السيد يس عواصف السياسة وبوصلة المثقف

السبت 2017/02/18
السيد يس صحافي مخضرم يرفض الثورات ويؤيد التدرج في الإصلاح

القاهرة- يعتبرونه “مثقفًا عابرًا للأجيال”، ومع ذلك فإن البعض من ناقديه يرون أن أزمته الكبرى، تكمن في علاقته بالسلطة، ما يطرح أسئلة عديدة حول حقيقة الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف في مجتمعه. بين المثقف والسلطة، ثمة علاقة أكثر من ملتبسة، وهي علاقة تاريخية، تبدو أحياناً وثيقة التلاحم والانسجام على نحو يجعل التمييز صعباً ومرهقاً، في ما إذا كان هذا الشخص سياسيا أم مثقفا، وأحياناً مرتبكة ومتوترة إلى حد القطيعة والتباعد، تجعل منه عيناً على السلطة ونقيضا لها، في ما يسميه البعض “صراع السيف والقلم”.

لكن بين هذه وتلك، ثمة علاقة ثالثة، وهي أن يكون المثقف مع السلطة وضدها في آن واحد، وتكون له يد مع قضايا المجتمع وهمومه وآلامه، ويد أخرى مع السلطة، وهذه العلاقة أكثر التباساً، حيث يترتب عليها الكثير من الخلط والاستغراق في نشاط قد لا يقود في النهاية سوى إلى المزيد من الالتباسات، والسيد يس يمثل تجسيدا واضحا لتلك العلاقة الثالثة.

للكاتب السيد يس، اتجاه مميز في التفكير، كونه واحدا من رواد البحث في العلوم الاجتماعية منتميًا إلى جيل الستينات من القرن الماضي، وبالرغم من ذلك، كان أيضًا مسؤولا كبيرا في مؤسسة الأهرام، حيث تولى منصب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في العام 1975 ولمدة عشرين عاما متواصلة.

على الرغم من أن كثيرا من المثقفين والمبدعين عارضوا الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ووقفوا ضد سياساته التي انقلبت على سلفه الراحل جمال عبدالناصر، إلا أن يس حاول أن يكون من فئة المثقفين المتميزين بقدر من الوفاء لمبادئ “المثقف الحر”، الذي يتعامل بذكاء شديد وحذر مع السلطة، وهو ما جعله دائماً في دائرة الضوء، وتحت عين السلطة ورضاها أحيانا.

سطع نجم عالم الاجتماع المصري في نهاية فترة الرئيس المصري السادات الذي كان منزعجا من التقارير والمقالات والدراسات التي كان يعدها باحثو مركز دراسات الأهرام، الذي أسسه الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، وكان يتعامل مع الباحثين على أنهم مركز اليسار المعارض له. ثم حدث تحول نسبي في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، حيث كان يس ومعه غالبية الباحثين في مركز الأهرام، أحد الأدوات المهمة لتقديم استشارات سياسية وتقديرات موقف حول بعض القضايا الداخلية والإقليمية لنظام مبارك.

وثيقة مكتبة الإسكندرية

السيد يس يدعو إلى الإصلاح التدريجي، وهو ما جعله في مهب العواصف والاتهامات السياسية رغم تقدمه في العمر، حيث شارف على التسعين، إلا أن المفكر المصري، بحيويته الذهنية المتوقدة، يظل مضرب الأمثال بين أوساط المثقفين المصريين

في العام 2003، وبعد الغزو الأميركي للعراق، شدد المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن، من حدة الضغوط الأميركية على البعض من الأنظمة الحاكمة بالمنطقة، ومنها نظام الرئيس مبارك، وطالبوه بتحقيق إصلاح سياسي ودعم الحريات وحماية حقوق الإنسان وتطوير التعليم. كانوا ينطلقون من فرضية أن الدعم الأميركي لاستبداد أنظمة الحكم في المنطقة، تحت زعم الحفاظ على الاستقرار، لم يؤد إلاّ إلى تفريخ المتشددين، وتصدير الإرهاب للولايات المتحدة، كما وقع في أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وطرحوا ما عُرف وقتها، بالشرق الأوسط الكبير، لتحقيق الإصلاح السياسي والديمقراطية في المنطقة.

