السيد ياسين لـ"العرب": يجب تحريم الأحزاب السياسية على أساس ديني

الجمعة 2014/03/14
الإخوان تنظيم حديدي يقوم على السمع والطاعة

القاهرة- أكد المفكر المصري السيد ياسين في حوار مع “العرب” أن المشهد السياسي المصري أصبح يحوي الكثير من المتغيرات التي أفرزتها ثورة 25 يناير، والتي انعكست على المسار الديمقراطي الذي كان ينشده المصريون.

يعدّ العالم والمفكّر المصري السيد ياسين من أهم المفكّرين العرب الذين قدّموا على مدار ما يزيد عن خمسين عاما عديد الدراسات والأبحاث الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي أثارت الكثير من الجدل وكشفت الكثير من الحقائق الخفية، خاصة فيما يتعلّق بجماعة الإخوان المسلمين، التي كان السيد ياسين أحد خطبائها المرموقين قبل أن ينشقّ عنها، حين لم يجد معينا فكريا عند الإخوان.

مؤخرا فاز السيد ياسين بجائزة “العويس” في مجال حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية لالتزامه بالمنهج العلمي والتفكير النقدي وحرصه على قراءة الواقع العربي واستشراف مستقبل الأمة العربية، استنادا إلى منظور نقدي ورؤية موسوعية تتداخل فيها المتغيرات الداخلية بالتفاعلات الإقليمية والدولية.

وللسيد ياسين إسهام واسع في تأسيس جيل من الباحثين والمتخصصين لما قدّمه من عطاء أكاديمي غير تقليدي، وهو مفكر كبير حرص على أن يظل ملتزما حوالي نصف قرن، بتقدّم مجتمعه المصري والعربي. وفي هذا الحوار نستشرف معه آفاق عدد من القضايا العربية والمصرية.

انطلق الحوار مع السيد ياسين بالحديث عن العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة، حيث اعتبرها المفكّر المصري مشكلة تقليدية تم حلها في أوروبا خلال عصر الحداثة. وهذه الحداثة تتفرع إلى العديد من الأنواع:

* حداثة سياسية تتعلق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهي مشروع حضاري يقوم على أربعة أسس أساسية أولا الفردية احترام الفرد، إذ استخلص الفرد من أنصار المجتمع الإقطاعي القديم، لأن هويته كانت ضائعة.

حكم عبد الناصر لم يكن حكم عسكر، كان ثورة شعبية وعهد كل من السادات ومبارك كان امتدادا للثورة الشعبية

* حداثة عقلانية.

* حداثة تعتمد على العلم والتكنولوجيا.

* حداثة تقوم على فكرة خطية كما يقال في الإحصاء إن التقدم الإنساني من عصر إلى عصر ومن مرحلة إلى مرحلة.

أما الحداثة الفكرية فتقوم، وفق السيد ياسين “على مبدأ أساسي وهو أن العقل هو محك الحكم على الأشياء وليس النص الديني، وهذا سر التقدم العالمي. وفي أوروبا الحداثية حين تمّ الفصل بين الكنيسة والدولة تمت إزاحة موضوع الدين الذي يتحكم في الإطار السياسي، وأصبح العقل هو محك الحكم على الأشياء، وهذا سر تقدم المجتمعات”.

لكن في المجتمعات العربية الإسلامية لا تزال العلاقة ملتبسة، حيث النص الديني لا يزال مهيمنا على الأذهان وعلى عقول العوام وعلى عقول بعض النخب الفكرية، مما يجعلها بعيدة عن الحداثة والعصرية، ومن هذه النخب جماعات الإسلام السياسي على غرار الإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية، هؤلاء يتسمون بما نطلق عليه العقل التقليدي الذي يؤمن بالنص والنقل ولا يؤمن بالعقل والرجوع إلى التراث القديم والسيادة للنصوص الدينية في تأويل وفي تفسير وتأويل القرارات المعاصرة في السياسة والاقتصاد والثقافة. هذا هو الفرق بين مجتمعات تقدمت لأنها طبّقت مبادئ الحداثة ومجتمعات تخلفت ولازالت متخلفة، لأنها عادت الحداثة وحاربتها في سبيل الاحتفاظ بتقاليدها القديمة.


