السيد نجم: القريحة العربية الحديثة لم تنتج إضافة فكرية

الثلاثاء 2013/12/10
السيد نجم: القريحة العربية الحديثة لم تنتج إضافة فكرية

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشددة ومتطرفة، أدّت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حادّ في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار الأول في سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

رأى الكاتب والروائي السيد نجم أن أزمة الفكر العربي الراهنة ليست بعيدة عن محاور الفكر العربي مع القرن العشرين، ثم المتغيرات التي ألمت بالعالم والعالم العربي منه، بحيث صنعت أو زكت أو حتى أزاحت فكرا ما، راصدا الاتجاهات والمتغيرات والتطورات التكنولوجية وتأثير تيارات الإسلام السياسي ودورها السلبي على تطوير الخطاب الفكري الديني وتجديده، رافضا مصطلح "الجمود الفكري" ومؤيدا تعبير "هشاشة الفكر" وموضحا الكثير من النقاط المحورية التي تنعكس الآن على المشهد وتؤثر في رؤيته.


سؤال الهوية


السيد نجم يرى أن الاتصال بالفكر الغربي بداية من حكم محمد علي بلور اتجاهين من التفكير مع مولد القرن العشرين، اتجاه فكري سلفي، وآخر تنويري أو ليبرالي يمكن وصفه بالاتجاه الأوسع أفقيا بحيث يتسع لمتغيرات العصر الصناعي الجديد، والأعلى رأسيا بحيث يبدو قابلا لاستقبال عصر جديد من الفكر البشري، قد تحكمه أطماع اقتصادية وسياسية، مع رواج فلسفة النهايات فيما بعد: مثل نهاية الإنسان بمقولة "فوكوياما"، ونهاية المؤلف بمقولة "رولان بارت".. وغيرهما.

وفلسفة النهايات التي شاعت تلك، لا تعني النهاية أو الفناء، بل تعني بشارة مولد عصر جديد بملامح روحية مختلفة، مثلما تمثل بدور غالب للآلة على الإنسان الذي أصبح خريطة جينية فقط، ثمّ ها هو ذا القارئ/ الناقد غلب المؤلف التقليدي، حيث بدأت النصوص التفاعلية مع رواج الثقافة الرقمية وإبداعاتها.

وقال إن محاور الفكر العربي إلى اليوم، هما المحور السلفي والتنويري "وإن بدا الأخير تعبيرا يشي بالغرور والتعالي"، فقد كانت تلك الثنائية التي راجت طوال القرن العشرين: الأصالة والمعاصرة، وقد قسمت المقولات والأفكار حسب تلك الثنائية، وإن حاول البعض مثل زكي نجيب محمود إلى المزج بينهما والقول بالأخذ من التراث مما هو مناسب ثم العمل بالمعاصرة، إلا أن هذا الاتجاه الثالث ظل حبيس العقول وقاعات البحث والندوات، ولم يكن له أثر فاعل على الأرض وبين الناس.

لكن خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الـ21، تجلت ثقافة جديدة ربما نجحت في الكشف عن الحالة الفكرية العربية، فمع شيوع التليفزيون والفيديو والشبكات العنكبوتية، وارتفاع مستوى التقنية الرقمية بحيث راجت القنوات الفضائية وتعددت وزادت الإمكانات الرقمية على الشبكة، نلاحظ أن تلك الطاقات الجديدة والإمكانات تمّ توظيفها في إطار الاتجاهين والثنائية القديمة الجديدة".

ولفت السيد نجم إلى أن المدهش العجيب أن يكون سؤال الهوية مع بداية القرن العشرين، هو نفسه السؤال مع بدايات القرن الـ21، وأضاف "أظن أن سؤال الهوية باق، لكني لا أصفه بالجمود الفكري، نظرا للمتغيرات داخل كل اتجاه سلبا أو إيجابا، فمع التيار السلفي أظن أنه استطاع أن يبدو متماسكا أمام طفرة معطيات الحضارة الغربية التي وفرت المبهر من وسائل العيش والتسلية، فضلا على نجاحات العلوم في الطب والفيزياء والفضاء، تمكن هذا التيار البقاء في محاولة لتوظيف المعطيات والمصطلحات الجديدة (مثل الديمقراطية)، بل وبلغ الأمر أن اعتلى سدرة الحكم في مصر ولمدة سنة كاملة.