ومع أن مبارك رفض فكرة فرض الديمقراطية والإصلاح من الخارج، إلا أنه أبدى مرونة نسبية، وتجاوبا شكليا لاستيعاب هذه الضغوط، وكان المثقفون -وعلى رأسهم يس- أحد أسلحته في هذه المعركة، حيث صدرت “وثيقة مكتبة الإسكندرية للإصلاح” في العام 2004، برعاية وتصميم من يس نفسه، الذي كان يرأس حينها ما سُمّي بـ”مرصد الإصلاح” في المكتبة، لنقل رسالة للخارج، بأن مصر تمضي في مسيرة الإصلاح، الذي قالوا إنه رغبة داخلية بالأساس.

الإصلاح الفوقي

مع تراجع بوش عن المثالية، وتبنيه الواقعية مرة أخرى، توارت كل أشكال الإصلاح السياسي، ومنها وثيقة الإسكندرية، وعاد المثقفون -ومنهم يس- إلى أدراج دعم نظام مبارك وقيادة ما سمّي بالإصلاح السياسي الفوقي، الذي قادته وقتها ما عرفت بأمانة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك.

اختاره جابر عصفور، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة خلال حكم مبارك، ليكون رئيس “لجنة رصد المتغيرات الوطنية”، وليتولى وضع تقرير عن المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في مصر، تمهيدًا لوضع استراتيجية الثقافة المصرية برؤية جديدة، وإعادة صياغة الخطط المقدمة من قطاعات الوزارة في ضوء استراتيجية وأولويات محددة بمدد زمنية.

مؤلفاته العديدة تحمل بذور اختلافه

لاقى اختيار يس لتلك المهمة معارضة البعض من المثقفين، الذين اعتبروا أن نفس الوجوه القديمة هي المكلفة بوضع سياسة ثقافية، بينما هي -في رأيهم- من قادت الثقافة إلى الهاوية، واتهموا يس وغيره، بأنهم يلعبون دور “المُنظر” للسلطة، باعتبارهم موظفين لدى السلطة. عندما تفجرت ثورة 25 يناير 2011، اتخذ يس موقفا سلبيا منها، وانحاز لوجهة نظر التيار الرافض لها، ورغم أنه اعترف بحق المصريين في العيش والكرامة الإنسانية، وهي أبرز شعارات الثورة، إلا أنه اعتبرها مؤامرة خارجية تستهدف تقويض مصر، وكان رأيه أن سقوط النظام سيقود حتمًا إلى الفوضى. كان يدعو إلى الإصلاح التدريجي، مع الحفاظ على النظام، وهو ما جعله في مهبّ العواصف والاتهامات السياسية، بأنه كان من أبرز من حافظ على استمرار نظام مبارك، بدعمه وشرعنة سياساته.

الانشقاق عن الإخوان

بعد سقوط نظام مبارك، ظلّ نجم يس قائمًا، ولم يخْب من المشهد السياسي، وظهر داعما للمجلس العسكري، الذي حكم مصر خلال الفترة الانتقالية، وكثف من كتاباته لمواجهة الصعود الكبير للإخوان كأحد أبرز الفاعلين الجدد في الحياة السياسية المصرية. حدث ذلك بالرغم من أن عالم الاجتماع والكاتب المصري، بدأ حياته وهو شاب صغير عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، والتي ولد فيها عام 1919، وانضم لأحد فصائلها عام 1950 حيث تعلم لغة الخطابة والتفاعل مع الجماهير.

