السياسة والدراما وأزمة المواطنة في الإسلام

تمثل مسألة المنشأ العربي جوهر إشكالية رئيسية بخصوص عالمية الدين الإسلامي والتي تتمحور حول كيف يمكن اعتبار الإسلام دينا عالميا وهو دين مختنق باللغة والثقافة العربيتين ومحصور في البيئة العربية؟
الخميس 2016/07/14
الإسلام ليس مقصورا على شعب دون آخر

أعود مجددا إلى مسلسل (سمرقند) الذي كتبه المؤلف القدير محمد البطوش وأخرجه المتميز إياد الخزوز. وقبل الخوض في زاوية جديدة أثارها المسلسل، ألفت النظر إلى مشهد ظهر في حلقاته الأخيرة، بدا إسقاطا مباغتا ولامعا على الواقع المعيش، إذ كان الشاعر عمر الخيام، عبر الممثل اللبناني يوسف الخال، يؤنّب الداعية الإسماعيلي الحسن الصباح، ممثلا في الفنان السوري عابد فهد، على اغتيال الوزير التنويري نظام الملك.

شعرت في هذا المشهد بأن الخال (الخيام) لبناني ويتحدث عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا عن الوزير الشهيد نظام الملك، وشعرت بأن عابد فهد لا يؤدي دور الحسن الصباح إنما يقوم بدور أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وكان اختيار ممثل سوري لهذه الشخصية صدفة رمزية تذكرنا بشريك الحزب الإلهي في جرم اغتيال الحريري، بشار الأسد، أيا يكن موقف فهد السياسي.

ليس هذا موضوع المقالة، إنما جزئية أثارها المسلسل دون قصد، وقد رأيت هذه الزاوية في غير مسلسل تاريخي لذلك اقتضى التنويه بها. أشار المسلسل إلى هوان العرب المعاصر وتكالب الآخرين على حكمهم، وكان الآخرون في هذا المسلسل هم السلاجقة. ويجوز أن نسقطهم اليوم على إيران لأن أغلبهم فرس. ويجوز أن نسقطهم على تركيا لأن أغلبهم سنة. ولا شك أن المعالجة الدرامية حملت موقفا سلبيا ضدهم لإعلاء قيمة العروبة.

وللإنصاف فإن هدف المسلسل ليس تمجيد العرب وتسفيه غيرهم لأنه انتقد أفعالا وأشخاصا لا أعراقا، وليس أدل على ذلك الموقف الإيجابي من عمر الخيام ومن نظام الملك، فقضية المسلسل هي نقض الإرهاب وهدم ولاية الفقيه.

أولى محاولات تصعيد العروبة بالدراما التاريخية وفق متابعتي المتواضعة، شاهدتها في فيلم (الناصر صلاح الدين) ليوسف شاهين، وهو الفيلم الذي أسس من أجله جمال عبدالناصر “القطاع العام للسينما”. وكان في ذهنه العديد من الأهداف، منها أن يربط اسمه بصلاح الدين الأيوبي محرر القدس وقاهر الصليبيين، ومنها أيضا استخدام السينما في التجييش لمصلحة خطابه السياسي المناهض للاستعمار وللإمبريالية، ولا شك أن القضية الفلسطينية كان لها نصيبها من أهداف عبدالناصر. لكنّ هدفا أراده عبدالناصر في هذا الفيلم لم يتسق مع الحقائق التاريخية وهو التجييش السينمائي للقومية العربية. ولست أدري كيف غابت عن صناع الفيلم من أولهم إلى آخرهم كردية صلاح الدين، وتلك من سخريات القدر التي تذكرتها وأنا أرى تطورات المسألة الكردية في العراق وفي سوريا.

نزول الإسلام في أرض العرب وتقوقعه داخل اللغة العربية جعلا تطبيقه التاريخي على تناقض صارخ ودائم وصريح مع نصوصه

وفي عمل مصري آخر لا أستحضر اسمه، كان مسلسلا تلفزيونيا هذه المرة، قام الممثل الراحل خليل مرسي بدور الخليفة العباسي المعتصم بالله. وكانت للمعتصم علامات بارزة، منها فتح عمورية التي يتحاكى العرب والمسلمون عن أساطيرها إلى تاريخه، وبناء مدينة سامراء “سرّ من رأى” العراقية، ومنها أيضا استقدام الترك واستخدامهم كجند للخليفة. ولم ترشدني قراءاتي إلى الأسباب السياسية أو الاقتصادية التي دفعت المعتصم إلى خياره هذا، لكن خليل مرسي في مسلسله كان يلعن اللحظة التي اعتمد فيها على الأتراك. وأفصح عن رغبته في بناء جيش عربي يكسر شوكة الأتراك مع أنهم جنده وخدمه ليعود السلطان كله إلى العرب.

