السياسة والمال يتقاطعان مجددا في مصر

فوز رجل الأعمال محمد أبوالعينين بعضوية مجلس النواب في الانتخابات التكميلية لمجلس النواب يفجر قضية عودة رجال الأعمال إلى العمل السياسي.
الثلاثاء 2020/02/25
السياسة تجارة رابحة

القاهرة - تشهد الأحزاب المصرية عودة ظاهرة رجال الأعمال لشغل مناصب قيادية، بعدما توارى أغلبهم عن الأضواء منذ ثورة 25 يناير 2011، مع تغيرات في طبيعة الممارسة السياسية تميل نحو التركيز على الدور الاجتماعي لجذب الجماهير، أكثر من لعب أدوار تتعلق بالسباق نحو اقتناص السلطة.

تتواجد هذه الظاهرة في كل الديمقراطيات، حيث يلعب المال دورا مؤثرا في بعض المفاصل السياسية، لكن هذه العملية تظل محكومة بضوابط معينة غير موجودة حتى الآن في مصر.

قام بعض رجال الأعمال في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بأدوار من خلف الكواليس عبر دعم مرشحين مقربين إليهم قبل العودة إلى احتلال مواقع قيادية في أحزاب قائمة، وقبل حلول ثلاثة استحقاقات دستورية ستشهدها مصر خلال الأشهر المقبلة، وهي انتخابات مجلسي النواب والشيوخ والمحليات.

فجر فوز رجل الأعمال محمد أبوالعينين بعضوية مجلس النواب في الانتخابات التكميلية لمجلس النواب عن دائرة الجيزة (مقعد شغر بوفاة نائب) قبل أيام، قضية عودة رجال الأعمال إلى العمل السياسي، لأن خطوته جاءت بعد أسابيع قليلة من اختياره نائبًا لرئيس حزب “مستقبل وطن” للشؤون النيابية بإجماع قيادات الحزب.

وقالت مصادر برلمانية لـ”العرب”، إن ائتلاف “دعم مصر” وضع في اختياراته للمرشحين للانتخابات رجال الأعمال في المرتبة الأولى ضمن قوائمه التي سيتم الدفع بها للمنافسة في الانتخابات.

وتشهد مصر، ما يمكن تسميته بسوق بيع وشراء الأحزاب السياسية وتعليبها بعروض استحواذ غير معلنة للأحزاب الفقيرة من رجال أعمال، منذ توقف الدعم المالي الحكومي، وفى ظل حظر القانون ممارستها نشاطًا اقتصاديًا تستطيع عبره توفير النفقات اللازمة لنشاطها.

الأحزاب المصرية تشهد عودة رجال الأعمال لشغل مناصب قيادية، بعدما توارى معظمهم عن الأضواء منذ ثورة 25 يناير 2011

قبل ثلاثة أشهر، تم الإعلان عن اختيار رجل الأعمال مدحت بركات، رئيسًا لحزب “أبناء مصر”، “المواجهة” سابقا، وتفويضه في وضع الخطط المستقبلية للحزب دون الإعلان عن أسباب رحيل رئيسه السابق الدكتور محمد زكريا الذي اختفى من الساحة دون صدور قرار معلن من جمعيته العمومية.

ويعتبر باحثون أن الأحزاب المصرية تقوم على فكرتين، الأولى ترتكز على المؤسس والممول، والثانية تعتمد على المدير الإداري، وهذه التجربة ساعدت على المزيد من انهيار التجربة الحزبية بمصر فنحو 20 حزبًا تتم إدارتها وتمويلها من قبل رجال أعمال، وتعمل لصالح أجنداتهم الخاصة، وليس لإقامة حياة سياسية حقيقية.

ويحظى 13 حزبًا من بين 105 أحزاب مصرية بتمثيل مجلس النواب، من بينها خمسة فقط لها نشاط مستمر عبر المؤتمرات مع أعضائها، والغالبية العظمى تحولت إلى شركات مغلقة لا يتم فتحها إلا في مناسبات بعينها توفيراً للنفقاتًا ولتحمل رواتب العاملين داخلها.

وأوضح المحلل السياسي، طارق فهمي، أن مصر ستشهد ثلاثة استحقاقات دستورية العام الحالي، ما يمثل إغراء لطبقة رجال الأعمال بالانضمام إلى أحد الأحزاب ليس بهدف ممارسة السياسة، لكن لاعتلاء رأس قائمة انتخابية يضمن عبرها التمثيل في إحدى غرفتي البرلمان.

