السياسة والدين موضوعان كافيان للانتقام من رسامي الكاريكاتير

يتعرض رسامو الكاريكاتير إلى تهديدات متزايدة بحسب درجة النقد التي يوجهونها في القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، وبنفس الدرجة التي يتعرض لها الصحفيون في مختلف وسائل الإعلام.
الجمعة 2015/05/22
الرسوم التي تتناول موضوعات تهم الناس فرصها كبيرة في الانتشار

نيويورك - زاد بروز الرسوم الكاريكاتيرية وقدرتها على الانتشار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنابر التي تعتمد على الإنترنت والتي تفضّل الرسائل القوية واللاذعة. إلا أن قدرة هذه الوسائل على عبور الحدود واللغات أدت في الوقت نفسه إلى زيادة الخطر على الأشخاص الذين يرسمون الرسومات الجريئة وينشرونها.

ويواجه الرسامون التهديدات والمخاطر ذاتها التي يواجهها الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة ممن يغطون موضوعات حساسة، حسب تقرير لـ“شاون دبليو كريسبن” نشرته لجنة حماية الصحفيين.

وتعرض رسامو الكاريكاتير إلى ملاحقات متنوعة من رقابة ودعاوى قضائية عقابية واعتداءات بدنية والسجن والاختفاء والقتل بسبب عملهم الصحفي ذو الطابع الفني، حتى أن بعضهم اضطر للفرار إلى المنفى لتجنب القمع.

وأفاد رسامون ومحررون أن هذه التهديدات تزداد أثناء فترات الاضطرابات السياسية أو الاقتصادية أو المدنية. وفي حين يستخدم الرسامون الفكاهة والمبالغة والتلميح لتسليط الضوء على النقاط التي يريدون إثارتها، فإنهم غالبا ما يستهدفون بالمضايقات لأن الرسوم الساخرة، سواء أكانت ضمنية أم صريحة، قادرة على إيصال أفكار سياسية معقدة بشكل سهل وتلقى التجاوب من الجمهور الواسع.

ويقول روبرت راسل، المدير التنفيذي للشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير، تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، “هناك ما يشبه المعادلة التي يمكننا تمييزها في وقت مبكر والتي يمكنها أن تدلنا متى تصبح الأوضاع خطرة لرسامي الكاريكاتير. فأي دولة فاشلة أو زعيم لا يحتمل النقد يدخل في منافسة انتخابية أو شكل من أشكال الانتقال السياسي سيعمد دائما إلى قمع رسامي الكاريكاتير في أوقات انعدام الأمن”.

بدوره قال رسام الكاريكاتير الهندي أسيم تريفيدي، “أخذت الرسومات الكاريكاتيرية في العديد من المناطق تصل إلى عدد كبير من الناس وأكثر من أي وقت مضى مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي”.

الرسوم الساخرة قادرة على إيصال أفكار سياسية معقدة بشكل سهل وتلقى التجاوب من الجمهور الواسع

وكان تريفيدي قد احتجز مؤقتا وواجه حكما بالسجن مدى الحياة بسبب رسوماته التي تناولت الفساد السياسي المتفشي، بما في ذلك رسم يصور البرلمان الهندي كمقعد في مرحاض. ولكن في عام 2012، أسقطت السلطات اتهامات التحريض ضده.

ويقول تريفيدي، الذي ينشر رسوماته بالصحف المطبوعة وعلى شبكة الإنترنت، وغالبا ما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، “إذا كانت هناك رسالة تتناول موضوعا رئيسيا يهم الناس، ستكون فرصها كبيرة في الوصول إلى الجماهير”.

وقال روبرت راسل، “تقوم الحكومات والجماعات المتعصبة بمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي مراقبة حثيثة بحثا عن أي إشارة لتعليقات مخالفة”، وأضاف أن التدفق الحر للأخبار والمعلومات عبر الإنترنت عمل على حشد جماهير هائلة جديدة ونشر التطرف لدى بعض الجماعات. وقال، “بدأ العالم، وللأسف، يستفيق لقوة الرسومات الكاريكاتيرية وتأثيرها، وأخذ يستجيب عبر ممارسة العنف والقتل”.

