السيبورغ يعد بآمال صحية مغرية ويطرح تحديات أخلاقية وأمنية

التكنولوجيا توظّف أدواتها لتغيير مسار الطبيعة الإنسانية عبر تقنية كريسبر كاس 9 القادرة على قص ولصق الجينات وإعادة تصميم قطع غيار الكائن البشري.
الأربعاء 2019/11/06
صورة جديدة للبطل الخارق

قطع العلماء أشواطا هامة في مجال الانصهار بين الإنسان والآلة. وتجاوز الطموح العلمي مرحلة زرع الرقاقات في جسد الإنسان أو تركيب أعضاء اصطناعية ذكية إلى مرحلة أكثر جموحا وهي تطوير إنسان السبورغ، أسطورة المستقبل التي تجمع بين الإنسان والآلة، ضمن طموح يهدف إلى تقوية مناعة الإنسان ضد الأمراض المختلفة التي تهدد البشرية لكنه طموح بآثار مقلقة وتحديات كثيرة تتعلق بحدود هذا التطور وإلى أي مدى يمكن ضبط هذا الانصهار بين الإنسان والآلة.

الحديث عن ثقافة السيبورغ هو في الأصل حديث عن ثقافة بشرية ظلت تتجاوز نفسها باستمرار من خلال ما لازمها من طموح وسعي مستمر للتطور والارتقاء تفكيرا وممارسة، لكن تشابك فروع علمية دقيقة مثل التكنولوجيا اللامتناهية الصغر والبيولوجيا التركيبية والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي، يشي بأن مسار التحكم في الطبيعة يخرج عن طوعه.

انطلق ذلك فعليّا حين بدأ الذكاء الاصطناعي يحطّم الثنائيات التي استبدّت بعقل الإنسان من عقل ديكارت إلى عقل الكمبيوتر. ويتوقع أن تلغي المرحلة الجديدة الانتماء النوعي الموحد، وتبشر بعقل جديد يقوم على إلغاء الثنائيات الأساسية في الفكر الإنساني: الطبيعي/الصناعي، الإنساني/غير الإنساني، الثقافة/ الطبيعة، الذكر/ الأنثى، السوي/ المرضي… إلخ.

ومن التحديات الماثلة، في هذا الإطار، والتي يجب التأكيد عليها، قدرة التكنولوجيا الحديثة على توظيف أدواتها لتغيير مسار الطبيعة الإنسانية منذ فك شفرة الجينوم البشري، واختراع تقنية كريسبر كاس 9، تلك التقنية القادرة على قص ولصق الجينات، وإعادة تصميم قطع غيار الكائن البشري بتعديل جيني.

وترمي هذه التقنية إلى إكمال مسار التطور الدارويني الذي كانت تنتقل معه الصفات والسحنات طبيعيا من جيل إلى آخر، إلى تكنولوجيا التلقيح الصناعي والأرحام الاصطناعية، بحيث تصبح الشعوب قادرة على اختيار درجات ذكاء مواطنيها، ولون عيونهم، وقاماتهم، وجمالهم، كما تصبح معه الأمراض الحالية والمستعصية مجرد قصص معروضة في متاحف ومتاجر الأثرياء.

يطرح هذا التطور أسئلة حول هل السيبورغ القادم عنوان لرعب جديد يطرح معه عبودية الإنسان لتكنولوجيا قادرة على مراقبته والتحكم به بيولوجيا وثقافيا، أم أن ثقافة السيبورغ، لا تعدو أن تكون أداة جديدة قادرة على تحرير الإنسان من قمقم الإنسانية المكبلة بالثنائيات، وجعله قادرا على التكيف والتأقلم في عالم مهدد بالتلوث والأوبئة على نحو يكتسب فيه قوة تحمّل إضافية ومقومات تخلص جديدة من كل مسببات الوهن والأمراض؟

ومن خلال ذلك، يصبح هدف السيبورغ، ليس قلب الهوية البيولوجية والجينية للإنسان من أجل تطوير قدراته على مكافحة المرض، وإبعاد الشيخوخة والهشاشة والآلام، وتقوية الذاكرة والحواس ومضاعفة قدرات الجسم لتطويل العمر فحسب، بل أيضا الانقلاب على تلك الثقافة الذكورية القائمة على ازدراء الحق الأنثوي ورد الحيف عنها باعتبار أن المرأة هي ذلك الجزء الندِّي لجزئية الرجل في أي كائن إنساني. ومن ثم نقد كل القيود والحدود، بخاصة نقد التقاليد الذكورية المتمركزة التي تنظر إلى المرأة  على مستوى التكوين البيولوجي.

