السيرة الذاتية تبحث عن شخصيات استثنائية وتمجّد أبطالها الحقيقيين

سينما السيرة الذاتية هي نوع من التوثيق الذاتي والموضوعي في آن واحد، أي ذلك الاحتواء الشامل للتفاصيل الأكثر ذاتية في مقابل المتغيرات المحيطة بالشخصيات.
الأحد 2021/07/18
السير الذاتية لها شروطها

في سينما السيرة الذاتية هنالك بحث متواصل عما هو استثنائي من بين جميع قصص السيرة الذاتية للأفراد الاستثنائيين.

هنالك في عالم السرد السينمائي المكرّس لأبطال مدهشين ومعبّرين اشتغال على شخصية محورية تقود الدراما بشكل تلقائي وتصنع حياة خاصة على الشاشات.

هنا سوف نتوقف عند هامش يضع كاتب سيناريو فيلم السيرة الذاتية أمام هامش المرويات وما تم نقله عن الشخصيات من مواقف وآراء وتحولات وسلوكيات، فواقعيا هنالك على الدوام ما يروى من زوايا مختلفة في ما يتعلق بالسيرة الذاتية.

تتسع الدراما المرتبطة بالسيرة الذاتية إلى نوع من الميلودراما في بعض الأحيان، وذلك بالارتكاز بشكل أساسي على  السرد المرتبط ببطل السيرة/ التاريخ المروي

ليس مستغربا تعدد التجارب السينمائية المرتبطة بالسيرة الذاتية للشخصية الواحدة، إذ تتم في كل مرة إعادة تقديمها بصورة مختلفة، إما سدا للثغرات أو لوجود إضافات ضرورية أو في إطار الاتفاق على أن للجمهور العريض ولعا خاصا بأفلام السيرة الذاتية، ولهذا سوف تتشكل قناعة مفادها أنه مهما تعددت المرايا التي تعكس السيرة الذاتية للشخصية فلسوف تبقى لها جاذبيتها الخاصة.

في الأربعينات من القرن الماضي مثلا تم إنتاج أفلام عن السيرة الذاتية للرسام الهولندي رامبرانت وعن سيرة إبراهام لينكولن وعن سيرة بسمارك وكورساكوف وجان دارك وموزارت وكريستوف كولومبوس وبيتهوفن وبافلوف وغيرهم، ثم مالبثت السينما أن عادت مرة أخرى إلى هذه الأسماء وغيرها لتعيد تقديمها إلى الشاشات.

ولعلها ظاهرة ملفتة للنظر عملية الاهتمام بالسير الذاتية للعديد من الشخصيات وبأضعاف عدد الشخصيات التي يجري تقديم سيرها إلى الشاشات في السنوات الأخيرة.

بالطبع يرتبط ذلك بالتفاوت في المصادر السينمائية من سيناريوهات مكتوبة خصيصا للشاشة أو روايات تنتمي إلى فئة الروايات الأكثر مبيعا، لتبرز السير الذاتية بوصفها نصوصا حيوية جاهزة ومفعمة بالدراما وبما تتيحه من جماليات ومتعة في المتابعة.

فيلم "12 عاما من العبودية" توثيق ذاتي وموضوعي

ولا شك في أن الشخصيات الإشكالية هي نوع آخر من أفلام السيرة الذاتية، وتلك التي يثار من حولها جدل لارتباطها بأحداث أو مواقف ووجهات نظر خلافية، ومن ذلك السير الذاتية التي ظهرت في الستينات لفرويد وهتلر وتي إي لورنس وجون كنيدي وتشارلز ديكنز وغيرهم.

واقعيا هنالك الكثير من الجدل حول ثنائية الاحتفاء النقدي والاهتمام الإنتاجي التي طبعت هذا النوع من الأفلام، لاسيما إذا علمنا أنه مع ظهور الصوت في السينما كانت هنالك تجارب شتى في مجال السيرة الذاتية حتى بلغ عدد أفلام السيرة الذاتية التي أنتجتها هوليوود ما بين عام 1927 و1960 قرابة 300 سيرة ذاتية لشخصيات متعددة.

