السيراميك الحيوي يعوض عظام الإنسان ويرممها

الأحد 2013/12/01
تصنيع السيراميك لتعويض العظام يكون وفق مقاسات دقيقة

القاهرة - السيراميك، مادة أرضية غير عضوية تتكون من الكوارتز أو السيلكا والكولينات، ومجموعة من الطفلات والمنصهرات، ويمثل فرعا هاما للتكنولوجيا والعلم والفن ورغم أن الشائع لدى الناس أن الخزف لا يتعدى الأغراض التقليدية في الاستخدام لصنع أدوات يستعملونها في الحياة اليومية، إلا أنه سرعان ما وجد الإنسان نفسه أمام واحدة من أمتع التجارب العلمية وأكثرها ثراء باستخدام السيراميك لأغراض علاجية وطبية.

الدكتورة فاطمة إبراهيم أستاذة أمراض العظام بجامعة القاهرة تقول: في زمن مبكر بدأت علاقة الإنسان بمادة السيراميك "الخزف"، وأدرك خواصها التي جعلت خياره يقع عليها ليصنع منها أوانيه وتحفه، بيد أنه مع الوقت أعاد اكتشاف هذا العنصر الطبيعي الذي دخل في صناعات غاية في الأهمية للإنسان، ولعل أهمها على الإطلاق اعتماده بوصفه منتجا حيويا مختلفا تمكن الاستفادة من خواصه في الجراحات الدقيقة وغيرها.

وهناك سيراميك غير تقليدي يطلق عليه اسم السيراميك الحيوي يستخدم في العلاج البشري إذ تستبدل به عظام الجسم أو يرممها أو يدعمها حين تتضرر من الأمراض أو الحوادث، إذ يستعاض بالسيراميك في الفكين والأيدي والجمجمة والمفاصل فتستحدث لها أنسجة سيراميكية شبيهة بالنسيج المفقود باعتماد تركيبة خاصة لكل جزء من الجسم تلائم وضعيته واستخداماته وهي جراحات دقيقة، لأن الأنسجة الصلبة في تركيبتها تختلف عن تركيبة العظام لذا تكون عملية الاستعاضة بالسيراميك عن العظام المفقودة أو المعطوبة من أجل ملء فراغات دقيقة جدا بمعنى أنه على مستوى الخلية بالمايكرسكوب.

بنوك العظام تضم عظام الموتى التي يتبرع بها أصحابها أو ذويهم، وتنطوي على محاذير علمية ودينية، فضلا عن ذلك فإن ترقيع العظام وإبدال التالف منها بعظام آدمية ثبت فشله علميا، لأن الجسم يلفظها بعد مدة

وتوجد خمس مدارس عالمية في استخدام السيراميك، وتختلف كل واحدة منها بحسب تخصصها وخطها العلمي والبحثي والتطبيقي، فهناك مدارس أميركية وألمانية وهولندية ويابانية، كما يوجد في فرنسا معهد طبي متخصص ينتج الأجزاء التعويضية من السيراميك.

وأثبت اكتشاف مادة السيراميك في الآثار الفرعونية، تجذر حضور هذه المادة في حياة البشر، وأكدت الدراسات أن جراحي العظام آنذاك استخدموا السيراميك في ترقيع العظام، كما توصل علماء الآثار والأنثربولوجيا إلى أن إنسان الجيل الثاني والثالث من العصر الحجري، اعتمد على هذه المادة في صناعة أدواته التي كانت عماد حياته البدائية القائمة على الجمع والالتقاط والصيد.

وقد أثبتت التجربة البشرية مع هذا العنصر الحيوي قدرته المدهشة على التأقلم مع جسم الإنسان في حال استخدامه بديلا للأجزاء المعطوبة، ومن هنا اكتسب أهميته قديما وحديثا وأصبح همزة وصل بين ماضي الإنسان وحاضره. وتؤكد دلائل كثيرة على أن الحضارات القديمة عرفت السيراميك واستخداماته في شتى شؤون الحياة.

تقويم عظام الأسنان باستعمال حبيبات السيراميك

أما على الصعيد الطبي فيقول الدكتور عماد أبو حديد أستاذ أمراض العظام، كانت ثمة مشكلة تتمثل في أن فكرة بنوك العظام التي تضم عظام الموتى التي يتبرع بها أصحابها أو ذويهم تنطوي على محاذير علمية ودينية، فضلا عن ذلك فإن ترقيع العظام وإبدال التالف منها بعظام آدمية ثبت فشله علميا، لأن الجسم يلفظها بعد مدة، وما كان أمام الأطباء من بديل سوى السعي لصنع ابتكار جديد لتغطية هذه الأغراض ومساعدة الجسم على بناء عظام بديلة يقبلها الجسم وذلك عن طريق المواد الكيميائية.