ويقر الرسامون الساخرون بأن النقد هو طريق ذو اتجاهين مع وجود الإنترنت. وتقول سيغن ويلكنسون، وهي رسامة حائزة على جائزة بولتزر في الولايات المتحدة، “يجب على رسامي الكاريكاتير أن يتقبلوا النقد أيضا. لقد وصفت بأنني مناهضة للكاثوليك، ومناهضة للإسلام، ‘وبمكانة غوبلز (النازي) بالنسبة للحركة النسائية’ -وبالتأكيد أنا لم أسعى يوما إلى تقليد غوبلز”. وليكنسون معروفة بالرسومات التي تنشرها في صحيفة ‘فيليدلفيا ديلي نيوز’، وتقول “يحق لقرائي أن يتذمروا بالشدة والشناعة التي يريدونها. لكن ليس من حقهم أن يطلقوا الرصاص عليّ”.

وهناك رسامون آخرون واجهوا تهديدات من المتطرفين مما دفعهم إلى الفرار إلى المنافي أو الاختباء. اعتقلت سلطات بنغلاديش في عام 2007 رسام الكاريكاتير أريفور رحمان، الحائز على جوائز، وذلك بموجب قانون السلطات الخاصة في بنغلاديش، لأن عددا من الزعماء الدينيين المحليين اعتبروا أن أحد رسوماته الذي نشره في مجلة ‘ألبين’ الأسبوعية يصور النبي محمد بشكل مسيء.

في البلدان التي تفرض قيودا مشددة على حرية التعبير، عادة ما تكون الحكومة هي المصدر الأكبر للتهديد

حوكم رحمان غيابيا وصدر بحقه في عام 2009 حكم بالسجن لمدة شهرين بسبب الرسم الذي قال إنه فسّر على نحو خاطئ تماما. وكادت الشركة الأم للمجلة، والتي تصدر صحيفة ‘بروثوم آلو’ أن تفقد رخصة النشر، وقال رحمان، الذي يعمل حاليا رساما مستقلا في أوسلو ويناهض التطرف الديني والإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام، “المتدينون يبحثون عن الكفر في كل مكان، ولكننا نحن الرسامين نحاول فقط أن نضحك الناس”.

وفي البلدان التي تفرض قيودا مشددة على حرية التعبير، عادة ما تكون الحكومة هي المصدر الأكبر للتهديد. وقال جونثان غوير، وهو باحث ومحرر يعمل من القاهرة وكتب على نطاق واسع حول دور رسامي الكاريكاتير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الرسومات الكاريكاتيرية عادة ما تتضمن أقوى التعليقات السياسية عندما تعمل السلطات على كبت أصوات المعارضة.

وتظهر الأبحاث التي أجراها غوير أن رسامي الكاريكاتير يستخدمون الرموز والعناوين الفرعية واللغة الرمزية للتملص من الرقابة وتحدي الوضع الراهن والتشكيك في الخطاب الرسمي، وذلك بأساليب لا يتمكن الصحفيون من استخدمها في ظل الأنظمة القمعية. ويقول غوير، “ميزة الرسم الكاريكاتيري أنه أكثر جلبا للنظر. ويستخدم الرسامون جميع أنواع الطرق الملتوية والحيل” بحيث “لا يكون النقد القاسي واضحا للعيان. إن رسامي الكاريكاتير وبحكم طبيعة عملهم مخاطرون”.

ووفقا لغوير، تتجسد هذه الجرأة بالتصويرات اللاذعة التي رسمها الرسام السوري علي فرزات لنظام الرئيس بشار الأسد. إلا أن هذه الشجاعة كلفت الرسام ثمنا باهظا: ففي عام 2011 اختطف على يد مهاجمين مجهولين قاموا بتهشيم يده لمنعه من الرسم، ثم ألقوا به على قارعة الطريق. ويعيش فرزات حاليا في المنفى في الكويت.

18