السير عكس الاتجاه سياسة قطر الخارجية في عهد الأب والابن

الأربعاء 2014/03/12
لم تفلح الجولات الخليجية التي قام بها الشيخ تميم في جسر حدة الخلاف مع دول مجلس التعاون

بعد تولي الشيخ تميم السلطة في قطر في 25 يونيو 2013، ورغم أن خطابه الذي ألقاه في اليوم التالي مباشرة لم يتضمن جديدا على صعيد السياسة الخارجية، فقد سادت توقعات بشأن وجود رؤية خاصة له في التعامل مع عدد من ملفات وقضايا السياسة الخارجية، وسوف يكون أقرب إلى اتباع سياسات “تصالحية” تقضي على حالة التوتر التي شابت علاقات بلاده ببعض دول المنطقة، ولكن الأداء الفعلي على أرض الواقع، لم يعكس ذلك.

رغم قصر الفترة الزمنية منذ تولي الشيخ تميم الحكم، إلا أن المتابع لتطورات السياسة الخارجية القطرية خلال تلك الفترة لا يمكنه رصد مؤشرات تُفيد بحدوث تحولات حقيقية، سواء في مجالات ودوائر تلك السياسة، أو في أدوات تنفيذها، وهذا ما يمكن تسليط الضوء عليه من خلال النقاط التالية:

العلاقات الباردة التي ظلت تُميز علاقات قطر مع جيرانها من دول الخليج، وخاصة مع السعودية، في عهد والده، تحولت في عهد الشيخ تميم إلى “شبه قطيعة” مع ثلاث دول خليجية: المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، بعد قرارها المشترك بسحب سفرائها من الدوحة.

في واقع الأمر، اتخاذ خطوة خليجية ضد قطر لم يكن أمرا مفاجئا، فالخلاف بين قطر والدول الخليجية ازدادت حدته مع سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر. إذ بدت قطر معزولة عن محيطها الخليجي الداعم بقوة للإدارة المصرية الجديدة، ولم تُفلِح الجولة الخليجية التي قام بها الشيخ تميم في أكتوبر الماضي 2013 إلى كل من الإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان، وكذلك زيارته السابقة للمملكة العربية السعودية في أغسطـس 2013، في جسر حدة هذا الخلاف.

وحتى الوساطة التي قام بها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد للتخفيف من حدة التوتر، من خلال قمة ثلاثية جمعته مع الشيخ تميم والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض في 23 نوفمبر الماضي 2013، وتعهد فيها أمير قطر بالتوقف عن القيام بما يُسيء إلى أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي داخليا وخارجيا، لم تُسفر عن شيء على أرض الواقع.

فالبيان المشترك الصادر من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، في سياق تبرير خطوة سحب السفراء، أشار إلى عدم التزام قطر بما تعهدت به في القمة الثلاثية التي تمت في الرياض.

الشيخ حمد بن جاسم ما يزال يُحكم قبضته على أهم ملفات السياسة الخارجية القطرية

وقد ركز البيان على ثلاث نقاط رئيسية في هذا الصدد، الأولى: تدخل قطر في الشؤون الداخلية لدول المجلس، في إشارة ضمنية إلى بعض التقارير التي أشارت مؤخرا إلى دعم قطر لمعارضات خليجية داخلية، خاصة بالنسبة إلى كل من المملكة العربية السعودية والبحرين، وهذا خط أحمر بالنسبة إلى هذه الدول. والثانية: دعم قطر لأطراف تُهدد استقرار دول المجلس أمنيا وسياسيا، وفي ذلك أيضا إشارة غير صريحة إلى دعم الدوحة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر تحديدا، وربما لفروعها أيضا في دول الخليج.

والثالثة: دعم قطر لما أسماه البيان “الإعلام المعادي”، في إشارة إلى الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية.


استمرار"الرهان" على جماعة الإخوان


فور توليه السلطة، حاول أمير قطر الجديد تصدير فكرة أن مقاربته للعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين قد تكون في طريقها إلى التغير. وظهرت في هذا السياق مؤشرات محدودة للغاية، كما أنها في الحقيقة مؤشرات شكلية لم تمس مضمون أو جوهر السياسة القطرية في هذا الملف.