وكانت علاقته بهم وقتذاك يحيط بها الكثير من الريبة والتوجس من جانبه، ورآهم “فاقدين للمصداقية”، وهو ما أوجد هاجسا كبيرا لديه إزاءهم، لذلك لم تدم علاقته بهم طويلا، وتحول يس إلى الاتجاه الاشتراكي، الذي ميز الخمسينات والستينات من القرن العشرين إبان فترة حكم الرئيس عبدالناصر، وانقلب على الإخوان، واتخذ مواقف حادة ومتعارضة مع تيارات الإسلام السياسي بشكل عام، والإخوان المسلمين بشكل خاص، واستطاع طوال تاريخه ومنذ عمله بالمركز القومي للبحوث عام 1957، أن يحمل في كتابته ومؤلفاته العديدة والكثيرة بذور اختلافه.

في فترة حكم الإخوان، جسّد عالم الاجتماع المصري، أبرز الصور في انفصال المثقف عن السلطة، حيث جعل بينه وبين السلطة مسافة كافية للمعارضة والرصد والنقد، وبدا وفيا لمبادئه واستمر على قناعاته، ولم يكن بوقا للنظام الإخواني الذي انقلب عليه منذ شبابه، ولم يغير من جلده أو يتلوّن خلال الفترة التي حكموا فيها برئاسة محمد مرسي، والتي استمرت عامًا واحدًا.

اعتبر أن أيديولوجية الإخوان تتنافي مع الديمقراطية وتداول السلطة، بل وتتعارض كلية مع مفهوم الدولة المدنية، وقام بتنظيم العديد من المؤتمرات -بدعم من المجلس العسكري- لكشف أيديولوجية الإخوان الدينية المعادية لمفهوم الدولة الوطنية. وبرز دوره كمفكر سياسي في مواجهة النفوذ الإخواني، وسعيهم إلى السيطرة على مفاصل الدولة عبر سياسة ما يسمّى بـ”الأخونة” التي اتبعوها، وكان ينطلق من أن حكم الجماعة يشكل تحديا حقيقيا لمصر، وهو حكم استبدادي، خاصةً بعد الإعلان الدستوري، الذي أصدره محمد مرسي في ديسمبر 2012، وأراد من ورائه الاستحواذ على السلطات الثلاث في البلاد (التنفيذية والتشريعية والقضائية). شارك مع العديد من المفكرين والمثقفين في الثورة التي اندلعت في 30 يونيو عام 2013، لإسقاط حكم الإخوان واستعادة الدولة الوطنية المدنية، كما كان يردد دائما في كتاباته ومقالاته الأسبوعية بصحيفة الأهرام، وغيرها من الصحف العربية.

مبارك يعرف عنه بأنه رفض فكرة فرض الديمقراطية والإصلاح من الخارج، إلا أنه أبدى مرونة نسبية، وتجاوبا شكليا لاستيعاب الضغوط التي طالبته بها واشنطن

انفصال المثقف

ثورة 30 يونيو جاءت لتشكل عودة علاقة التلاحم بين يس المثقف وبين السلطة، بعد أن شهدت تعارضا استثنائيا إبان فترة حكم الإخوان، فقد دافع بشدة عن الثورة التي بموجبها عزل الجيش والشعب الرئيس الإخواني محمد مرسي، ووقف ضد كل الهجمات الخارجية والداخلية التي وصفت ما حدث بأنه “انقلاب على الشرعية”، حيث اعتبرها “ثورة شعبية” استدعت الجيش لإنقاذ البلاد.

في دفاعه عن السلطة الجديدة في مصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، فنّد يس مفهوم السلمية لدى جماعة الإخوان، واعتبرها ادعاءات كاذبة، واستشهد بتاريخ الجماعة العنيف في العمل السياسي منذ نشأتها واغتيالها رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي. وشدد على أن جماعة الإخوان لديها مشروع سياسي، وأن مشروعها الفكري “مفلس”، وما هو إلا شعارات جوفاء، مثل شعار “الإسلام هو الحل”، والتي لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، وأن الإسلام السياسي هو أكبر عائق أمام الديمقراطية.