وتم التوصل إلى خلطه من مسحوق البروتين تستخدم في طب العظام والأسنان، وتحقن هذه المادة تحت الجلد أو في العضلات، بل وصل الأمر إلى بناء سلسلة لتوصيل العظام ببعضها اعتمادا على هذه المادة، وتقوم فكرة دخول هذا المركب إلى جسم الإنسان على أن هذا الأخير يضم بركة من الأملاح مثل الكالسيوم والفوسفات الخاص بالعظام، وتوجد لدى الأحياء من الإنسان والحيوان غدة "بي- تي- إتش" الصنوبرية، التي تتحكم في التوازن بين هذه الأملاح فإذا انخفضت نسبة الكالسيوم تعطي أمرا بزيادته وإذا قل البوتاسيوم أو زاد تفرز أو تقلل من إفرازها للبوتاسيوم حسب الحاجة.

هذا الاكتشاف لبركة الأملاح في الجسم أدى إلى التفكير في مساعدته بحقنه بالبروتين لإعادة بناء التالف من عظامه طبيعيا وآليا، ولقد احتاج هذا الأمر إلى مجهودات ضخمة من علماء متخصصين في السيراميك والكيمياء والطب والهندسة والتحاليل الطبية والفيزياء، إذ يشترط لكل بحث في هذا المجال توقيع تسعة من العلماء يشتركون في كتابته وصياغته.

تم التوصل إلى خلطه من مسحوق البروتين تستخدم في طب العظام والأسنان، وتحقن هذه المادة تحت الجلد أو في العضلات، بل وصل الأمر إلى بناء سلسلة لتوصيل العظام ببعضها

وفي نفس السياق نجح باحثون أميركيون، في مختبرات معهد أوريغون الوطني للطاقة في ولاية ألينوي الأميركية، في تجارب مخبرية أجروها في إنتاج وتركيب عظام صناعية جديدة باستخدام مواد السيراميك والكلس، وأوضح الباحثون أن بإمكان الأنسجة والخلايا أن تنمو على هذه العظام وتتصل بها، لذلك فهي تعوّض الحقيقية في الجسم كما يمكن تصنيعها خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الساعات. ويتوقع العلماء أن يساعد هذا الابتكار في شفاء المرضى بصورة أسرع من أولئك الذين يخضعون لعمليات تبديل العظام التي تستخدم فيها عظام معدنية أو مأخوذة من جثث الموتى.

وقال الدكتور بيل ألينغسون كبير الباحثين إن العظام الجديدة تفيد المصابين بكسور أو رضوض شديدة في الجمجمة بشكل كبير خاصة وأن صناعتها لا تحتاج وقتا طويلا حيث يمكن تصنيع عظام جديدة للجمجمة خلال فترة التحضير لإجراء العملية أي خلال ساعتين أو ثلاثة فقط. وفسّر ألينغسون أن طريقة تصنيع العظام الجديدة تختلف تماما عن البدائل العظيمة الحالية وهي تتم باستخدام نظام حاسوبي سريع في التصنيع والإنتاج إضافة إلى أن المادة المصنوع منها العظم تلعب دورا مشابها للعظام الحقيقية لذلك فهي خاصة بكل مريض وبشكل يوافقه تماما، أما البدائل الحالية من العظام المعنية أو العظام المأخوذة من الجثث فلا تكون مصنعة لشخص ما بعينه لأنها موجودة بشكل مسبق أو تحتاج إلى فترة زمنية لإنتاجها بشكل وحجم يتوافق وجسم المريض.

وأفاد الأخصائيون أن نظام تصنيع العظام الجديدة يعتمد على الأشعة ثلاثية الأبعاد لتحديد أبعاد وشكل العظام المراد استبدالها بدقة متناهية تصل إلى واحد بالعشرة من المليمتر، كذلك يتم إدخال صورة العظم المطلوب إصلاحه إلى الحاسوب الذي يقوم بتحليل هذه الصورة إلى مقاطع متعددة بعدها يبدأ تركيب المادة الصناعية أتوماتيكيا ثم يتم عمل ثقوب صغيرة فيه بعد انتهاء تشكيله ليتسنى للجراحين وصله بعظام المريض الأصلية مشيرين إلى أن هذا النظام يمكنه تصنيع العظام الصغيرة مثل عظام اليد في أقل من ساعة واحدة.

وإذا كانت اليابان وعدد من الدول الأوروبية مثل إيطاليا وفرنسا والمجر والصين تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة وألمانيا وكوريا في بحوث السيراميك وصناعته وإنتاجه، فإن المنطقة العربية والشرق الأوسط ليست سوى أسواق لترويج منتجات هذه البلدان، رغم أن خام السيراميك التقليدي المسمى "كراموس" ينتشر في صحراء المنطقة الشرقية بمصر كما تتوافر في الصحراء نفسها مادة الفلدسبار، التي يستعان بها في حرق السيراميك وتعد الرمال المصرية من أنقى أنواع الرمال في العالم لهذا الغرض.

19