السيجارة التقليدية والإلكترونية في رحلة بحث عن نكهة سعال مختلفة

ربما نبالغ إن شبهنا المفاضلة بين السيجارة العادية ونظيرتها الإلكترونية، بالمفاضلة بين الإعدام بحبل المشنقة ونظيره تحت المقصلة، ونتمادى من حيث لا ندري في تمجيد "فضائل" الحبل والتشهير بـ"عيوب" المقصلة أو العكس، ودون أن يخطر على بالنا سؤال ” لماذا الإعدام من أساسه؟".. كذلك هو حال مقارنتنا ومقاربتنا بين السيجارتين التقليدية والإلكترونية أو فلنقل “التدخين عبر أداة إلكترونية”، على اعتبار أن هذا النمط من التدخين صار يشمل الشيشة والسيجار ذي الشكل الكوبي المعروف، وكذلك توسع إلى مختلف الأحجام وبنكهات مختلفة.
الثلاثاء 2016/10/04
مدخنو السيجارة التقليدية وجدوا في السيجارة الإلكترونية "بدعة" يجب محاربتها

الرغبة في الإقلاع عن التدخين عادة أعيت صاحبها، وهي التي جعلت مدمني التبغ في كل أنحاء العالم، يتجادلون ويختلفون في اختيار الوسيلة الأقل ضررا ـ في رأيهم ـ بعد أن فشلوا في التحرر من هذه الآفة التي ما انفكّت تزهق الأرواح أكثر من الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية على مدى عقود من الزمن، فلقد سجل القرن الماضي وفاة 100 مليون شخص بسبب التدخين، ويمكن أن يكون هذا الرقم مرشحا لبلوغ المليار ضحية خلال القرن الـحالي.

الغريب في الأمر -والمريب أيضا- أنّ الشركات المصنعة للسجائر تتنافس في ما بينها على ضخّ الأسواق بالبضاعة الأقل ضررا حسب ما تدعيه، وهي بذلك تحاول السير بالتوازي مع أحدث التقارير الطبية التي تتفق جميعها على الإقرار بأضرار التدخين، لكنها تختلف في نسبة وحجم هذه الأضرار (وهنا مربط الفرس)، ممّا يطرح أكثر من سؤال حول مصداقية ما يروّج له، ومدى تواطؤ البعض من مراكز الأبحاث مع الشركات العملاقة المصنعة للتبغ.

برزت السيجارة الإلكترونية في السنوات الأخيرة كواحدة من شظايا “الثورة الرقمية” كما شبهها أحدهم، وكمحاولة لطرح بديل أقل ضررا في نظر مصنعي التبغ ومروجيه ومتعاطيه على حد سواء.

لا ينبغي أن ننسى في هذا السياق أنّ ما يعرف الآن بالسيجارة التقليدية قد برز هو بدوره عند أول انتشاره كبديل لاستنشاق الأدخنة والأبخرة وطرق تناولها في التاريخ القديم؛ إذ يرجع تاريخ التدخين -وبحسب الموسوعات العلمية والتاريخية- إلى أكثر من 5000 عام قبل الميلاد، وقد قامت الكثير من الحضارات مثل الحضارة البابلية والهندية والصينية بحرق البخور كجزء من الطقوس الدينية، ويرجع ظهور التدخين في الأميركتين إلى الاحتفالات التي كان يقيمها كهنة الشامان ويحرقون فيها البخور، ولكن في ما بعد تمت ممارسة هذه العادة من أجل المتعة أو كوسيلة للتواصل الاجتماعي كما كان يُستخدم تدخين التبغ وغيره من المخدرات المسببة للهلوسة من أجل إحداث حالة من الغيبوبة أو للتواصل مع عالم الأرواح.

وبعد ظهور التبغ أصبح التدخين مكونًا أساسيًا في المجتمع والثقافة الشرقيتين، وأصبح ملازما لتقاليد هامة مثل الأفراح والجنائز حيث تمثل ذلك في العمارة والملابس والأدب والشعر.

السيجارة الإلكترونية أو المبخر الشخصي الإلكتروني حل بديلا عن تدخين للتبغ، ويقول عنه البعض بأنه أقل ضررا من السجائر التقليدية التي تحتوي على مواد سامة ومسرطنة بما يقارب 4800 عنصر كما تؤكد المخابر المختصة.

