السياسي مورينيو يدمي الطبيبة إيفا

الأحد 2015/08/16

ما انفك المدرب المشاغب والعصبي والاستثنائي جوزيه مورينيو يصنع الحدث ويكون أفضل “المواد الدسمة” التي تتناولها الصحف الإنكليزية بالدرس والمتابعة، وسواء كان مذنبا أم على حق، فإنه يورّط نفسه غالبا في مشاكل ومهاترات لا فائدة منها سوى الظهور الإعلامي المبالغ فيه.

هكذا هو حال المدرب البرتغالي لنادي تشيلسي، فشخصيته المتفردة وطبيعته المتغطرسة تجعل منه مدربا مشاغبا بامتياز، ولا يتورع سواء في المباريات أو أثناء المؤتمرات الصحفية أن “يطلق النار” على “أعدائه” ومنافسيه بطريقة تحمل الكثير من التكهم والسخرية، ولعل “حربه” المستمرة مع أرسين فينغر مدرب أرسنال أكبر دليل على ذلك.

هذه التصرفات والمشاكل التي يثيرها دوما دفعت البعض إلى حد القول إن مورينيو هو “رجل سياسة” بدرجة مدرب كرة قدم، ففي كل مرة يستشعر خلالها بالخطر يفتعل المشاكل ويلبس قناع السياسي المتمرس القادر على هزم كل خصومه من خلال تصريحاته النارية وتصرفاته المثيرة للجدل.

هذا “السلاح” الذي يستعمله مورينيو ربما ساعده بشكل أو بآخر على تحقيق بعض المكاسب، بما أنه يسلّط بمكره ودهائه الضغط على الآخرين.

وبخلاف موهبته في عالم التدريب، الذي خول له التحول من مجرد مترجم للمدرب الإنكليزي بوبي روبسون مع برشلونة خلال حقبة التسعينات من القرن العشرين إلى أحد ألمع المدربين في السنوات الماضية، فإن مسيرة مورينيو كثيرا ما اقترنت بالخصومات و”المعارك” الكلامية التي يستعمل خلالها قاموس السياسيين المحنكين ما يجعله في أغلب الأحيان يكسب “حروبه”. خصوماته السابقة كانت مع مدربين ولاعبين ووسائل إعلام ومسؤولين أيضا، وكثيرا ما حرص في السابق على الدفاع بشكل مستميت عن لاعبيه وكذلك الجهاز الفني العامل معه، ولا يتوانى على أن يتّخذ موقف المتحدث الرسمي والمدافع عن مجموعته كلما داهمهم “الخطر” وطالتهم سهام النقد.

ومع ذلك ومنذ أيام قليلة صنع المدرب البرتغالي الحدث بطريقة مختلفة ومغايرة تماما، فلسانه السليط توجه به هذه المرة إلى أحد العاملين في فريقه تشيلسي، وكانت الضحية هي طبيبة النادي إيفا كارنيرو التي تشتغل منذ سنوات طويلة مع الجهاز الطبي لتشيلسي.

فصول “الحادثة” حدثت في المباراة الافتتاحية لتشيلسي حامل لقب الدوري الإنكليزي في أولى مباريات الموسم الجديد، حيث انتفض من مكانه بعد إصابة لاعب الفريق إيدين هازارد وتقدم إلى الطبيبة بطريقة تنم عن عصبيّته المفرطة، قبل أن يكيلها الكثير من الكلام البذيء بسبب تهاونها من وجهة نظره في تقديم العلاج للاعب المصاب.

بعد الواقعة أهملت أغلب وسائل الإنكليزية الحديث عن تفاصيل المباراة وتعثر تشيلسي الذي اكتفى بالتعادل على أرضية ميدانه وأمام جماهيره ضد سوانسي سيتي، لتركز بشكل أساسي عن تفاصيل “المعركة” الجديدة للمدرب المشاغب.

حادثة تلتها بعض التبعات، ذلك أن إدارة تشيلسي وقفت في صف مورينيو، وتمّ اتخاذ قرار بإبعاد الطبيبة عن الفريق الأول، حيث لن تكون حاضرة في مباراة اليوم بين “البلوز” ومانشستر سيتي تمهيدا لإبعاد نهائي محتمل، والسبب في ذلك أن طريقة عملها لم تنل استحسان المدرب العصبي. وفي خضم هذه المعطيات فإن عدة أطراف أبدت تعاطفها مع الطبيبة إيفا إلى درجة أن خصومتها مع مورينيو باتت أشبه بقضية رأي عام، فالجميع ساندها والجميع أيضا اتهم مورينيو بالسلوك العدواني والتسلط، بل إن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أدلى بدلوه في هذه الواقعة، حيث انتقد كبير أطباء الفيفا طريقة تعامل هذا المدرب مع طبيبة مقتدرة.

اليوم، وبعد أن بدأ الهدوء يسود خاصة صرح مورينيو أنه يحترم كافة أعضاء الجهاز الطبي في الفريق، ويتعامل معهم منذ فترة طويلة في كنف التفاهم والانسجام، مؤكدا أن الطبيبة إيفا ستظل مع الفريق وإبعادها سيكون ظرفيا.

اليوم، سيخوض تشيلسي مباراة صعبة وقوية خارج ميدانه ضد مانشستر سيتي، ولن يتحدث الجميع عن مستوى الفريق، ففي حالة الفوز سيكون الأمر مميزا ورائعا ويخرج مورينيو إلى وسائل الإعلام كي يثبت صحة نظرته وأفكاره التدريبية، أما في حالة التعثر من جديد، فإنه سيجد العذر الكافي كي يبرر هذا السقوط. إنها نظرة مدرب داهية وسياسي محنك يعرف جيدا كيف يتعامل مع شتى الظروف والمعطيات، ففي لحظة واحدة وبحدث واحد يقدر على توجيه الأضواء ناحيته وينجح في التخفيف من حجم أيّ ضغوطات قد تسلط عليه.

في إحدى المباريات السابقة عندما كان يتولى تدريب ريال مدريد، خسر الفريق بفارق كبير للغاية ضد الغريم برشلونة، بيد أن مورينيو حوّل الحديث المحتمل للصحافة الأسبانية عن الخسارة المذلّة إلى التركيز التام عن ملابسات شجاره مع بعض أعضاء الجهاز الفني للمنافس، وبهذه الطريقة ضمن الخروج من دائرة الانتقادات اللاذعة إلى فضاء الجدل والتبرير لذلك الشجار المفتعل.

كاتب صحفي تونسي

23