لست بصدد تقييم هذه التجربة سياسيا، فقط أدعي أنها فكريا فشلت في أن تبدو لينة أو ذكية أو حتى مطاطية لتتمكن من استيعاب التيار المدني الآخر "والمدني هنا أوقع تعبيرا عن واقع الحال، لأن أفراد التيار الآخر ليست مشتركة في جملة مفاهيم خاصة ومتميزة كما في السلفية".

إن هذه التجربة المصرية الآن، لها خطورتها، ليس من حيث الأحداث اليومية التي تشغلنا، بل هي تجذر لتوجه عام على الأقل يمكن أن يوصف بأن أغلبه يرفض "السلفية" تلك التي تتبنى القديم دون مراجعة "حتى نظام الحكم يفضلونه في الخلافة الإسلامية.. وكأن الخلافة هي التي تحيي الإسلام.. وهو خلط السياسي بالديني، المشكلة الأولى بين الاتجاه السلفي وغيرهم".


رواج السلفية


شدّد على رفضه توصيف الأزمة بالجمود الفكري، وقال "واقع الحال يكشف عن حركة شبه دائرية أو دودية بحيث تبدو في مكانها، وإن لم تتجاوز المحل بالمعنى الفلسفي، وكما سبق أن أشرت ما حدث خلال القرن العشرين لم يكن تعبيرا عن جمود التيار السلفي، بل لعله كان أنشط وأكثر فاعلية مع الواقع، على الرغم من كل حركات الاعتقال التاريخية ولمدد طويلة لرجاله، وأظن أن ما تعرض له أصحاب هذا التيار كان سببا مباشرا لرواجه. إلا أنني أفرق بين الرواج الفكري والتنظمي، والرواج الخارجي الذي قد يعبر عنه نجاح هذا التيار في انتخابات رئاسة الجمهورية لأحد قياداته!، فالرواج الفكري ليس بحجم ما شاهدناه خلال سنة حكم الإخوان المسلمين، ومع ذلك لا يجب الاستهانة بحجم أصحاب القناعة الفكرية السلفية.

وأوضح السيد نجم أن القول بجمود الفكر العربي لا يعني الثبات أو التوقف، بل قد يعني الحركة في المحل بالنسبة للتيار الفكري السلفي، أما التيار الآخر فقد خضع للعديد من التوجهات والتجارب الاقتصادية والسياسية. فقد رفع شعار القومية العربية وهو ما قد يقابل الخلافة الإسلامية، ثم ممارسة تجربة اشتراكية الدولة حينا، والانفتاح الاقتصادي حينا، وبيع القطاع العام وخصخصة الاقتصاد حينا ثالثا، كل ذلك في مقابل فكرة الهبات والعطايا التي مارسها أصحاب التيار السلفي "يمثلهم الإخوان المسلمون" مع رفع شعار الاقتصاد الإسلامي الذي لم يحقق إنجازا ما على أرض الواقع، وقد يكون السبب هو قلة الخبرة أو عدم بلورة عناصره بعد. وإن وافقت على مصطلح الجمود الفكري بحيث لم يتنور الفكر العربي طوال قرن مضى وبدايات قرن جديد، لم يتبلور إلى توجهات فكرية محددة، فالشاهد العملي على الأرض يشير إلى أن الجانب السياسي هو الفاعل والمؤثر على الجانب الفكري طوال تلك الفترة، كما أن المتربص الأجنبي يلعب دوره، سواء بواسطة إسرائيل أو القوى الكبرى في العالم، وهناك عامل لا يقل أهمية لعله لعب دوره فيما تبدو الصورة عليه الآن وهو افتقار الواقع الثقافي العربي إلى "الحرية" الحقيقية وليست الشعار، إلا أن غلبة السياسي جاء على حساب الحرية الفكرية".