تخطي الحدود

Thumbnail

التكنولوجيا تسمح بتخطي الحدود، لذلك إن اختفاء الحدود بين البشر والآلات مقدمة لتكسير كل الثنائيات. الجسد في عرف السبرانية مجرد قشرة فانية، وبالتالي تجب إقامة علاقة جديدة تقوم على اندغام الجسد التكنولوجي بالجسد الحي.

ومن ثم، غاية ثقافة السيبورغ مقاومة هذه الثقافة البطريركية المدمرة بين الرجل والمرأة، القوي والضعيف عبر خلط الكائن والآلة. وبالتالي ينبغي استثمار علم ما بعد الإنسانية في تطور تقني بإدماج عناصر آلية في الجسم الإنساني (ملابس ذكية، قشرات اصطناعية، زراعة رقاقات وظيفية بدءا من الرقاقات العابرة للجلد، و«نظم التحديد دون تماس»، وانتهاء بخلايا بشرية مستنبتة، وتعديلات جينية) للتعزيز من قدراته وتمهيدا لدفع حدود الجسد المادي خارج غلافه التشريحي الذي لا يعدو أن يكون قشرة لحمية خارجية، بمعنى أن الغلاف الخارجي الذي كان بوابة الاتصال مع العالم الخارجي، ستجعل السبرانية منه مجرد طرفية إدخال وإخراج للتدفق المعلوماتي والآلي من وعبر الإنسان.

ومن ثم إن السيبورغ في هذه المهمة يختلف عن الروبوت، فهذا الأخير اصطناعي من الألف إلى الياء، ومجرد ببغاء يكرر أبجدياته البرمجية، بينما السيبورغ هو ذلك الكائن الهجين الذي يجمع بين مكْننة الإنسان وأنْسنة المكننة. بمعنى أن الإنسان العاقل والصانع استوفي زمنه فهو يدعي التعالي بالرغم من عجزه البين، وحان الوقت لأن يترك المكان لإنسان هجين بأعضاء حيوية وإلكترونية. لذلك إن تصور الإنسان المستزاد أو المضخم في هذا المقام، هو مخلوق جديد مكسر للحدود بين الطبيعة والثقافة، والمذكر والمؤنث، وبعضوية حية وآلية كما هو مجسد في بعض أفلام الخيال العلمي، بحيث يصبح مع الكائن السبراني من المستحيل أن نعرف أين تنتهي البشرية وتبدأ الآلات.

السيبورغ يختلف عن الروبوت، فهذا الأخير اصطناعي من الألف إلى الياء، ومجرد ببغاء يكرر أبجدياته البرمجية، بينما السيبورغ هو ذلك الكائن الهجين الذي يجمع بين مكْننة الإنسان وأنْسنة المكننة

غير أنه في نفس الوقت إذا كان ذلك يبشر بإغلاق كل الصيدليات والوصفات الطبية التقليدية وبحل جديد حين لا ينفع العلاج الكيمائي والإشعاعي لورش صيانة آدمية عبر القص واللصق الجيني، فإنه بالرغم من الوعود المبشرة التي توفرها هذه التقنيات، لا يخلو الأمر من مخاوف أخلاقية وقانونية واجتماعية كبرى، خاصة في ما يتعلق بمسار التعديل الوراثي لدى الأجنة. أضف إلى ذلك ما ثار من أسئلة حول العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وماذا سيحدث بالنسبة للدول والشعوب التي ما زالت متفرجة على مسرح التاريخ العلمي، وغائبة عن مدرجاته وما يجري في كواليس مختبراته ومعامل أبحاثه؟

بهذا المعنى يهدد السيبورغ كل الثقافات التي لا تملك مقومات المعرفة العلمية والتكنولوجيا. إلا أن هذه الثقافة نفسها يمكن أن تكون عرضة للتحوير والاستغلال في تحسين التركيب الوراثي للبشر لاختيار نسخ جيدة منه، بخاصة بعد أن تم التعرف على تقنية “نجاجو” ( (NgAgoالتي يمكن استخدامها في تعديل الجينات بشكل أكثر دقة من كريسبر.

وتبشر هذه التقنية بكائنات بشرية خارقة تعيش على حساب كائنات بشرية فقيرة جينيا، تزداد أمراضها ومعاناتها وتتضاعف آلامها البيولوجية والاجتماعية والاقتصادية. وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، للمتاجرة في هذه التقنيات، بخاصة في بعض مناطق العالم ذات التباينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصارخة، بحيث يقرر فيها الضعفاء والمشردون إجراء تعديلات على أنفسهم في مطابخهم ومنازلهم للتخلص من ضعفهم وأمراضهم. هذا السيناريو الكابوسي غير بعيد جدا، إذ لن يمنع أحد من حقن تركيبته الوراثية بتركيبة جينية أخرى يحمي بها نفسه من السحق والدهس.