وثالث الأعمال ورابعها، مسلسل هارون الرشيد، الذي قدمه نور الشريف في نسخة مصرية، وقدمه رشيد عساف في نسخة سورية. وحمل المسلسلان موقفا واحدا من البرامكة. إذ لم تكن المسألة مجرد حاشية تعسّفت وطغت في استخدام سلطاتها، إنما صراع تاريخي وعرقي وسياسي بين الفرس البرامكة وبين العباسيين العرب، ومن الطبيعي أن ينحاز العملان إلى العرب طبعا، فكان البرامكة الفرس وراء كل جريمة ومصيبة. ومن نافلة القول أن نذكّر بالموقف السلبي للمسلسلات المصرية والسورية التي تتناول الحقبة العثمانية.

دراما تناقض التاريخ

في رأيي فإن أغلب المقاربات السابقة لم تكن موفقة، فمحاولات ليّ التاريخ تسويقا للعروبة وللقومية العربية كانت في غير محلها، بل تتناقض مع حقائق التاريخ، فعلى سبيل المثال، فإن الحاضنة الشعبية لنشأة الدولة العباسية لم تكن عربية بالمرة. وكان العرب آخر من انضم إلى لوائها بعد أن سادت في فارس وفي خراسان.

فقد كان مأخذ رعايا الدولة الأموية أنها دولة عربية لم تترك للآخرين نصيبا رغم أن حكم بني أمية شهد تمييزا صارخا بين القيسية واليمنية وهم عرب كلهم، فجاء العباسيون ليسددوا أثمان الحاضنة الشعبية بداية من الفرس وليس انتهاء بالأتراك وبالمماليك حتى ذهبت هيبة الخلافة تماما وخرجت من العرب إلى غيرهم (العثمانيون).

قبل أشهر قرأت بحثا قيّما عن العلمانية، وقال الباحث إن معاناة بعض الدول الأوروبية من بعض الجاليات المسلمة، مردّه الأساسي أن نشأة العلمانية تبلورت لتعالج تصادما مسيحيا- مسيحيا بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وحين بنى عصر التنوير ثم عصر النهضة قيم الحداثة وتداعياتها تواءمت مع معطيات الواقع الأوروبي المسيحي آنذاك، ثم بدأ الجدل، إن لم نقل الإشكال أو الأزمة، حين ظهر في البيئة الأوروبية عنصر جديد أفضى إلى تكوينات مغايرة للماضي، أي الإسلام.

لا أستحضر ذلك البحث لأقول إن العلمانية لا تصلح للبيئة الإسلامية، لأنني أؤمن قطعا وكليا بالنتيجة المضادة، فلا نجاة للعرب وللإسلام إلا بالعلمانية وضمن سلسلة قيم الحداثة كلها، لكن الغرض هو التنبيه إلى جدل مواز مرتبط بالإسلام، فرغم النصوص الأصلية الصريحة التي تحدثت عن الإسلام كخاتم للأديان ولا فرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى، لكن نزول الإسلام في أرض العرب وتقوقعه داخل اللغة العربية، جعلا تطبيقه التاريخي على تناقض صارخ ودائم وصريح مع نصوصه، وما فعلت صفحات المؤرخين ومسلسلات الدراما غير تسليط الضوء على المشكلة التي لا مفر من إنكارها.

يروى عن كمال أتاتورك أنه أمر بتحويل الأذان من اللغة العربية إلى اللغة التركية، وحين جاءه المشايخ معترضين قال لهم “وهل الله يجهل اللغة التركية أو يعجز عن فهمها؟”.

محاولات للي التاريخ تسويقا للقومية العربية

ورغم بغض الإسلامويين وبعض المسلمين لأتاتورك، إلا أن هذا الرجل، من خلال ما نراه في تركيا اليوم، تركيا المجتمع والنخبة لا تركيا أردوغان، قدم خدمات جليلة للإسلام وللسنة، وهذه الخدمات هي تلك المآثر التي يشتمه خصومه بسببها، كإلغاء الخلافة وعلمنة الدولة.

