السير الذاتية للأدباء

الخميس 2017/06/01

يلجأ معظم السياسيين في العالم إلى تدوين مذكراتهم أو سيرهم الذاتية بعد خروجهم من الخدمة، وهذا النوع من الكتابة هو خليط حياتي يكون معظمه واقعيّا لا سيما إذا اقترن بأحداث عالمية لا يمكن لكاتب المذكرات أن يحوّر فيها أو يزوّرها أو يتعالى عليها أو يتناساها، ولا يلجأ الكثير من الأدباء إلى تدوين سيرهم الذاتية أو مذكراتهم الحياتية إلا ما قلّ وندر، على اعتبار أن الأديب بشكل عام هو داخلٌ في الخدمة الأدبية ولا يثنيه العمر مهما تقدم .

كما أنه ليس بوظيفة تنتهي صلاحياتها ويُحال بعدها على التقاعد، لهذا نجد الكثير من الأدباء لا يستدركون الماضي الطويل بكتابة السيرة الذاتية إنما يتحقق هذا بالكتابات المتتالية وما يتخلّف فيها من خصوصيات على مجمل العملية الإبداعية من عمر الكاتب. غير أن هناك الكثير من الأدباء أيضاً يفتقرون إلى المغامرات الحياتية وبالتالي لا يجدون فيها ما يمكن أن يكون شاهداً على حيواتهم الطبيعية.

السياسي مرتهن بالواقعة وحقيقتها، والأديب لا يرتهن بها بطريقة السياسي الجاف حياتياً، لذلك هناك مَن يقول إن معظم مذكرات الأدباء غير حقيقية وربما هناك مَن قال إن نسبة الكذب فيها أكبر من الحقيقة باعتبار أن خيال الكتابة يلعب دوراً كبيراً في إضفاء اللمسات الفنية على هذا النوع من الكتابة، وهو أمرٌ قابل للتصديق نسبياً بوصف الكتابة عند الأديب هي اللغة لكنها ليست كلغة السياسي المقرونة بالوثيقة والواقعة والشهود والمكان والتواريخ حد الساعات والدقائق.

لذلك ينجو السياسي من فخ اللغة فيجردها من التأويل والخيال بينما يقع الأديب فيها أو يتعمدها ليتخلص من عبء الوثيقة اليومية بكل ما فيها من استطرادات مملة وثانوية وهامشية قد لا يحسبها مهمة في تدوين مثل هذا الأثر الحياتي. الشعراء أكثر الأدباء قوةً في شاعرية المفردة وتدوينها في الأثر المذكراتي، فمن يقرأ مذكرات “داغستان بلدي” لحمزاتوف سيشعر أنه يدخل قصيدة واسعة الأطراف ويخوض في بحرٍ شعري عميق بقوة شاعرية حمزاتوف المعروفة فيجرد المذكرات من تواريخها كثيراً ولا يحفل بها إطلاقاً سوى ما تمليه بعض الضرورات التوثيقة .

والأمر يتكرر في “الطريق إلى غريكو” لنيكوس كازانتزاكيس الذي يدوّن أثره الحياتي بطريقة شعرية بارعة، ومع أنه عُرف لدينا كروائي من طراز رفيع إلا أنه شاعر من طرازٍ أرفع، وكذلك الحال مع نيرودا في مذكراته “أشهد أنني عشت” التي اختلط فيها السياسي بالشعري والحياتي، ولا نظن أنه يمكننا أن نتجاوز سرديات “غانياتي الحزينات” لماركيز التي قدّم فيها شرائح شعرية لا تُنسى عن بلده وعموم أميركا اللاتينية.

في الأدب العربي نفتقد مذكرات الأدباء كثيراً وما نشر على مدار العقود الماضية قليل نسبةً إلى الكم الكبير من الأدباء العرب الذين رفدوا الحياة الثقافية العربية بأروع السرود والقصائد والنشاطات الفنية والأدبية المختلفة، وحينما نعرّج على مذكرات طه حسين في “الأيام” التي كان فيها واضحاً وصادقاً وحميماً ليومياته وأيامه الثرية فإن يوميات توفيق الحكيم تماثلها في مثل هذا الجمال، ولا يتفوق عليهما إلا الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري في “ذكرياتي” ذات الجزأين الكبيرين، التي كانت وثيقة سياسية- أدبية- اجتماعية.

في السيرة السياسية العالمية ثمة صحافيون متمرسون يكتبون للسياسيين لا سيما الرؤساء منهم أو ما دونهم لذلك ستجد من الصعب معرفة “أسلوب” الرئيس أو السياسي المعروف الذي انتشله الصحافي وصار هو “الرجل” البديل عن صاحب المذكرات في حين لا نجد هذه الحالة في مذكرات الأدباء إطلاقاً ، والأمر لا يحتاج إلى تفسير سوى أننا نعرف الكثير من الرؤساء والسياسيين لا يجيدون التعبير ومعظم خطاباتهم يكتبها آخرون مختصون وبالتالي أخذنا نفهم طريقة الكتابات الصُّحفية لسياسيي العالم.

كاتب عراقي

14