مارس 17, 2018

السيرة في الفضاء المسرحي

أغلب النصوص المسرحية، التي مسرحت سير رموز أسطورية أو تاريخية أو ثقافية، قد انطلق كتّابها من شخصیات الرموز ذاتها.
مسرحة سيرة الروائي محمد شكري

غالبا ما تستند المسرحيات التي تُمسرح سيَر شخصيات لها حضور في ذاكرة الشعوب إلى مصادر تاريخية أو ملحمية أو سير شعبية، لذلك فإنها تجمع بين المنحى التاريخي والمنحى السيري. ويمكن القول إن مسرحة السيرة بدأت مع فجر المسرح في تراجيديات أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، التي تناولت شخصيات الأبطال والملوك في الملاحم والأساطير اليونانية، هذا المنجم الأهم لأحداث تلك التراجيديات، وقد حمل أغلبها أسماء أبطالها.

وإذا راجعنا المسرح العربي في بداياته، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سنجد العديد من المسرحيات التي تناولت سير شخصيات تاريخية. ومن أبكر تلك المسرحيات مسرحية “يوسف الحَسِن” للشماس العراقي حنا حبش المكتوبة عام 1880، وهي تتناول سيرة النبي يوسف مع إخوته كما وردت في التوراة. ورغم أن هذه المسرحية غير مكتملة فنيا، أسوة بمسرحيتي حبش الأخريين، فإنها تتضمن قصة متقنة، فيها أبطال رُسمت شخصياتهم رسما محددا، ومكتوبة بطريقة فيها قدر كبير من مراعاة مقتضيات المسرح. ومن مسرحيات السيرة المبكرة أيضا، المسرحية التاريخية “نبوخذ نصر” (1888) للخوري العراقي هرمز نرسو الكلداني، ومسرحية “موليير مصر وما يقاسيه” ليعقوب صنوع، وهي  مسرحية “أوتوبيوغرافية” بامتياز يسرد فيها صنوع على الخشبة سيرته المسرحية ومعاناة الحركة المسرحية في مصر، مسميا أعضاء فرقته بأسمائهم الحقيقية.

وتوالى بعد ذلك ظهور مسرحيات لكتّاب من مصر وسوريا وفلسطين والعراق والمغرب وتونس تُمسرح سير شخصيات ذات مكانة رمزية على الصعيد العربي والإنساني، مثل محمود تيمور، وصلاح عبدالصبور، والفريد فرج، ونعمان عاشور، وسعدالله ونوس، وميخائيل رومان، ومعين بسيسو، ومحمد مبارك، وعزيز عبدالصاحب، وجليل القيسي. وانفرد الكاتب والمخرج العراقي عقيل مهدي يوسف، في ثمانينات القرن الماضي، بكتابة وإخراج مجموعة مسرحيات عرفت بـ”مسرحيات السيرة” مسرح فيها سير عدد من الرموز الثقافية العراقية بصياغات درامية لا تفرط بعناصر الصنعة المسرحية لصالح الجانب الوثائقي، أو السيري، بل تصهر الوقائع والمواقف الحقيقية المنتخبة في قالب درامي يقوم على حبكة متنامية فيها من الأحداث والشخصيات والصراعات ما يجعلها تتسم بكل خصائص الحبكة الدرامية التي تتطلبها بنية المسرحية في شكلها الحديث المتعارف عليه.

من أنجح التجارب الجديدة في هذا السياق تجربة الكاتب المغربي الزبير بن بوشتى في مسرحة سيرة الروائي محمد شكري في مسرحية بعنوان "رجل الخبز الحافي"

ومسرح عدد من الكتاب العرب سيرة الفيلسوف ابن رشد في مجموعة مسرحيات، مثل عزالدين المدني، ومحمد الغزي، وطارق زين الدين، وعبدالكريم برشيد، ركز معظمها على العلاقة الإشكالية بين المثقف والسلطة، بوصفها واحدة من القضايا التي “أسالت الكثير من المداد” في العالم العربي خلال العقود الأخيرة، وكانت ولا تزال “تأخذ مسارات متعددة ومتعرجة ومتبدلة”. ولبرشيد مسرحيات أخرى، أيضا، عن رموز تراثية مثل عنترة، وابن الرومي، وامرؤ القيس، والمتنبي، في سياق المسرح الاحتفالي الذي يشتغل عليه وينظّر له منذ عدة عقود.

ومن أنجح التجارب الجديدة في هذا السياق تجربة الكاتب المغربي الزبير بن بوشتى في مسرحة سيرة الروائي محمد شكري في مسرحية بعنوان “رجل الخبز الحافي”، تناول فيها البعد الشخصي في علاقة شكري بذاته من خلال النبش في ذاكرته المغيبة، ورصد حكاية شكري في مرحلتين: مرحلة طفولته الشقية، ومرحلة شهرته باعتباره كاتبا مشاكسا ومتمردا. وما بين المرحلتين تتصارع شخصية الطفل مع شخصية الكاتب، صراعا بين شخصين هما في الحقيقة واحد.

إن أغلب النصوص المسرحية، التي مسرحت سير رموز أسطورية أو تاريخية أو ثقافية، قد انطلق كتّابها من شخصیات الرموز ذاتها، على عكس النصوص التي تستند إلى فكرة ما أو حدث ما أو تنطلق من حالة ما تهيمن على مخيلة الكاتب. وإذا كان بعضها أمينا على تلك السير، مع تكثيفها حسب مقتضيات المسرح، فإن بعضها الآخر مسرح شخصياتها من منظور الكاتب أو رؤيته إليها، فكان لشطحات خياله حضور كبير في رسم أفعالها وأبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية، فضلا عن إسقاطها على شخصيات ومواقف وحالات معاصرة، أو ربطها بالحاضر، الأمر الذي يتيح للنقاد والمتلقين، مثلما يتيح للمخرجين، فرصة قراءتها وتأويلها وفقا لرؤى مختلفة.

14