على مر تاريخه إذن، واجه الإسلام مشكلة مساواة، وهي ما نسميها اليوم أزمة مواطنة، سببها المنشأ العربي. وهذه الأزمة هي ما نراه في بعض الكتب وأعمال الدراما، فلا يعيب الفرس أو الترك أو السلاجقة الطموح في حكم إمبراطوري، فقد سبقهم العرب إليه بعد الفرس والروم، وإذا رضي العرب بأن يحكموا غيرهم باسم الدين فلماذا يتعالون عن أن يحكمهم غيرهم باسم نفس الدين؟

الإسلام وأزمة المواطنة

بمعايير ذلك الزمان، عبّر الإسلام بالأمس ما عبرت عنه المواطنة اليوم، لكن ما قرأناه عن بعض مؤرخي العرب ووجهائهم، يوحي بأنهم فهموا الإسلام كذريعة للسيطرة على الآخرين وحكمهم، وما قرأناه عن ابن تيمية -مثلا- مضحك جدا، فالعرب عنده هم أفضل البشر والشعوب. ثم زوّر الفقهاء حديثا نبويا يشترط الخلافة في قريش زاعمين أن للإسلام قبيلة ملكية. ولم يكن تبلور الطائفة الشيعية أفضل حالا، إذ اختصروا قريش في أسرة ملكية دينية هم آل البيت. وحين أخذت الشعوب غير العربية حقها أو بعض حقها في الحكم عباسيا، واجهت الحقيقة الأهم، أن دين العالمين ليست منه إلا نسخة عربية، ولعله هو الدين الوحيد في العالم الذي يشترط الاندماج العملي والجدي فيه تعلم لغة جديدة وحصرية. ولست أرى ازدهار الفرق والمذاهب والطوائف في العصر العباسي، إلا محاولات لتوطين الدين العربي في بيئات محلية مغايرة.

كان مفاجئا للإسلام التعرف على ثقافات وحضارات ليست عربية كما كان ذلك مفاجئا للشعوب الأخرى، لذلك إذا دققنا في مجموع طوائف الإسلام سنجد أن كل طائفة تحمل بصمة من ثقافة متميزة عن بلد المنشأ (شبه الجزيرة العربية)، وأتذكر أن الفقهاء جعلوا قراءة القرآن باللغات الأخرى ليست بذات أجر قراءة القرآن بالعربية. ولا أظن أن الفقهاء أوتوا الشجاعة ليجيزوا الصلاة بلغة غير العربية، على الرغم من أن الله – كما نبّهنا أتاتورك – يعرف كل اللغات. كيف يمكن اعتبار الإسلام دينا للعالمين وهو دين مختنق باللغة العربية وبالتالي البيئة العربية حصرا؟

وألفت النظر إلى صورة الآخر في تاريخنا، إذ لا يجوز أن نأخذ موقفا سلبيا من الفضل البرمكي أو من السلطان سليمان القانوني لمجرد أن هذا فارسي وذاك تركي، فهكذا ننسف الإسلام من أساسه، وربما لو علم غير العرب بهذا قبل 14 قرنا لما دخل في الإسلام منهم أحد إلى يوم يبعثون. وأمثال البرمكي والقانوني أتيحت لهم المناصب والسيادة بفضل الإسلام/المواطنة، هم صدقوا ذلك ونحن كذبناه، والزاوية التي يجب أن نفكر فيها هي صورة الحاكم العربي عندهم من نفس منظارنا الأعوج، فلنذكّر مثلا بما رواه المؤرخون عن امتلاك المتوكل لـ4000 جارية إذا دخل بواحدة مرة ما استطاع العودة إليها.

بعض صناع الدراما يطبقون معايير الحاضر على التاريخ، وهذا مفهوم لغايات الدراما نفسها، لكن ما أعجز عن فهمه، هو قيام العرب وبعض المسلمين والمؤرخين بتطبيق معايير الدراما والتاريخ على الدين، فكانت النتيجة هي مأساتنا اليوم التي من عناوينها أن الإسلام دين عربي لم يرتق إلى العالمية التي أرادها لنفسه.

صحافي سعودي
6