السجائر الإلكترونية عبارة عن جهاز إلكتروني يعمل بالبطارية لتسخين فتيلة تقوم بتبخير محلول من النيكوتين، يسمى "العصير الإلكتروني" لينتج بخارا كثيفا ذا رائحة زكية وتختفي بسرعة، ولا يحتوي على ثاني أكسيد الكربون ويتم استنشاق البخار وإخراجه عن طريق الفم ليتناسب مع اختيار الذين يريدون الإقلاع عن التدخين.

استخدام السيجارة الإلكترونية مناسب فقط للمدخنين التقليديين كبديل عن التبغ، وليس للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع ضغط الدم.

سيجارة يشعلها في حله وترحاله وحزنه وفرحه

السيجارة التقليدية عدو ألفناه

الذين ينحازون إلى التدخين التقليدي ويرفضون السيجارة الإلكترونية، يتسلحون عادة بجملة أسباب، تبدو في ظاهرها "شبه مقنعة"، وهم في ذلك يحاولون أن يأتوا بكل الحجج شبه المؤكدة علميا، بالإضافة إلى تبريرات نفسية متعلقة بالجانب المزاجي البحت كإطنابهم في الحديث عن عمليات الإشعال والإطفاء ونفث الدخان واستخدام المكتّة، وحتى عادة شراء السجائر وتبادلها وإهدائها في التجمعات والمناسبات.. وهلم جرا من تلك التي يطيب للبعض منهم أن يطلقوا عليها عبارة “طقوس التدخين".

مدمنو التدخين "يتمسكون بقشة" من أشباه المعلومات غير المؤكدة بشكل قطعي، كي يبرروا تمسكهم بالسجائر ويهربون من السؤال الحاسم "لماذا لم تقلع عن التدخين؟".

البعض منهم يتحدثون عن " فوائد التدخين التقليدي" في الحماية من أمراض مثل "البركنسون" و"الزهايمر"، والبعض الآخر يتحججون بأنّ من انقطعوا عن التدخين أصيبوا بمرض السمنة.. وكأن نحافته بسبب التدخين هي حالة صحية، وأن مرض السمنة يعالج بالإكثار من السجائر.

لا تخلو تبريرات المدخنين التقليديين من إيراد البعض من الطرائف والأحداث النادرة ومن ثم حشدها والزج بها لصالح تكاسلهم وتقاعسهم في ترك السجائر كالحادثة التالية: جلس رجل في غرفة التدخين في أحد المطارات ليدخن قبل إقلاع الطائرة وفور خروجه من تلك الغرفة سأله رجل “كم مرة تدخن في اليوم؟”.

ـ المدخن “لماذا هذا السؤال؟”.

ـ الرجل “لو جمعت كل المال الذي أنفقته على تلك السجائر لكانت الطائرة التي تقف في ذلك المدرج ملكك”.

ـ المدخن “وهل أنت تدخن ؟”.

ـ الرجل “لا”.

المدخن “وهل تملك تلك الطائرة؟”.

الرجل “لا”.

المدخن “شكرا على النصيحة.. أنا أدخن وتلك الطائرة ملكي أنا!”.

اسم المدخن ريتشارد برنسون.. مالك وكالة طيران.

مدخنو السيجارة التقليدية وجدوا في السيجارة الإلكترونية “بدعة” يجب محاربتها لصالح خيارهم الأول الذي لا يحيدون عنه.. وكأنما التدخين في حد ذاته أصبح أمرا ثانويا، أمّا حقيقة أن “الأعمار بيد الله” فما زلنا وللأسف الشديد نسمعها كمنطق هروب وتبرير لهذه الجريمة التي يرتكبها المدخن في حق نفسه وفي حق المحيطين به من أفراد العائلة.

“العدو الذي نعرفه وخبرنا مضاره وتهديداته، أفضل من آخر يندس بيننا ويقدم نفسه كصديق بديل”، هذا هو المنطق الغالب لدى من يقفون ضد السيجارة الإلكترونية، وكثيرا ما يبحث هؤلاء عن مضار “التدخين الإلكتروني” ويوردون أمثلة وحالات وحججا كثيرة.

السجائر الإلكترونية عادة ما تؤمن لمستخدميها "متعتهم في التدخين" من دون التعرض لأخطار القطران الموجود في السجائر العادية والتقليدية

فمن جهتها، لا تنصح جمعية السرطان وجمعية أمراض الصدر في أميركا باستخدام السجائر الإلكترونية، مشددةً على أن الشخص يعتبر مدخنا طالما أنه يستنشق النيكوتين سواء عن طريق البخار أم عن طريق الدخان.