الليبرالية والسلفية كل منهما تتحرك حركة دودية وليست حركة للأمام أو هي حركة في المحل، وقد يرجع ذلك إلى النظم الاستبدادية السياسية والافتقار إلى الحرية الحقة القادرة على التحاور والتجاوز والاختلاف بلا خلاف

وألمح السيد نجم إلى أنه منذ منتصف الخمسينيات كانت غلبة السياسي على الفكري هو الملمح الحياتي لأيّ متابع، وقال "يبدو هذا جليا في رواج تدشين وزارات للإعلام والثقافة في كل حكومات العالم العربي، ثم في السياسات الممارسة العامة مع الثقافة والمثقفين، وهو يتجلى في مؤسسات الرقابة الفنية، وفي مؤسسات التمويل والإنتاج الفني، وكذلك في سياسة الترويج والتهميش لهذا المفكر/ الفنان/ الأديب.. إلخ.. دون النظر إلى القيمة الفنية والفكرية بل إلى درجة انتمائه لهذا النظام السياسي أو ذاك.

أما بشأن ما تمّ مع أصحاب العقل النقلي وأصحاب الإيديولوجيات السلفية، فأدعي أن النظم السياسية تعاملت معها وكأنها في الموقع الأقوى ويمكن توظيفها حينا أو قضم أصابعها حينا، ولم يتمّ التعامل معها كتوجه فكري قابل للتحاور والاستجابة لحاجات المجتمع الفكرية. تلك النظرة المتعالية والتعامل السياسي البحت مع الفكر السلفي هو ما أدى إلى ما نحن عليه اليوم. والجميع يتذكر ما فعله السادات ومبارك من مبادرات ما بين المدّ والجزر تجاه هذا الفكر، ولم تكن أبدا برؤية فكرية بقدر كونها رؤية سياسية".


هشاشة الفكر العربي


ووافق السيد نجم على تعبير "هشاشة الفكر العربي" موضحا أن الاتجاهين السلفي والليبرالي، كل منهما يتحرك حركة دودية وليست حركة للأمام أو هي حركة في المحل، وقد يرجع ذلك إلى النظم الاستبدادية السياسية والافتقار إلى الحرية الحقة القادرة على التحاور والتحاوز والاختلاف بلا خلاف.

وضرب مثلا بـ "قضية "هل القرآن قديم أم جديد؟ تلك التي شغلت الفكر العربي الإسلامى لسنوات طويلة، ولم ينتصر الخليفة صاحب الرؤية بأن القرآن جديد، ولا الإمام الفقية ابن حنبل صاحب مقولة إن القرآن قديم، ومع ذلك كانت هي القضية التي شغلت أصحاب علم الكلام والفقه والشريعة فضلا عن فلاسفة تلك الفترة القليلين. وأنأ أتناول بالإشارة إلى تلك القضية ووقائعها ونتائجها كمثال لما نحن عليه الآن؟! هل بالغت في الأمر؟

لا أعتقد، فلا شك أن فضل الفلسفة والفكر خلال رواج الحضارة الإسلامية أن تغلبت فكرة "وجود الله والخالق" ضمن كل محاور التفلسف والتفكير، وهم بذلك على العكس من فلاسفة الإغريق، وهو أيضا ما يعبر عن إضافة فكرية هامة للعقلية الإسلامية. أما غير ذلك لم تنتج القريحة العربية بعدا فكريا، خصوصا أن التيارات والأفكار والمذاهب الفكرية الفلسفية لا تولد من فراغ، بل هي تيار سيال متوالد من ذاتية من النقطة (أ) مثلا إلى النقطة (ب) وليس من فراغ".

وقال "هذا الانتقال الذي يشكل إضافة فكرية جديدة يتولد متأثرا بمعطيات الحياة اليومية من ملامح اجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالوجودية التي ولدت بعد كوارث الحرب العالمية الثانية، وإن كانت لها الجذور في الفلسفة الإغريقية وحتى قبل الحرب الثانية، وشيوع البرغماتية كمذهب فكري في أمريكا متوافق مع التعامل الحياتي ومجموعة القيم في المجتمع الأميركي".

_______________________


غدا: محمود قرني: نحتاج إلى مدرسة جديدة للإحياء الفكري

14