أركيولوجيا تغيير الحدود

نحن سائرون إلى توقع حصول تغييرات أساسية محتملة وبدرجة كبيرة في المجتمع. على سبيل المثال يمس هذا التغيير مضمون الواقع الطبيعي والثقافي، أي أن تقنيات معالجة الذات ستسمح بإجراء عمليات حول الجسد أو تغيير سلوك الأفراد وقولبتها، ما دامت التقنيات الإحيائية تخترق أسرار المادة العضوية لحماية الإنسان، أي أن التقنية عبارة عن إمكانية واختيار ومنعطف طريق يتعين إنجازه، فهي توسع وتضخم وتزيد من قدرات الفعل الإنساني منذ اختراع أول فأس بدائية إلى غاية صناعته الحفارات العملاقة.

لاحدود في التكنولوجيا
العلماء ينتقلون إلى مرحلة أكثر جموحا في تحقيق الانصهار بين الإنسان والآلة

أكثر من ذلك، إن نقل ذاكرة العقل الإنساني إلى ذاكرة الكمبيوترات وزرع رقاقات في دماغه، لم يعد مستحيلا وبعيد المنال. فمن خلال معالجة تخزين ونقل المليارات من المعطيات والمعلومات في الزمن الواقعي (حالة الواقع كما هي)، بتنا نتحدث عن الواقع الافتراضي (إسقاط الأجسام الحقيقية في بيئة افتراضية)، والواقع المستحضر (استحضار بيانات غير مفصح عنها)، والواقع المعزز أو المضاف أو المزيد (إسقاط الأجسام الافتراضية والمعلومات في بيئة حقيقية).

هذه كلها مفاهيم جديدة لم يكن لها أن تتحقق تقنيا في أجهزة الكمبيوتر، لولا فهم ميكانيكا الدماغ كآلة تملك 100 مليار من الخلايا العصبية المتشابكة، وهو ما مهد لاكتشاف الترانزستور العصبي. ورغم أنه يعمل  اليوم بوتيرة 0.05 هيرتز  كحد أقصى، أي أقل بكثير من متوسط نشاط الخلايا العصبية الحيوية الذي يبلغ 5 هيرتز، إلا أنه فتح المجال لمشابك اصطناعية مكونة من تراكيب نانوية ذات اصطفاف عال سيمكنها لاحقا من محاكاة وظائف المشابك العصبية، بخاصة بعد نجاح باحثين في معهد ماكس بلانك الألماني في إنتاج رقاقة مصنوعة من مادة السيليكون يمكنها تحفيز الخلايا العصبية لتنتج اتصالا ثنائيا بينيا لنقل المعلومات عن طريق تحويل النبضة العصبية من العقل إلى إشارة إلكترونية، والعكس كذلك.

ما يعني أن فتح المجال للاتصال بين الدماغ والكمبيوتر بفعل تطوير تقنية الرابط العصبي قد أصبح على مرمى حجر، وقد سبقت أن أعلنت شركة نيورالينك في عام 2018 أن ربط أدمغة البشر بالكمبيوترات، سيساعد أي شخص على امتلاك قدرات ذهنية فائقة، وهو في نفس الوقت يحقق معالجة أمراض الدماغ والحالات العصبية المستعصية، بخاصة أن التدخل على مستوى الجسد بات حقيقة وبشكل يلغي الحدود بين الطب والتقنيات مثل: غرس رقاقات، ولادة خارج الرحم، أذرع صناعية مسيرة بضابطات قشرية، هياكل خارجية للجسم.

بالإضافة إلى كل ذلك، لن يستطيع أحد التكهن بما يمكن أن يملكه الكمبيوتر الكمومي من آفاق، وما الذي سيفتحه مجال الذكاء الاصطناعي عندما يستطيع الهاتف الذكي رصد عواطفك وأخبار صحتك وبياناتك وهو متصل بدماغك. ولن يكون هذا الأمر مقصورا على ذلك، ستفتح مستقبلا متاجر لترميم الخلايا أو استبدال الأعضاء أو شراء قطع غيار حيوية يولد منها كائن مهجن بقدرات بدنية وذهنية فائقة.