وتحظر بضع دول مثل البرازيل والنرويج وسنغافورة استخدام السجائر الإلكترونية، وفي اليونان بينت نتائج دراسة أجريت على عينة من 32 شخصا حدوث تضيق في القصبات الهوائية مع انخفاض في وظائف الرئة مباشرة بعد قيام الأشخاص بتدخين سيجارة إلكترونية لمدة 10 دقائق.

وجاء إعلان وزير الصحة الفرنسي ليقوي حجة هؤلاء، وذلك بمنع تدخين السجائر الإلكترونية في الأماكن العامة، بسبب عدم معرفة تأثيراتها السلبية على الصحة العامة وعدم وجود دليل قوي على سلامة استعمالها، خاصة وأن عدة دراسات كانت قد أشارت إلى احتمال تأثير هذه السجائر السلبي في صحة جهاز التنفس، بالإضافة إلى أنها قد تشجّع من توقّف عن التدخين على العودة إليه ثانية، لكنّ المضحك في الأمر أنّ مدخنين تقليديين يتمسكون بهذا السبب الأخير ويواصلون تدخينهم، ومثلهم في ذلك كمثل الذي لا يريد أن يتعلم خشية وقوعه في الخطأ.

البعض منها تحتوي على الكحول الإيثيلي، المادة المتواجدة بشكل طبيعي في البعض من الفواكة، يوجد خلاف حول الحكم الشرعي لتعاطيه بشكل مركز لأسباب غير علاجية.

البعض منها تحتوي على النيكوتين وهو يعتبر مادة ضارة بجسم الإنسان.

البعض منها لا تحتوي على النيكوتين ما قد يسهل وصوله إلى الأطفال.

البعض منها لا تترك رائحة ويصعب اكتشافها، وبالتالي قد يتم استخدامها في الأماكن غير المناسبة، المدارس مثلا.

البعض منها ليست مصنوعة بشكل جيد وتقوم بتسريب المحلول إلى الفم وبلعه بكميات كبيرة وقد يتسبب ذلك في خطر كبير على الصحة.

لا توجد جهة رقابية للإشراف أو لوائح للتصنيع، والبعض من الأشخاص يبيعون التبغ عن طريق الإنترنت دون مقر معلوم.

البعض من المواد المستخدمة في إنتاج المحلول قد تتأكسد مع الأكسجين وتنتج مادة تؤثر على الخزانات المصنوعة من البلاستيك.

البعض منها حجمها أكبر ووزنها أثقل من علب السجائر التقليدية.

ولا تضمن الإقلاع عن النيكوتين أو التبغ.

البخار دائما أخف من الدخان

السيجارة الإلكترونية بديل قبلناه

السجائر الإلكترونية هي عبارة عن خرطوشة في شكل سيجارة عادية تعمل بالبطارية وتحتوي على خليط من السوائل ومنها مواد البروبيلين غليكول والغلسرين النباتي والنيكوتين ونكهات مختلفة.

يتفق قسم لا بأس به على أنّ السجائر الإلكترونية توفر تجربة شبيهة بتدخين السيجارة والشيشة والمعسل، وتساعد على الإقلاع عنها بشكل سهل.

ووفق ما أكده المختصون، فإن بخار السيجارة الإلكترونية غير ضار وغير مسرطن. ففي الوقت الذي تم فيه إحصاء 60 تركيبة مسرطنة في بخار السيجارة العادية، فإن السيجارة الإلكترونية لا تطلق مواد محترقة على غرار ثاني أكسيد الكربون ودخانها يختفي من الهواء في ظرف 10 ثوان فقط.

أشارت دراسة أجريت في تونس إلى أن 31 في المئة من مستعملي السيجارة الإلكترونية أكدوا أنهم أصبحوا ” قنوعين” بالسيجارة بعد 6 أشهر فقط من استعمالها و68.8 في المئة أعلنوا عن التخفيض من استهلاكهم للنصف أو أكثر و48.8 في المئة توقفوا نهائيا عن التدخين لمدة معينة.

وحول ما قيل عن انعكاساتها السلبية قال الدكتور فارس ميلي المختص في الأمراض الصدرية والحساسية ومقاومة التدخين وعضو المكتب التنفيذي للجمعية التونسية لأمراض الجهاز التنفسي والحساسية إنه وبالنظر إلى المدة القصيرة التي ظهرت فيها السيجارة الإلكترونية، فإن الدراسات حول تأثيرات استعمالها لا تتعلق سوى بالمدى القصير والمتوسط، مضيفا أنه إلى حد اليوم لم يتم اكتشاف أي أعراض سلبية وخطيرة على مستوى الجهاز التنفسي أوالقلب والشرايين.