إخواني منشق


حديث السيد ياسين عن فكر الإسلاميين وعلاقة الدين بالسياسة لم يأت من فراغ، وهو الذي عاش تجربة هامة في شبابه مع الإخوان المسلمين، قال عنها “عام 1950 يمثل نقطة تحول بارزة في حياتي، كان لها أثر بالغ في بناء شخصيتي وفي تكويني. ففي ذلك العام استطاع أحد زملائي بالمدرسة أن يضمني إلى الإخوان المسلمين، وسرعان ما أصبحت أخًا، وكنت نشيطا وحيويا وموضع انتباه من الإخوة، وقد أمل فيَّ الكثيرون الخير على هذا الطريق”.

السيد ياسين
◄ كاتب وباحث اجتماع مصري ولد في 30 أكتوبر سنة 1919، حصل على عديد الجوائز، أحدثها جائزة السلطان عويس الثقافية، وذلك لإسهاماته الفكرية والسياسية والاجتماعية في تقديم قراءات للواقع العربي واستشراف مستقبل الأمة العربية، استنادا إلى منظور نقدي ورؤية موسوعية تتداخل فيها المتغيرات الداخلية بالتفاعلات الإقليمية والدولية.

لكن الشاب الذي، كان يبحث عن العدل الاجتماعي ويريد تفسيرا علميا لظاهرة تراكم رأس المال وازدياد الفقراء فقرا والأغنياء غنى، لم يجد عند الإخوان نظرية علمية تساعده على فهم المجتمع المصري. وكان خلافه الأهم معهم عندما طالبوه عام 1954 بمهاجمة هيئة التحرير التي أنشأتها ثورة يوليو وقالوا له إنه بوصفه عضوا في جماعة الإخوان فإنه يجب أن يكون ملتزما حزبيا، ورفض السيد ياسين الانصياع لأوامرهم بل إنه كره الحزبية وما تفرضه من التزام وأيقن في تلك الفترة المبكرة أن الاستقلال الفكري مسألة أساسية بالنسبة إليه.

من منطلق هذه التجربة يرى السيد ياسين أن الحلول لمعضلة العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة في المجتمعات العربية والإسلامية عديدة، منها منع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، فهذا غير مقبول ومضاد للديمقراطية، لأنك عندما تدخل في صراع سياسي ستحاربني بسلاح الدين، وقد تلجأ إلى تهمة التكفير كما فعل الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية وجماعات الجهاد، وهذا مضاد للديمقراطية التي تعتمد المواطنة أساسا وليس الدين، فجميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتمائهم الديني، ومن هنا تكوين أحزاب سياسية دينية أمر مضاد للديمقراطية.

والحل الأمثل، وفق رؤية السيد ياسين، يكمن في ترسيخ مفهوم الدولة المدنية التي تعتبر هي الأساس وليس الدولة الدينية، لأن الأولى تقوم على التشريع في ظل رقابة الرأي العام، أما الثانية فتقوم على الفتاوى، وهذا مناف للعصرية والطرق الحديثة في إصدار القرار. ففي فترة حكم الإخوان المسلمين كانت وزارة كمال الجنزوري قد قررت الحصول على قرض من البنك الدولي، عندئذ قالت جماعة الإخوان “لا هذا ربا وحرام”، وحاربت وحلفاؤها الجنزوري فلم يُتخذ القرار، وما إن جاءت إلى الحكم حتى لجأت مباشرة إلى القرض وخرج فقيه من فقهائهم ليحلل القرض من باب أن الضرورات تبيح المحظورات، وهذه لا يمكن أن تكون إلا بهلوانية سياسية وفكرية.


صعود الناشط السياسي


عاصر المفكر المصري السيد ياسين مختلف التحولات التي شهدتها مصر والعالم العربي، منذ المرحلة الملكية، مرورا بفترة عبد الناصر بمختلف توجهاتها وإشكالاتها، وعهد أنور السادات واتفاقية السلام والتصالح مع الإخوان، وصولا إلى حسني مبارك وثورة 25 يناير. على مدى هذه الفترات والتغيرات كان لها الأثر الكبير على النخبة الثقافية العربية، التي يرى السيد ياسين أنها تغيّرت بشكل كبير.

كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» قراءة يسارية للإسلام

ويشرح بالقول: “المثقف التقليدي الذي ظهر مع حركة التحرر الوطني في الخمسينات والستينات والسبعينات سقط، وسماته أن لديه ذاكرة تاريخية وشارك في معارك وطنه في التحرير ويملك انتماء واضحا ومحددا قد يكون يمينيا أو يساريا أو وسطيا أو ليبراليا، هذا المثقف سقط بعد 25 يناير لحساب فئة جديدة اسمها الناشطون السياسيون، تدل على مجموعات كبيرة من الشباب ليس لهم هواية محددة ولا معلنة، لذلك أقول دائما إن كلمة “الناشط السياسي” أصبحت مهنة من لا مهنة له. يخرج شاب أو فتاة ليقول إنه ناشط سياسي دون أن يكون له اتجاه سياسي، يعني “الاشتراكيون الثوريون” يريدون هدم الدولة والقوات المسلحة هل هم شيوعيون أو يساريون أو ليبراليون أو يمينيون؟ لا تعرف لهم هوية، يقول لك الواحد منهم أنا ناشط سياسي”.

من المتغيرات الأخرى التي يتوقّف عندها السيد ياسين هي أن الأحزاب السياسية التقليدية لم تدرك عمق التحولات السياسية والفكرية التي حدثت في العالم، ولا تعرف متى لحظة التغير في العالم ولا في أي عصر تعيش.

ويقول في هذا الصدد لو سألت النخب السياسية التقليدية في أي عصر تعيش لن تعرف كيف ترد لضعف ثقافتها وضعف التجدد المعرفي لديها. لم تعرف ماذا تغير في الاشتراكية أو الرأسمالية، وكيف انتقل المجتمع على مستوى العالم من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج المجتمع المعلوماتي، وكيف أن حركة التطور تسير من نموذج مجتمع المعلومات إلى نموذج مجتمعات المعرفة، وما هي سمات هذه المجتمعات الجديدة، لا تعرف ذلك.

من أهم مؤلفاته
◄ أسس البحث الاجتماعي

◄ دراسات في السلوك الإجرامي

◄ الشخصية العربية بين تصور الذات ومفهوم الآخر

◄ مصر بين الأزمة والنهضة

◄ تحليل مفهوم الفكر القومي

◄ السياسة الجنائية المعاصرة ودراسة نقدية للدفاع الاجتماعي

◄ حوار الحضارات في عالم متغير

لا تعرف كيف حاول فلاسفة وعلماء اجتماع أن يؤلفوا تأليفا خلاقا بين بعض مبادئ الماركسية وبعض مبادئ الرأسمالية والليبرالية، مثلا جون رولز ـ فيلسوف في جامعة هارفورد ـ من أربعين عاما أصدر كتابا اسمه “نظرية عن العدل” كتب عنه 10 آلاف كتاب و40 ألف مقال، ماذا قال رولز؟ قال هناك مبدآن للعدل، الحرية السياسية مستقاة من الليبرالية والعدالة الاجتماعية مستقاة من الماركسية.


الانقلاب ثورة شعبية


تحدث السيد ياسين عن ملمح آخر في التحولات السياسية على الساحة المصرية وهو تحول المظاهرات التقليدية إلى حشود جماهيرية. قبل 25 يناير كانت تخرج مظاهرة لحركة “كفاية” متكونة من مئة شخص أمام نقابة الصحفيين، يأتي الأمن يحتك بهم فيتفرقوا، لكن عندك 30 ألف في ميدان التحرير ماذا ستفعل بهم؟ لا القوات الأمنية ولا العسكرية تستطيع أن تفعل لهم شيئا، مشكلة، الحشد الجماهيري لا تستطيع السيطرة على حركته، وكما يقول علم النفس السياسي الحشد يميل إلى العنف، حتى لو كان سلميا يمكن أن يتحول إلى حشد دموي في ساعات قليلة.

وأضاف متسائلا: من المؤيدون لما حدث في 30 يونيو؟ ما هي اتجاهاتهم؟ إنهم أناس بسطاء جدا نزلوا في 30 يونيو وأيدوا ما جاءت به، هؤلاء أحسوا بمخاطر الحكم الاستبدادي للإخوان ومخاطر التطرف واستخدام لغة التكفير واستخدام الدين في التقييم إلى آخره.