هذه المؤشرات بدأت بالخطاب الذي ألقاه الشيخ تميم في اليوم التالي لتولي السلطة (26 يونيو 2014)، والذي قال فيه “إننا نحترم جميع التيارات السياسية المختلفة والمؤثرة والفاعلة في المنطقة، ولكننا لا نُحسَب على تيار ضد آخر”، ثم “منْع" الشيخ يوسف القرضاوي من إلقاء بعض خطب الجمعة، خاصة بعد أن أساء في بعضها للحكم في دولة الإمارات، إضافة إلى ما تردد في الفترة الأخيرة بشأن اتجاه قطر نحو إبعاد عدد من القيادات الإخوانية المتواجدة على أراضيها وتكليف مكتب لتولي إجراءات منحها اللجوء السياسي في لندن.

قطر ما تزال تراهن على ورقة الإخوان رغم تبدد فرص عودتهم إلى المشهد السياسي مرة أخرى

ولكن، كما سبقت الإشارة، هذه المؤشرات لا يمكن التعويل عليها في القول بحدوث تحول في علاقة قطر/تميم بجماعة الإخوان المسلمين، فمنع الشيخ يوسف القرضاوي من إلقاء بعض خطب الجمعة هدف بالأساس إلى احتواء التوتر مع الإمارات، خاصة بعد أن قامت باستدعاء السفير القطري لديها. كما أن خطوة إبعاد القيادات الإخوانية من قطر، والتي تم الترويج لها في وسائل الإعلام، لم تُنفذ على أرض الواقع، فضلا عن أنها إن حدثت، فلا تعني الكثير في تحول علاقة قطر بجماعة الإخوان المسلمين.

التحول الحقيقي الذي ربما كانت تنتظره مصر ودول الخليج تحديدا، يمكن الاستدلال عليه بتوقف قطر عن تقديم الدعم المالي والسياسي للجماعة، فضلا عن إحداث تغيير جوهري وملحوظ في الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة، التي ما تزال تضع ثقلها خلف جماعة الإخوان المسلمين والمعارضين للسلطة الجديدة في مصر، مما يعكس أن قطر في عهد الشيخ تميم ما تزال تراهن على ورقة الإخوان المسلمين، رغم تَبدُد فرص عودتهم إلى المشهد السياسي المصري مرة أخرى، وتراجع قدرتهم على الحشد والتأثير بشكل ملحوظ.


ثبات التوجه الإقليمي لقطر


بالانتقال إلى الدائرة الإقليمية لسياسة قطر الخارجية، نجد أن الشيخ تميم استمر على نهج والده في دعم وتقوية علاقاته مع إيران، إذ لم يتأثر نمط العلاقات القطرية الإيرانية رغم حالة التصدع الكبير الحاصل في المنطقة بين دول الخليج وطهران على خلفية الموقف من الأزمة السورية وملفات أخرى عديدة. فقد أكد الشيخ تميم (في الثالث من يوليو 2013) أن “إيران دولة مهمة ويجب الاستفادة منها في حل مشكلات المنطقة”، وفي أكتوبر الماضي 2013، وجه الدعوة إلى الرئيس حسن روحاني لزيارة بلاده، ومؤخرا أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (في 26 فبراير الماضي 2014) عن أن البلدين مُقبلان على تدشين منطقة تجارية حرة.

في السياق ذاته، وعلى الرغم من حالة “المراجعة” التي تشهدها العلاقات الخليجية التركية على خلفية الموقف التركي الرافض والمناهض للسلطة الجديدة في مصر، استمر أمير قطر في دعم علاقات بلاده مع تركيا التي زارها في مرتين، الأولى في سبتمبر 2013 والثانية في فبراير الماضي 2014، كما زار قطر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في 4 ديسمبر 2013، ووقع الجانبان اتفاقية تعاون في مجال الطاقة.

