السياسي والديني في المجال الإسلامي.. حين يحاجج الإسلاميون بالاستشراق

الاثنين 2014/01/20
استحالة الفصل بين الدين والدولة احتاجت إلى كثير من الجهد الحجاجي

"السياسي والديني في المجال الإسلامي" من الإشكالات القائمة أمام الحراك الفكري العربي والإسلامي، وطبعت العمل السياسي منذ عقود انطلاقا من اضطرار كل التيارات الفكرية والسياسية إلى اتخاذ موقف من الإشكالية. وفي هذا المبحث يمكن تنزيل كتاب الجامعي التونسي المختص في الدراسات الإسلامية، محمد الشريف الفرجاني، الموسوم “الديني والسياسي في المجال الإسلامي”، ويمتد على 254 صفحة من القطع المتوسط.

منذ البدء نتبين أن الكتاب جاء استجابة لضرورتين معرفيتين؛ الأولى متعلقة بمحاولة التصدي للأطروحة الاستشراقية التي تعتبر أن قضية الديني والسياسي تمثل تمايزا حضاريا بين الثقافتين الغربية والإسلامية. ثقافة أولى تفصل- أصالة- بين الديني والسياسي، وثقافة ثانية تفتقد هذا الفصل بسبب أرضيتها الإسلامية التي تتعارض في العمق مع إمكانية الفصل، ويعتبر الكاتب أنه خصص جهدا للتصدي لهذه المقولة الاستشراقية ورائدها برنارد لويس.

أما الضرورة المعرفية الثانية فهي مخصصة للتصدي لأثر “المقابلة الاعتباطية بين الإسلام والغرب” الواردة في القراءات الاستشراقية لدى تيارات الإسلام السياسي العربية الإسلامية، أي أن الفرجاني خصص جهدا معرفيا وقسما من الكتاب لدحض أطروحات الإسلام السياسي القائلة بعدم إمكانية الفصل بين الديني والسياسي.

هذا الاتفاق المضمر (أو النفعي من جهة الإسلاميين) بين الدراسات الاستشراقية (برنارد لويس ومارسال غوشي وغيرهما) وأطروحات الإسلام السياسي حول عدم إمكانية الفصل بين المجالين الديني والسياسي، جعلت الكاتب يخصص قسما معتبرا من كتابه لتمحيص العلاقات بين الإسلام والسياسة من خلال استعراض أهم أطروحاتها.

في جرده لواقع الدمج بين الإسلام والسياسة (ولو بتفاوت بين الأقطار) أشار الفرجاني إلى أن الإسلام يمثل “في أكثر البلدان ذات الغالبية الإسلامية، الدين الرسمي للدولة والمرجعية الرئيسية- أو الوحيدة- لكل التشريعات”، وهو واقع مشترك طبع الفضاء العربي الإسلامي لكنه لم يمنع ظهور تيارات أو حركات تطالب بـ”العودة للإسلام في البلدان العلمانية (تركيا وإندونيسيا) أو التي تعمل بقوانين وضعية غير متقيدة بهذه القراءة أو تلك للشريعة الإسلامية (تونس)، أو في البلدان التي لها قراءات رسمية للإسلام يعتبرها المعارضون من حراس المنظومات العقائدية والفقهية، غير وفية للإسلام.

ولذلك أصبح العالم الإسلامي يواجه خاصة منذ السبعينات توسعا مطردا لهذه الحركات التي حملت حسب تعبير الكاتب تسميات عديدة من قبيل “الإسلاموية”، “الأصولية الإسلاموية”، أو “الأصولية الجديدة” أو “حركات الإسلام الجذري”، فضلا عن التسميات ذات الدلالات السلبية “الحركات المتطرفة أو الظلامية”، إضافة إلى التسميات الامتداحية مثل “حزب الله” (كنقيض لحزب الشيطان) والنهضة والصحوة وغيرها. ويشير الكاتب إلى أنه ينتصر منهجيا لاعتماد تسمية “الإسلام السياسي” انطلاقا من اعتباره مشروعا سياسيا يقوم على مرجعية دينية لرفض الديمقراطية أو الحد من مداها، تماما مثل “المسيحية السياسية” أو اليهودية السياسية”. هنا يجمع الكاتب كل المشاريع السياسية القائمة التي تسعى لاكتساح الفضاء السياسي بالاتكاء على منطلقاتها الدينية ويعتبر أنها تتشابه وتتماهى، وهو تصور جريء في نقد الربط بين الدين والسياسة، لأن أغلب الدراسات المختصة في هذه المسائل تقتصر في ذلك على الفضاء العربي الإسلامي بوصفه فضاء منتجا لهذه الخصوصية.

توصل الكاتب إلى أن الإسلام السياسي لم يكن محل التفات واهتمام كبيرين قبل الثورة الإيرانية في إيران عام 1979، التي أدت إلى وصول “الإسلام السياسي” إلى السلطة وإنشاء “جمهورية إسلامية” أعطت دفعا قويا لتيارات وحركات الإسلام السياسي في شتى أرجاء العالم، انطلاقا من الإيمان بإمكان تحقق “دولة الإسلام” على أرض الواقع بعد قيام “جمهورية إسلامية” في إيران.