وفي لقاء إعلامي على هامش “اليوم العالمي من دون تدخين “، نظمه مجمع معني ببيع وترويج السيجارة الإلكترونية في تونس تحت إشراف كنفدرالية “مؤسسات المواطنة التونسية “، اقترح الخبراء تجربة السيجارة الإلكترونية كحل للتقليص تدريجيا من السجائر العادية ومن ثمة التخلص منها نهائيا، وقال أحد الخبراء المتخصصين “يمكن في هذا المجال استغلال شهر الصيام ( رمضان) للانقطاع نهائيا عن التدخين وهو الحل الذي يجري اعتماده حاليا في العديد من الدول التي تضم أعدادا كبيرة من المسلمين كأوروبا وأميركا”.

ويتنافس عدد متزايد من شركات التبغ صاحبة الباع الطويل في سوق السجائر الإلكترونية في العالم، ومنها لوريلارد وبريتيش أميركان توباكو.

"العدو الذي نعرفه وخبرنا مضاره وتهديداته، أفضل من آخر يندس بيننا ويقدم نفسه كصديق بديل"، هذا هو المنطق الغالب لدى من يقفون ضد السيجارة الإلكترونية

من الإيجابيات المؤكدة والثابتة علميا للسيجارة الإلكترونية، أنها لا تترك رائحة حتى على الملابس، ويمكن استخدامها تقريباً في أي مكان حتى الأماكن المغلقة، كما أنها لا تنتج رمادا ولا بقايا، فهي تساهم في النظافة وتترك الأماكن جميلة، وتحتوي على مواد أقل بكثير من سجائر التبغ.

محلول السجائر الإلكترونية يتكون من مواد مصرح بها للاستخدام في المنتجات العلاجية والغذائية. المحلول أرخص بنسبة 80 في المئة من السجائر التقليدية، وحتى أغلى أنواع المحاليل المصنوعة من مواد طبيعية، ويعتبر أرخص من التبغ.

السيجارة الإلكترونية تحتوي على نكهات كثيرة شهية (فواكه مثل: الليمون، التوت، الخوخ، التين) بالإضافة إلى نكهات أخرى مثل نكهة التبغ، ونكهة الفانيليا والشوكولاتة)، وتقلل الرغبة في السجائر التقليدية، كما تسهل عملية الإقلاع عن التبغ، وتمكن من التحكم في كمية النيكوتين وتخفيضها إلى الصفر.

البعض من الفوائد الصحية التي تنتج عن الإقلاع عن التبغ، مثل تحسين حاسة التذوق والشم. تقلل خطر الحرائق لأن السجائر الإلكترونية لا تستخدم الولاعات. يمكن إنتاج ضباب ذي كثافة أعلى من دخان السجائر التقليدية. لا تحتوي على القطران ولا على التبغ. لا تسبب السعال ولا ضيق التنفس.

وبعكس السجائر الإلكترونية، تم ربط تدخين التبغ بالسرطان وبأضرار أخرى على الخصوبة والحمل.

وتؤمن هذه السجائر النيكوتين لمستخدميها (متعتهم في التدخين) من دون التعرض لأخطار القطران الموجود في السجائر العادية، وذلك باستنشاقه عن طريق البخار بدلا من الدخان. ومن ميزات السجائر الإلكترونية أيضا أنها لا رائحة لها ولا يحتاج مستخدموها إلى الخروج من الأماكن العامة المغلقة لتدخينها.

لكن منظمة الصحة العالمية لا تستبعد، في بيانها، أن تكون السيجارة الإلكترونية وسيلة من الوسائل المساعدة على التوقف عن التدخين. ولإثبات ذلك يتطلب الأمر إجراء التجارب الضرورية لمعرفة المخاطر والتأكد علميا من خلوها من تأثيرات جانبية مضرة بصحة الإنسان. وهو ما قال عنه السيد دوغلاس بيتشر “إذا كان المروجون للسيجارة الإلكترونية يرغبون فعلا في مساعدة المدخنين على التوقف عن التدخين فعليهم إجراء التجارب المخبرية الضرورية لمعرفة نسبة التسمم وتطبيق الإجراءات المعمول بها".

شركات عالمية تسعى لدخول العالم العربي لكي يتم تعويض الشيشة، بالسيجارة الإلكترونية، حيث هناك شركات أميركية وأوروبية تسعى لجعل مدينة الدار البيضاء في المغرب مركزا لتوزيع السيجارة الإلكترونية في العالمين العربي والأفريقي.

12