وأضاف فهمي، لـ”العرب”، أن دخول رجال الأعمالِ الأحزابَ يحتاج إلى ضوابط، لأن غرضهم احتلال المناصب القيادية، وهذا يتسبب في انهيار الكيان بالكامل، فبمجرد انتهاء التمويل يتعرض الحزب للسقوط، ومصر شهدت العديد من الأمثلة، على أحزاب تصارع على رئاستها العديد من الأسماء.

طارق فهمي: دخول رجال الأعمالِ الأحزابَ يحتاج إلى ضوابط، لأن غرضهم احتلال المناصب القيادية، وهذا يتسبب في انهيار الكيان بالكامل
طارق فهمي: دخول رجال الأعمالِ الأحزابَ يحتاج إلى ضوابط، لأن غرضهم احتلال المناصب القيادية، وهذا يتسبب في انهيار الكيان بالكامل

وتبدو المشكلة في معاملة رجال الأعمال السياسة كمشروع تجاري، فالكثير منهم يتنقلون بين الأحزاب دون اقتناع فكري، مثل طلعت القواس رجل الأعمال الذي كان عضوًا في الحزب الوطني المنحل، ثم خاض انتخابات مجلس النواب على حزب “المصريين الأحرار”، ويشغل حاليًا منصب نائب رئيس حزب “الحرية المصري”.

واستقطب حزب الوفد العريق على مدار العامين الماضيين رجال أعمال كبارا، مثل محمد فريد خميس، رئيس اتحاد المستثمرين المصريين، ورضا إدوارد، عضو الهيئة العليا حاليًا الذي يملك مجموعة مدارس دولية، وفايز أبوخضرة، صاحب شركة عقارات، ليؤكد الحزب بعدها أنه يعتمد على رجال الأعمال في تمويل حملاته الانتخابية، ولا يعاني أية أزمات مادية.

ويملك حزب “النور” حاليًا في عضويته نحو 13 من رجال الأعمال السلفيين الكبار المتخصصين في الاستيراد والتصدير والخدمات البترولية والملابس الجاهزة والاستثمار العقاري، ويضخون في موارده أموالاً طائلة، تمكنه من خوض الانتخابات في الدوائر التي ترغب الهيئة العليا في المنافسة بها.

وأوضح ناجي الشهابي، رئيس حزب “الجيل الديمقراطي”، لـ”العرب”، أن رجال الأعمال يبحثون عن مظلة تحميهم من المحاسبة أو المساءلة، واستصدار تشريعات تضمن الحفاظ على مصالحهم وأنشطتهم الاقتصادية، وبعض الأحزاب تستقطبهم كعنصر تمويلي لأنشطتها في ظل توقف الدعم الحكومي.

ولا يسعى رجال الأعمال للحصول على المنافع ذاتها بعد تغير فكر الدولة نحو استثمار الأراضي بذاتها وطرحها بسعرها الحقيقي أمام الاستثمار، لكن يرتبط إقدامهم الجديد بحماية تشريعية في المقام الأول وسط التغيرات في القوانين الضريبية والمنظمة للاستثمار.

ويقول الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري الاقتصادي، إن دخول رجل الأعمال للحياة الحزبية كان يحمل مزيجًا من الوجاهة الاجتماعية والحصول على امتيازات، وكان الدافع وراء وجود 97 نائبًا في مجلس النواب الحالي ينتمون إلى طبقة المستثمرين والتجار ويركزون اهتمامهم على التشريعات أكثر من ممارسة أي دور رقابي على الحكومة.

وأضاف عبده، لـ”العرب”، أن الانتخابات في مصر تحتاج إلى تمويلات ضخمة وتقديم خدمات مجانية، سواء في عبوات رمضانية أو مستلزمات مدرسية، ما يجعل فئة المستثمرين تسيطر دائمًا على الحلبة الحزبية، وأنفق أحد الأغنياء 645 ألف دولار لدخول البرلمان.

وأشار محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، إلى أن بعض الأحزاب السياسية المعروفة بثرائها وصل بها الحال إلى شراء مرشحين بالتعاقد مع مجموعة من الأسماء ذات السمعة في مناطقهم وتحمل تكلفة الدعاية بالكامل ليمثلوا في المجلس ويدافعوا عن مصالحه.

7