وفي هذا الصدد تقرّ دوريس بيرغر، وهي من الباحثين المرموقين في دراسة وتقصي هذا النوع الفيلمي، بأنه نظرًا إلى أن السير الذاتية تركز عادةً على محتوى مرتبط بالشخصية وتاريخها الأكثر ذاتية إلا أن العنصر المهم والإضافي المتحقق من هذا النوع هو أنها تكشف أيضًا عن الحقيقة التاريخية.

إنه نوع من التوثيق الذاتي والموضوعي في آن واحد، أي ذلك الاحتواء الشامل والضمني للتفاصيل الأكثر ذاتية في مقابل المتغيرات المحيطة بالشخصيات، وهو ما شاهدناه في أفلام مثل “ذئاب وول ستريت” لمارتن سكورسيزي و”لينكولن” لستيفن سبيلبيرغ و”غاندي” لريتشاد اتينبوروه و”تشابلن” للمخرج نفسه و”12 عاما من العبودية” لستيف مكوين و”الملكة الأسكتلندية ماري” لجوسي رورك و”أسرار رسمية” لغافن هوود وغيرها.

لذلك سيكون السؤال مرتبطا بأهمية الموازنة بين السيرة الذاتية والوقائع والخيال، في تكامل ثلاثي مبدع ومؤثر ترتكز عليه العملية السينمائية برمتها وهي تتصدى لهذا النوع من المصادر الفيلمية.

وبحسب وجهات نظر المعنيين بالسرد الفيلمي فإنهم يعيبون على هذا النوع أنه يتسم بكونه أقرب إلى الطابع الأدبي، وبما يحيل إلى نوع من “السرد الضعيف”، حيث تُروى القصة غالبًا بشكل متتابع فيه وفاء للحقبة التاريخية وللتحولات الفعلية المرتبطة بالشخصية وبما يحيل إلى نوع من التوثيق المجرد، وهو ما يقع فيه بعض المخرجين وقبلهم البعض من كتاب السيناريو المعنيين بالسيرة الذاتية.

وتتسع تلك الدراما المرتبطة بالسيرة الذاتية إلى نوع من الميلودراما في بعض الأحيان، وذلك بالارتكاز بشكل أساسي على  السرد المرتبط ببطل السيرة/ التاريخ المروي، والذي يتطلب كالعادة إلماما أو إتقانا لمراحل التمهيد ثم الصعود والسقوط المنتهي بموت الشخصية الرئيسية في بعض الأحيان أو نهاية رحلتها وترك النهاية الفيلمية مفتوحة في أحيان أخرى.

العنصر المهم والإضافي المتحقق من أفلام السيرة الذاتية ويجعلها محببة هو أنها تكشف أيضًا عن الحقيقة التاريخية

على أن العلاقة بين السيرة الذاتية وإطارها التاريخي لا يجب أن تحيل إلى الاعتقاد أن السيرة الذاتية هي نوع تاريخي – كرونولوجي، ومن الطريف أن أحد النقاد يسخر من هذه المقاربة قائلا إن ربط السيرة الذاتية بالتاريخ بشكل وثيق مثل ربط قصر القيصر بسيرته الذاتية.

بل إن هنالك من يعتقد أن هذا النوع من السرد يشوه الواقع إلى حد كبير، لكنه يعيد إنتاج السير الذاتية الحقيقية ويعطي شكلا سرديا يتناسب مع لغة الشاشة ومتطلباتها.

وهنا لا بد من تأكيد تلك الإشكالية المترتبة على هذا النوع من الأفلام، فمن جهة هو مطالب بأن يقدم شكلا ومحتوى يتناسبان مع عملية الإنتاج السينمائي وأن يقترب العمل الفيلمي من الجمهور العريض، ولهذا سوف يتم التركيز حتى على التمثيل وهل كانت الشخصية وفية للشخصية التي جسدتها أم أنها كانت تمثل أو تؤدي دورا عن شخص آخر، وعلى هذا الأساس تراوح قبول هذا النوع الفيلمي والتفاعل معه صعودا وهبوطا.

15