السياسيون يتفاوضون على ملامح تركيا ما بعد اردوغان

يستعد الساسة الأتراك إلى الدخول في مفاوضات مكثفة من أجل الوصول إلى حكومة ائتلافية قبل انتهاء مهلة 45 يوما الممنوحة لهم، وإلا فسيجدون أنفسهم مضطرين إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة. وفي الظاهر، تبقى المفاوضات حول أمور انتخابية وسياسية، لكن في جوهرها ترتيب لمرحلة ما بعد حكم الرئيس رجب طيب أردوغان الذي فقد كل طموحه يوم الأحد الماضي في انتخابات قاسية.
الأربعاء 2015/06/10
نجم الأردوغانية أفل، وعادت تركيا الأتاتوركية مرة أخرى

أنقرة – حينما خرج رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى شرفة حزب العدالة والتنمية بعد الإعلان عن المؤشرات الأولية لنتائج الانتخابات العامة، كان يحاول إظهار شجاعة المنتصر الذي تبدو عليه ملامح المهزوم.

فقد عكست الانتخابات رفضا كبيرا في الشارع التركي للرئيس رجب طيب أردوغان الذي يعتبر الكثير من الأتراك أن حزب العدالة والتنمية ظله وليس العكس.

وأظهرت النتائج النهائية الرسمية أن الحزب الحاكم فاز بـ41 بالمئة من الأصوات تلاه حزب الشعب الجمهوري مع 25,1 بالمئة من الأصوات ثم حزب العمل القومي اليميني مع 16,4 بالمئة وحزب الشعوب الديمقراطي مع 13 بالمئة.وبلغت نسبة المشاركة في التصويت 86,5 بالمئة.

وكشفت النتيجة تراجعا كبيرا في تأييد حزب العدالة والتنمية الذي فاز في الانتخابات الأخيرة في 2011 بـ50 بالمئة من الأصوات على خلفية تراجع في الاقتصاد.

وبحسب التوقعات الرسمية، فإن الحزب الإسلامي سيكون له 258 مقعدا من أصل 550 في البرلمان و132 لحزب الشعب الجمهوري و81 مقعدا لحزب العمل القومي و79 لحزب الشعوب الديمقراطي.

الخاسر الأكبر

وسيكون حزب العدالة والتنمية مضطرا إلى مراجعة استراتيجيته المقبلة غداة خسارته الغالبية المطلقة في البرلمان للمرة الأولى منذ 13 عاما.

ومع أن الحزب حل في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية إلا أنه لم يفز بغالبية المقاعد بسبب الاختراق الذي حققه حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.

وبينما يشعر أردوغان أنه خسر الكثير في هذه الانتخابات، ينظر الكثيرون إلى صلاح الدين ديمرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد باعتباره الفائز الأول في هذه الانتخابات التي أنهت عصر هيمنة الإسلاميين على السلطة.

علي باكير: بالنسبة للإسلاميين التحالف مع القوميين نتائجه سلبية داخليا وايجابية خارجيا

وتعرّض حزب العدالة والتنمية لخسارة كبيرة في مدن جنوب شرق تركيا، التي كان عادة ما يحظى فيها بدعم كبير. حيث تراجع عدد نوابه من مدينة ديار بكر لصالح حزب الشعوب الديمقراطي من 11 نائبا إلى نائب واحد.

كما خسر الحزب الحاكم الذي تراجع عدد أصواته في كل من منطقة إيجه والبحر المتوسط، أصواتا في جميع المدن الأخرى؛ إذ تراجعت أصواته من 21.4 مليون إلى 18 مليونا مقارنة بانتخابات عام 2011 على الرغم من زيادة 4 ملايين ناخب تقريبا في عدد الناخبين هذا العام في عموم تركيا.

وقال عمر نور الدين الكاتب والباحث التركي “لم يعد من حق العدالة والتنمية أن يحتكر الحديث باسم الشعب التركي أو بالنيابة عنه لأن شعبيته تآكلت، وعزله الشعب ووضع عائقا أمام اندفاعات أردوغان نحو حكم فردي كان سيجر تركيا إلى مصير مجهول”.

وأضاف “على حكماء العدالة والتنمية من الجيل القديم الذي أبعد قسرا وغصبا إما عن طريق اللائحة الداخلية للحزب، أو عن طريق تجاهله، أن ينبهوا داود أوغلو ومن قبله أردوغان إلى ضرورة التمهل وإبطاء السير، وعدم اللجوء إلى خطط مدمرة، لأن نتيجة التصويت تعني باختصار أن الشعب يقول لأردوغان توقف، لا نريد نظامك الرئاسي ولا نريد تدخلك في شؤون الحكومة”.

