لذلك “فرؤيته لا تسمح له بأن يرى البديل الثوري لهذا التعفّن والقهر. إن لأندرسون رغم كراهيته لهذا النظام لا يتخيّل إمكانية الحياة دونه. وهو عندما يثور عليه يثور بشخصه وينسى أنه لن يكون أبدا وحده بديلا ثوريا لهذا النظام، وأن البديل الثوري له إنما يأتي عن طريق الجماهير”.

هكذا كان يسري نصرالله يفكر ويرى الأمور ويحكم على الأفلام في شبابه، عندما كان في الثانية والعشرين من عمره. أظن أن أمورا كثيرة تغيّرت في العالم وفي أفكارنا ومفاهيمنا وعلاقتنا بالسينما.

16