وأخذ الكاتب السياسي -عبر مقالاته المتعددة- في الترويج للرئيس السيسي، ومفهوم التنمية الذي يتبناه، بحسبانه نموذج الدولة الوطنية، وأهمية دورها المتعاظم في الاقتصاد والعملية الإنتاجية على حساب دور القطاع الخاص، وهو ما يراه البعض استنساخًا لدوره تجاه نموذج مبارك في التنمية.

علاقة مرتبكة

ثورة 25 يناير لم ترق للسيد يس الذي اتخذ موقفا سلبيا منها

لم تكن أزمة السيد يس مع حرية التعبير، التي هي “أمّ الأزمات” في قاموس كل المثقفين العرب، وليست في حالة الانفصال بين المثقف والمجتمع، أو حالة الاغتراب التي يعاني منها المثقف العضوي في مجتمع لا يفهم وظيفته ولا يراها إلا جزءًا من الترف الثقافي، كما لم تنل منه الثقافة المضادة التي ترمي المثقف بتهم الخيانة والعمالة، وتحيطه بالشكوك. فهي لم تكن كل ذلك، بل إن مشكلته الكبرى تمثلت في تلك العلاقة المرتبكة بين المثقف والسلطة، والتي ساهمت بشكل كبير في تشوّهات نالت من علاقته بالمجتمع، وعلاقته بوظيفته الثقافية الحقيقية، ما جعل من الطبيعي تصنيفه إما (مع أو ضد)، وفي البعض من الأحيان تجنّى عليه كارهوه فوصموه بأنه ضمن طيف المثقفين “الزئبقيين”، الذين يغريهم على الدوام مسك العصا من المنتصف، وليس لهم إلا هدف وحيد، هو تزيين صورة السلطة بشتّى الطرق.

وهؤلاء رأوا فيه جزءًا لا ينفصل عن نسيج السلطة، وأداة من أدواتها، ولا يعني هذا تشنيعاً به أو استنكاراً لدوره على الإطلاق، إلا أن هذه الصفة أفقدته -عندهم- أهليته الثقافية في البعض من الأوقات، وحوّلته مع الوقت إلى مثقف يمرّر اجتهادات السلطة عبر أدوات ووسائل معرفية. المسك بالعصا من المنتصف، كما يقول ناقدوه، لا يعني أن يكون المثقف “مجرد مقاول” بارع في تمهيد الأرض أمام السلطة ومشروعاتها الثقافية، لكن يعني ابتعاده عن الاعتصام بالمعارضة، سواء كانت معارضة إيجابية أو سلبية، وربما هذا هو ما جعل البعض من هؤلاء المنتقدين، يصفونه بـ”الازدواجية” في التعامل مع القضايا السياسية والديمقراطية، وما يعلنه في مواقفه وكتاباته بشأن تدعيم الديمقراطية وترسيخ الدولة المدنية يتناقض مع الكثير من مواقفه ومن علاقته بالسلطة.

ويدللون على ذلك، بأنه لم يتخذ موقفا معارضا لسياسات نظام مبارك طوال 30 عاما، وكان أحد المقربين من سلطته، وجرى تكريمه صحبة عدد من المفكرين مثل جابر عصفور وخيري شلبي ومحمد سلماوي، وهو آخر حدث ثقافي قام به مبارك قبل الثورة عليه في يناير 2011. كما يتهم بأن مواقفه من السلطة بعد 30 يونيو والترويج لسياسات الإصلاح الاقتصادي المجحفة ترتبت عليها تداعيات سلبية كثيرة، مثل ارتفاع الأسعار الجنوني وتراجع قيمة الجنيه المصري وتآكل الطبقة الوسطى، لكن السيد يس مع كل تلك الانتقادات، التي يمكن الرد عليها، يبقى واحدًا من العاملين في حقل البحث الاجتماعي والسياسي الذين يشار إليهم بالبنان في مصر.

13