ويقول محللون إنه رغم حصول العدالة والتنمية على أعلى نسبة من الأصوات، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي أعلنها قبل خوض الانتخابات. وكانت هذه الأهداف تتمحور حول الفوز بـ400 مقعد، أي ما يعادل ثلثي مقاعد البرلمان بما يمكنه من تعديل دستور 1982 ومنح الرئيس أردوغان صلاحيات مطلقة.

لكن سيناريو “الأحد المظلم” بالنسبة للإسلاميين انتهى دون قدرتهم حتى على الحصول على أغلبية مطلقة تمكنهم من تشكيل حكومة أغلبية.

العدالة والتنمية على كرسي متحرك
يجد حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم نفسه أمام مأزق سياسي لا تظهر تبعاته في زحام المفاوضات بين الأحزاب لتشكيل حكومة ائتلافية أو إجراء انتخابات مبكرة، إذا فشل الحزب في ذلك.

وحتى لو تمكن من اقناع أحد الأحزاب الثلاثة الذين دخلوا الانتخابات معه، فسيجد نفسه مشلولا أمام توزيع المناصب القيادية التي لطالما سيطر عليها في السابق دون منافسة.

وإذا لم تجر انتخابات مبكرة، فلن يستطيع الحزب الذي انتهت هيمنته على الحكم منفردا من عمل الآتي في البرلمان:

لن يمكنه اختيار رئيس البرلمان بمفرده.

لن يمكنه تحديد جدول أعمال البرلمان والتحكم في السلطة التشريعيّة بقرارات اعتباطيّة.

لن يمكنه التقدم بطلبات حزم القوانين التي ترسخ لأحكام اعتباطية؛ والتي من شأنها تقليص الحريات وتحويل تركيا إلى دولة بوليسية، والتي تهمش القوانين وتصدرها حسب المصالح الشخصية، وذلك لأن الحزب خسر أغلبيته في البرلمان.

لم تبق للحزب أغلبية في لجان البرلمان ولا يمكنه الاستحواذ على الأغلبية في لجان التحقيق وتقصي الحقائق.

لن يمكن التعتيم بسهولة على أعمال الفساد والرشوة التي تكشفت وقائعها في 17 ديسمبر 2013، وطالت رموزا كبيرة من حكومة العدالة والتنمية. كما لن تكون للحزب الكلمة العليا في إحالة المتورطين في الفساد إلى محكمة الديوان العليا التي يُـحاكم فيها كبار مسؤولي الدولة.

لن يمكنه الحيلولة دون تحقيقات الفساد والشكاوى الأخرى المقدمة ضد وزرائه الأربعة المتورطين في أعمال الفساد.

لن يمكنه اختيار أعضاء للمؤسسات والهيئات الحساسة في الدولة مثل المحكمة الدستوريّة ومجلس القضاء المالي.

خسر الأغلبية في المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون.

لن يمكنه اتخاذ قرار بالحرب منفردا.

لن يمكنه أن يستصدر بمفرده تصاريح إرسال جنود إلى خارج البلاد.

لن يمكنه أن يقرر بمفرده إجراء الانتخابات.

لن يمكنه الحيلولة دون رقابة الشركات المملوكة للدولة وتقارير مجلس القضاء المالي.

لن يمكنه تقديم المبالغ التي يريدها للقصر الأبيض (قصر أردوغان) رمز الإسراف والترف.

وتظل تركيا أمام عدة سيناريوهات يأتي على رأسها إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في مدة لا تتخطى ثلاثة أشهر في حال فشل العدالة والتنمية في التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية مع أحد الأحزاب الثلاثة الأخرى التي تمكنت من الدخول إلى البرلمان.

ويقول مراقبون إن الحزب سيفعل كل ما بوسعه لتشكيل الحكومة الائتلافية مع حزب الحركة القومية بزعامة داود بهجلي، رغم أنه دعا عقب الانتخابات إلى إجراء انتخابات مبكرة، وقال إن هذه اللحظة “تمثل نهاية لهيمنة العدالة والتنمية على تركيا”.

واستبعد إسلام أوزكان المحلل السياسي التركي أن يتحالف الحزب الحاكم مع غريمه التقليدي حزب الشعب الجمهوري، مؤكدا أن ائتلاف العدالة والتنمية مع حزب آخر سيكون إما الحركة القومية أو الشعوب الديمقراطي الكردي. لكنه عاد وأكد على صعوبة التقاء الأكراد مع العدالة والتنمية، “نظرا لمطالب الأكراد بحكم ذاتي في المناطق الشرقية”.

وأكد على باكير الباحث في الشؤون التركية، أن التحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي “قد يكون له نتائج إيجابية داخليا لكن سيئة خارجيا، بينما التحالف مع الحركة القومية الأكثر ترجيحا، قد يكون له نتائج سيئة داخليا لأنه يرفض المصالحة مع الأكراد، ولكن ربما على الصعيد الخارجي الوطأة تكون أقل”.

