السياسيون والشباب في مصر.. علاقة متدهورة وتوتر متواصل

السبت 2016/04/30
شباب مصر في صراع دائم مع السلطة

القاهرة – لا تتلخص مشكلات الشباب المصري مع السلطة الحاكمة في الجوانب السياسية فقط، رغم انخراط بعضهم في أنشطة وجماعات تطالب بالمزيد من الحريات، وقبوع البعض الآخر في السجون لأسباب مختلفة، بل تتجاوزها إلى أبعد من ذلك. حيث تبقى المشكلات الاقتصادية وما يترتب عليها من تبعات اجتماعية أقوى تأثيرا، ويعزي إليها السبب الرئيسي في حالة خصام الشباب مع الحياة السياسية بشكل عام، جراء انتشار البطالة وتأخر الزواج وانخفاض سقف التطلعات المعيشية للملايين من الشباب المصري.

وذكر تقرير أعده المجلس القومي للخدمات والتنمية الاجتماعية، أن نسبة مشاركة الشباب في الأحزاب السياسية والعمل الجماعي والتطوعي مجتمعة لا تتجاوز 2.5 بالمئة، الأمر الذي يعني أن هناك حالة من اللامبالاة لدى قطاع كبير منهم، عكس ما كان متوقعا عقب ثورة يناير. وأرجع مراقبون عزوف الشباب عن المشاركة السياسية إلى أسباب اجتماعية، حيث لم يحصّل أغلب الشباب تعليما مميزا، ولم يجدوا أماكن لممارسة الهوايات أو الترفيه، بسبب الظروف المتقلبة التي مرت بها مصر لفترة طويلة. ورغم إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا أن 2016 سيكون عام الشباب المصري، إلا أن الخبراء قللوا من أهميته، انطلاقا من أن المقصود بخطاب الرئيس حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للشباب، دون وجود رؤية لاستيعابهم سياسيا.

2.5 بالمئة نسبة مشاركة الشباب المصري في الأحزاب والعمل العام 2015

وفي السياق، قال عصام شيحة القيادي بحزب الوفد الليبرالي لـ”العرب” إن أزمة الشباب مع الأنظمة المتعاقبة تكمن في عدم فهم النظام الحاكم لأساليب التعامل مع الشباب، الذين ارتفعت طموحاتهم السياسية، وأصبحت لديهم رغبة في صناعة المستقبل. وأضاف شيحة أن لجوء الدولة للطرق الأمنية في إدارة ملف الشباب المعارض يفسد العلاقة بين الطرفين، بينما كان يجب استغلال الغطاء الشعبي الكبير الذي يتمتع به النظام الحالي لمد جسور الحوار معهم.

لا شك أن ثورات يوليو 1952، ويناير 2011، ويونيو 2013، كانت لها تأثيرات سياسية كبيرة على الشباب المصري، وخلقت لديهم رغبات ملحة للمشاركة في العمل السياسي، لكن ذلك ارتبط بالحصول على السلطة فكان الفشل مصيرهم.

وحذر مراقبون من أن عدم جدية النظام المصري حاليا في كسب شباب الثورة يمنح قوى المعارضة وجماعة الإخوان أرضية أكبر في مواجهة النظام القائم، وأن الأزمة تتمثل في غياب الحل السياسي والاعتماد على الأساليب التي سبقت ثورة 25 يناير.

وتواجه الحكومة المصرية اتهامات بالفشل في الحوار مع الشباب، وهناك انعدام ثقة متبادل بين الطرفين، ما يحوّل الحوار الثنائي إلى أحادي، وفي معظم الأحيان تبدو السلطة الحاكمة كمن يحاور نفسه في ظل غياب الشباب عن أغلب الفعاليات السياسية الرسمية.

وقد ساهم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي بشكل ملفت في عزوف الشباب سياسيا، خاصة بعد ثورتي يناير ويونيو، لسهولة تكوين بيئة سياسية على الانترنت وشغل أوقات الفراغ، وجذب الشباب نحو نماذج وهمية بعيدا عن الشارع، وهي ميزة تحولت إلى خطر لأن قطاعا كبيرا من الشباب أصبح منفصلا عن الواقع بعد أن وجد نفسه أكثر حيوية في العالم الافتراضي. وتتحمل الدولة بدورها جزءا من هذا التمرد لتقصيرها في تحويل سياساتها تجاه الشباب إلى خطوات إجرائية على أرض الواقع، ويشعر بها الشباب الغاضب بحيث يتم دمجهم بشكل كامل في خطط التنمية.

وأوضح عبدالمنعم عمارة، وزير الشباب المصري سابقا في تصريحات لـ”العرب”، أن عزوف الشباب عن المشاركة السياسية أمر لا تعاني منه مصر فقط لكنه يوجد في دول كثيرة تعد من أكبر الديمقراطيات في العالم.

عصام شيحة: لجوء الدولة إلى الطرق الأمنية ضد الشباب المعارض يفسد العلاقة بينهما

ومن وجهة نظره الحل الوحيد لإعادة الشباب إلى الحياة السياسية إتاحة الفرصة أمامهم لإنشاء منظمات تمثل المجتمع المدني، باعتبارها الطريق الوحيد أمام أي ديمقراطية ناشئة في العالم ومعالجة المشكلات التي تعاني منها الدولة في ملف حقوق الإنسان، لبناء سمعة دولية جيدة للدولة تشجع الشباب على التعاون معها.

وطالب عمارة بتمكين الشباب في الحكومة، مثل تخصيص ثلث حقائبها للشباب في المرحلة العمرية من 35 إلى 45 سنة. وأشار إلى هذا التوقيت الذي تشهد فيه مصر تغييرات كثيرة هو الأفضل لتجربة الشباب في موقع الوزير، فمن يثبت نجاحه يكمل التجربة ومن يفشل يسهل تغييره في أقرب تعديل وزاري.

بعد ثورة 30 يونيو فتحت الدولة المصرية مجالات سياسية أوسع للشباب للمشاركة، ونتج عنها تأسيس حزب سياسي بقيادة شبابية (حزب مستقبل وطن)، وتمكن من الحصول على 51 مقعدا في البرلمان الحالي. لكن قيادات حزبية رأت أن تجربة حزب مستقبل وطن لم تقدم النموذج الجيد بسبب النزاعات الشخصية على القيادة التي أدت إلى إفشال الحزب، وتسببت في صدمة الشباب أصحاب الطموحات السياسية. وقال جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية، إن مصر تمر بمرحلة شديدة الدقة، فالنظام الحاكم يحاول إرساء معالم الدولة بعد 5 سنوات شهدت فيها البلاد ثورتين متتاليتين، وهو أمر يستغرق فترات طويلة ويكون الاعتماد خلاله على الخبرات أكثر من الشباب.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “بالرغم من أن الشباب يمثلون نسبة ليست هينة من إجمالي فئات المجتمع، ولديهم طموحات سياسية واجتماعية كبيرة، إلا أن موارد الدولة المصرية يتم استغلالها في بناء دولة قوية عسكريا واقتصاديا”.

وأجمع سياسيون على أن أي محاولة لتمكين الشباب لا بد أن تبدأ بالإفراج عن السجناء منهم الذين تم اعتقالهم خلال العامين الماضيين على ذمة قضايا متنوعة، من أجل فتح أفق ثقة جديد يسمح بدخول الشباب إلى مفاصل الدولة السياسية والتعرف عليها عمليا.

6