توصّل الفرجاني إلى فكرة مفادها أن استراتيجية تيارات الإسلام السياسي تختلف من بلد إلى آخر، ومن ظرفية تاريخية إلى أخرى، “ففي بعض البلدان نراها تفضل سياسة الانصهار في النسيج الاجتماعي والعمل الخفي وتجنب استراتيجية “الاستشهاد” والدخول في مواجهات مفتوحة مع خصومها..” نجدها في أقطار أخرى بتعبيرات أكثر جذرية تنجح في تنفيذ عمليات لافتة للأنظار سواء من ناحية عدد ضحاياها أو من ناحية الأهمية الرمزية لأهدافها.

الأحداث المتواصلة منذ السبعينات والمتصلة بفعل تيارات الإسلام السياسي، أدت حسب الفرجاني إلى نشوء مقاربات جديدة للإسلام “قطعت مع التصورات الموروثة من فترة الاستعمار” وتراجع أو أفول الصورة التي دأبت على تقديم الإسلام بوصفه “دين الاتكال والاستسلام للقدر” كما روج لذلك “المنظرون لأيديولوجية المهمة الحضارية للاستعمار”، أو الصورة التي كانت ترى في الإسلام “منظومة روحية صمدت أمام حداثة غارقة في المادية” وهي صورة من إنتاج القراءات الاستشراقية المنبهرة بموضوع بحثها مما أفقدها القدرة على الحفر الموضوعي في المسألة.

أفول الصورتين السابقتين وتضافره مع تتالي عنف التيارات الإسلامية (2001 في أميركا و2004 في أسبانيا وغيرها) أدى إلى تشكل صورة جديدة يبدو فيها الإسلام كدين عدواني وظلامي سجين ماهية خاصة تميزه عن بقية الأديان وعن الديانتين المسيحية واليهودية”، واعتبر أن برنارد لويس رائد صنع هذه الصورة، حين تصور أن ليس في الإسلام نظير لما جاء في الإنجيل على لسان المسيح “إن مملكتي ليست في هذا العالم” او “أعطوا لقيصر ما لقيصر”. ولاشك أن الفرجاني ينقد هذه الرؤية التي يعتبر أنها تلتقي مع دعوة صامويل هنتنغتون، ولكنه تفطن إلى مفارقة غريبة مفادها أن تصورات لويس وهنتنغتون تلقفها أعداء التيارات الإسلامية وّأنصار الإسلام السياسي على حد سواء، كل يأخذ منها ما يجعل أفكاره أكثر وجاهة. أعداء التيارات الإسلامية يأخذون منها ما يفيد احترازهم على الإسلاميين، وأنصار الإسلام السياسي ينهلون منها ما يخدم القول بالدور الأساسي للدين في مستقبل الصراعات الدولية (حسب هنتغتون).

هذا يعيدنا إلى الفكرة التي حاول الكاتب تأصيلها في بداية تحليله والقائلة بتشابه الإسلام السياسي والمسيحية السياسية واليهودية السياسية، باعتبارها تشترك في كونها مشاريع سياسية تنطلق من مرجعيات دينية، ولعل اشتراك تلك الظواهر في المنطلقات يقوّض دواعي برنارد لويس بأن “الدين لا يمثل في الإسلام قطاعا أو مجالا من مجالات الحياة يهتم بتنظيم بعض الميادين دون غيرها، كما هو الأمر في المسيحية، بل إن الدين الإسلامي يرتبط بكل مناحي الحياة وتعدُّ تشريعاته شاملة لا حدود لها”.

يقرن محمد الشريف الفرجاني بشكل ذكي بين نقده للأطروحات الاستشراقية (بكل أجنحتها ومدارسها) ونقده لدعاوي التيارات الإسلامية حول الدين والسياسة، انطلاقا من تصوره أن بعض الدراسات الاستشراقية المغالية في نظرتها للتاريخ الإسلامي خدمت التصورات الإسلاموية القائلة باستحالة الفصل بين الدين والسياسة في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي. أوحى لنا الكاتب بأن الدراسات الاستشراقية (برنارد لويس مثالا) كانت دراسات إسلاموية، وأن التيارات الإسلامية (التي اتكأت على بعض تلك الأطروحات) كانت ترى تراثها الإسلامي من زاوية انثروبولوجية عنصرية تمايز بين الإسلام واليهودية والمسيحية.

وفي نهاية الجزء الأول خلص الكاتب إلى استنتاج بالغ الأهمية ومفاده أن نقد الإسلام السياسي كمشروع معاد للديمقراطية “يجب أن يقترن بنقد المقاربات الماهوية الملهمة أو المغذية لنزعة العداء للإسلام.

إشكالية كتاب محمد الشريف الفرجاني”السياسي والديني في المجال الإسلامي، هي استذكار للقضية التي أثارها علي عبد الرازق منذ عقود، مع إلغاء الخلافة العثمانية وما أثارته من إرباك حضاري كبير، وهي: هل الإسلام كدين يحمل ضمن تعاليمه وأسسه العقدية نظرية أو مذهبا سياسيا؟

13