انتخابات مبكرة

واتجاه العدالة والتنمية ناحية حزب الحركة القومية هو الخيار الوحيد أمام الحزب إذا أراد تجنب سيناريو عدم الاستقرار السياسي في البلاد، في ظل رفض حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي الكردي القاطع الدخول معه في ائتلاف حكومي واحد.

وإذا لم ينجح في ذلك، فستواجه تركيا ثلاثة أشهر من الاهتزاز السياسي في انتظار انتخابات مبكرة، يقول مراقبون إنها لن تفك الاشتباك السياسي الذي وجدت البلاد نفسها فيه صباح يوم الإثنين الماضي.

ولا يرى المتابعون للشأن التركي أن الانتخابات المقرر إجراؤها قريبا ستضفي أي تغيير على المعادلة السياسية الجديدة في البلاد، على الرغم من أن أردوغان مازال مقتنعا أنه بإمكانه تكثيف الدعاية الانتخابية وشن هجوم على المعارضة أو تحميلها مسؤولية دخول البلاد في معضلة سياسية غير مسبوقة منذ وصول حزبه إلى السلطة لأول مرة عام 2002.

والعدالة والتنمية ليس الحزب الوحيد الذي يجد نفسه في مأزق الآن، فالحزبان الكبيران اللذان طالما شكلا المعارضة التقليدية للإسلاميين من قبل سيكون عليهما أيضا الخروج إلى حيز أكثر رحابة سياسية.

وسيجد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، نفسه مضطرا لاتخاذ إجراءات عديدة للخروج من الحيز الامن الذي أخذ الحزب يصعد ويهبط حوله دائما.

وأول هذه الإجراءات عمودية تتمثل في محاولة النزول إلى قطاعات أوسع من الشعب التركي، والعمل على تقديم نفسه كبديل مقنع قادر على الحكم منفردا أو بمشاركة أحد أحزاب المعارضة الأخرى.

والإجراءات الأخرى أفقية تتمثل في تركيز قواعده الجغرافية في غرب تركيا، وهي المنطقة التي يتركز فيها العلمانيون والكماليون الذين يضمرون عداء كبيرا للإسلاميين ودائما ما يشككون في نواياهم.

أما حزب الحركة القومية فمازال متقوقعا داخل أيديولوجية قومية تختلف في ظاهرها مع حزب العدالة والتنمية، لكنها تلتقي في جوهرها مع معتقدات الرئيس أردوغان الذي بات يضع قوميته مؤخرا في نفس درجة أيديولوجيته الإسلامية المحافظة.

واستنادا على ذلك، سيحاول الرئيس التركي دفع أحمد داود أوغلو إلى إجراء تحالفات مع الحزب القومي الذي أبدى إشارات مذبذبة ولم ينف نفيا قاطعا إمكانية التحالف مع الإسلاميين.

عمر نور الدين: الشعب أوقف اندفاعات أردوغان نحو حكم فردي يذهب بتركيا إلى المجهول

دور حركة خدمة

لكن الإسلاميين ليسوا كلهم حزب العدالة والتنمية. فإلى جانب الأحزاب الصغيرة الأخرى التي لم تتمكن من الدخول إلى البرلمان، كانت حركة خدمة بزعامة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن منخرطة بشكل كبير في الانتخابات.

ورغم عدم تمكن شخصيات محسوبة على حركة غولن من تحقيق مكاسب واضحة في الاقتراع، إلا أن هذا المسار لم يتمكن من إقصاء الحركة عن المشهد كما كان يأمل أردوغان.

وطبقا للنتائج غير الرسمية التي صدرت عن مكتب الانتخابات في إسطنبول، فقد فشل حاكان شوكور العضو السابق في حزب العدالة والتنمية ولاعب كرة القدم السابق في الحصول على مقعد، بعد تمكنه من حصد 48 ألف صوت فقط.

وبالمثل، لم يحصل قائد الشرطة السابق في المدينة فؤاد يلمازر على أكثر من 60 ألف صوت.

وكان يلمازر قائدا للشرطة حينما تم الكشف عن فضائح الفساد المرتبطة بأربعة وزراء في حكومة أردوغان السابقة، وأبناء لوزراء، وتم فصله بعد ذلك.

ومازال دور غولن في هذه الانتخابات غير واضح حتى الآن. لكن مراقبين يرجحون أن دعم الحركة لأحزاب المعارضة التقليدية، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري ساهم كثيرا في الانتقاص من حصص الحرية والعدالة في مناطق نفوذه.

وقالت مصادر تركية إن الحركة التي يتهمها أردوغان بالتوغل في مؤسسات الدولة الحساسة والتنصت على المسؤولين الموالين له، وإن اتصالات قد حدثت بين قادة محسوبين على الحركة في الداخل وصلاح الدين ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي حقق في هذه الانتخابات نتيجة، فاقت كل التوقعات.

12