أما المعارضون فهم الإخوان وبعض أعضاء الاتجاهات الدينية الأخرى، وبعض المثقفين والنشطاء السياسيين ذوي المصالح الضيّقة وهم من يثيرون قضية الجيش والعسكرة.

من يقول هذا أعتقد أنه أساء فهم تاريخ مصر، لأنه بكثير من التسطيح الفكري يقول إن حكم العسكر مستمر من 1952 حتى الآن، وهذا تضليل وجهل بالتاريخ المصري الحقيقي، لأن ثورة يوليو 1952 كانت انقلابا عسكريا تحول إلى ثورة شعبية، كيف؟ لقد تبنى الضباط الأحرار المشروع الإصلاحي الاجتماعي الذي وضعته القوى الوطنية المصرية من عام 1945 إلى 1952، كان هناك مشروع إصلاحي شارك فيه اليمين والوسط واليسار.

وقد عشت شخصيا هذا المشروع، مع ثورة 1952 كان عمري 19عاما، كنا قرأنا قبل الثورة كتاب سيد قطب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وكانت قراءة يسارية للإسلام، التركيز على “أبو ذر الغفاري” وعدم الإثراء على حساب الشعب. وقرأنا أيضا كتاب خالد محمد خالد “من هنا نبدأ” أول كتاب في الإسلام الليبرالي، ومنشورات الشيوعيين والليبراليين وجماعة النهضة القومية، كان هناك مشروع للإصلاح الاجتماعي عمده الإصلاح الزراعي وفكرة تأميم قناة السويس، والتصنيع، وبناء جيش قوي، هذا المشروع الذي تبناه الضباط الأحرار هو مشروع العدالة الاجتماعية.

من هناك أصبح الانقلاب ثورة شعبية، من هنا مازالت ترتفع صور عبد الناصر في الميادين حتى الآن، لإدراك الشعب بفطرته أن هذا المشروع كان مشروع العدالة الاجتماعية الذي اقترب من تحقيق الحاجات الأساسية للشعب المصري، فعندما يأتي هؤلاء “الجهلة”، ويقولون حكم العسكر.

الأحزاب السياسية التقليدية لم تدرك عمق التحولات السياسية والفكرية التي حدثت في العالم

حكم عبد الناصر لم يكن حكم عسكر، كان ثورة شعبية، حكم العسكر عندما يحكمون مباشرة ويتدخلون في السياسة، وعهد كل من السادات ومبارك كان امتدادا للثورة الشعبية، لذا فإن ما يتردد من كلام عن حكم العسكر “كلام تافه”، يدل على أن هؤلاء أناس منعزلون عن الشعب، وهذه اللغة لا يستخدمها أبناء الشعب القريبون جدا من القوات المسلحة ويقدرون تقديرا واضحا الدور التاريخي الذي لعبته بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي، وهذا يفسر الشعبية الجارفة له، مما يؤكد على أن هؤلاء المعارضون لثورة 30 يونيو، أقلية لا معنى لها تحاول باستخدام مفاهيم حقوقية وغيرها الهجوم عليها.


بين الإخوان والسلفيين


وحول الفارق بين جماعة الإخوان المسلمين وبين جماعات السلفيين قال ياسين “الإخوان جمعية تنظيمها حديدي، جمعية كالماسونية تعتمد على السرية والسمع والطاعة، أما جماعات السلفيين فمتعددة ومتشرذمة لا يجمعها تنظيم واحد، ولا درجات متدرجة.

جماع الإخوان المسلمين لها سماتها الفارقة عن باقي الجماعات الدينية، وتفسير وتأويل النصوص الدينية ليست القضية الجوهرية بينها وبين السلفيين، القضية الجوهرية هي أن الإخوان لديهم مشروع متكامل أولا يبدأ بالهوية “أننا ننتمي للأمة الإسلامية” ولا نعتد بالوطن ولا بحدوده، وثانيا إنشاء دولة دينية، ثالثا تغيير طبيعة الدولة والمجتمع، رابعا السعي إلى تأسيس خلافة إسلامية، وتصبح مصر مجرد ولاية من الولايات، هذا المشروع ليس موجودا لدى السلفيين لكن يظلون يشكلون خطرا”.
12