لا تتيح هذه القدرات إمكانية الحصول على جماليات قوام بشري بمزروعات عضوية وآلية أو تغيير الجنس فحسب، بل ستتيح أيضا تحميل الفكر والوعي على محمل إلكتروني (mind uploading) لاحقا، وهما أثمن ما يميز الكائن الإنساني.

الإنسان المستزاد

لا يشير هذا المصطلح إلى أساطير تعطيل الموت أو قتله وتحقيق أسطورة الشباب الدائم، بل يقوم على فرضية علمية خاصة بتمديد أمد الحياة لفيزيولوجيا الجسم البشري، ليس من خلال الاستغناء عن الجسم بل عبر تصور جديد يكون فيه قوام الجسم الإنساني مفتوحا ومتطورا بصفة لانهائية. ويتوقع في غضون 2029 محاكاة هندسية لجميع مناطق الدماغ ومحاكاة جميع قدراته عبر برمجيات قد تصل إلى محاكاة الذكاء العاطفي.

في عرف الفلسفة التي تقوم عليها السبرانية، إن الهدف الذي توجهه هو تحسين جميع مجالات الإنسان. ولن يتحقق ذلك إلا بعد المساهمة في صناعة الحياة بعد صناعة الخلايا في أعمق مستوى واشتغال التعزيز الجيني على المستوى البدائي للمادة من أجل تحوير بنيتها أو طريقة أدائها وظائفها فيزيائيا وكيميائيا أو وراثيا.

نحن بعيدون عن أي متخيل أسطوري، فهذا هو الانتقال النوعي الذي بدأ يحدث في تظافر أربعة تطبيقات تكنولوجية معاصرة، هو انتقال معاصر يبشر بالزيادة في العمر والزيادة في البصر، والزيادة في الطاقة على التحمل والزيادة في الإدراك، شاملا كل احتمالات التوسعة والتضخيم البدني والعقلي، وتقوية الذكاء من طريق زرع شرائح بالدماغ لها اتصال بالإنترنت وفصل التفكير عن الجسد، وتحميل العقل، كما يمكن أن ينضم إليه آخر ما توصل إليه العلم في مجال الإنسان الآلي، وتطور وبوتات القبض والمسك كالأيادي المفصلية، والأطراف الاصطناعية الكهروضوئية التي يتم التحكم فيها بواسطة تقلص العضلات عبر لواقط الاستشعار الموضوعة في غطائه، والتي يستعملها الإنسان حين يشعر بالحاجة إليها.

الإنسان العاقل والصانع استوفي زمنه فهو يدعي التعالي بالرغم من عجزه البين، وحان الوقت لأن يترك المكان لإنسان هجين بأعضاء حيوية وإلكترونية

يدافع أنصار هذا التحوير الطموح عن مشروع يوجه عنايته للحفاظ على النوع البشري من الأمراض والأعطاب والكوارث أول وهلة. ويعبر في الوقت نفسه عن تمسك بالأمل في أن يستطيع الإنسان أن يواصل دفع حدوده بشكل لا نهائي، لا لكي يضمن الخلود المطلق، ويمنح نفسه شبه مناعة من كل نقص وعطب، فالإنسان بطبعه مرن، بل كل ما يرجوه تحقيق حياة في صحة جيدة فترة أطول غير محددة، بمعنى أننا إذا استطعنا الفهم والتحكم في عملية الأكسدة مثلا، يتيح لنا ذلك عبور حاجز الـ142 عاما. كما أن ضمان أرحام اصطناعية تساعد في حفظ النوع البشري، يعني ببساطة استمرار الرغبة في إنجاب طفل خال من الأمراض واتقاء مخاطر الحمل والولادة في عالم لن يكون فيه الإنجاب تحديدا الطريقة الوحيدة لضمان النسل.

أضف إلى ذلك أن مكافحة الألم الذي لا يحتمل، وغير المجدي والمهين للكرامة الإنسانية ليس القصد منها الحصول على مناعة كلية، لأن الادعاء بطرد كل معاناة من حياة الإنسان أمر حالم وقد يثير السخرية، فالمعاناة بكل بساطة ضرورية، لا غنى عنها لبقائنا، وهي جزء من الأدوات الذي وهبنا إياه التطور البيولوجي والنفسي من أجل استباق مخاطر التهلكة، بل لأن لنا ذاكرة واعية لآلامنا صاحبتنا منذ قدم التاريخ، بتنا نسعى إلى تشييد عالم نستطيع فيه التخفيف من حدة الآلام البيولوجية والاجتماعية الحالية والقادمة والانتقال من الإنسان مُرمَّما إلى الإنسان مزيدا.

12