نقاط رئيسية وراء سحب السفراء
تدخل قطر في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون

دعم قطر لمعارضات خليجية داخلية خاصة بالنسبة إلى كل من السعودية والبحرين

دعم قطر لأطراف تهدد استقرار دول المجلس أمنيا وسياسيا

دعم الدوحة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ولفروعها أيضا في الخليج

دعم قطر لـ"الإعلام المعادي"، في إشارة إلى الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية


الشيخ تميم والسياسة الخارجية


إن الحالة القطرية مثلما مثَّلت “لغزا” كبيرا في فترة حكم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، فإنها ما تزال تُمثل “لغزا” أيضا في فترة حكم الأمير الجديد الشيخ تميم. فالأخير عُرِف عنه قبل توليه الحكم رغبته في إنهاء التوتر مع دول الخليج العربية، وكان له دور كبير في ترميم العلاقات السعودية القطرية خلال رئاسته المجلس الأعلى القطري السعودي الذي تأسس عام 2008 (والذي مثل نقطة تحول رئيسية في العلاقات بين البلدين، حيث ضمن حدا أدنى من التواصل والتنسيق بعد سنوات من الجفاء والتوتر والتراشق الإعلامي)، وكانت المملكة أول دولة يزورها بعد تسلمه السلطة.

وبعد توليه الحكم، تحدثت تقارير عن رغبة الشيخ تميم في عودة قناة الجزيرة إلى التغطية المحايدة للأحداث، وهذا ما فُهِم من استقالة مدير القناة آنذاك الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني وشغْله منصبا وزاريا في الحكومة الجديدة التي تشَّكلت في 27 يونيو 2013، وقيل أيضا إنه أبدى رغبته في استمرار المساعدات لمصر وإيصال شحنات الغاز المتفق عليها مع الحكومة المصرية منذ فترة حكم الإخوان.

لهذه الاعتبارات جميعها، راهنت بعض الدول الخليجية على عامل الوقت لإحداث تحول ملحوظ في السياسة الخارجية القطرية، وهذا ما عبَّر عنه ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي قال (في 8 ديسمبر 2013): “القطريون لديهم سياسة اتبعوها في الماضي، لكنني على أمل أن تتغير هذه السياسة في ظل وجود الشيخ تميم أمير قطر الحالي، ولكنها ستحتاج إلى بعض الوقت”. ولكن هذه الرهانات حتى الآن أثبتت فشلها، مما يقود إلى البحث عن تفسيرات لهذا الأداء.

البعض يناقش هنا فكرة أن الشيخ تميم ليست لديه – كما اعتقد البعض في بداية توليه الحكم- مقاربات تختلف من حيث المضمون والجوهر عن سياسة والده الشيخ حمد. فالشيخ تميم ليس مجرد شاب خلف والده في الحكم، وإنما شغل -منذ توليه ولاية العهد في أغسطس 2013- العديد من المناصب المهمة والحساسة على مدار هذا العقد، مما يعني أنه لم يكن بعيدا عن عملية صنع القرار القطري خلال تلك الفترة، بل كان مشاركا فيها. وعدم حدوث تحولات حقيقية في السياسة الخارجية القطرية منذ توليه الحكم، يعكس قناعته بالسير على النهج ذاته.

أحد التفسيرات الأخرى، تركز على فكرة أن الشيخ تميم لديه بالفعل رغبة في اتباع سياسات مختلفة تجاه ملفات معقدة أدت إلى الإضرار بعلاقات بلاده مع قوة إقليمية مهمة، ولكنه ما يزال يواجه ضغوط ونفوذ والده الشيخ حمد بن خليفة، وكذلك رئيس الوزراء السابق الشيخ حمد بن جاسم.

العلاقات الباردة بين قطر ودول الخليج، في عهد الشيخ حمد، تحولت في عهد الشيخ تميم إلى شبه قطيعة

ويدعم هذا التحليل، التقارير التي تحدثت في الفترة الأخيرة عن أن قطر تشهد صراعا غير معلن بين الحرس القديم الذي ما زال يتحكم في مجريات الوضع في قطر خاصة ما يتعلق بشؤون السياسة الخارجية، وبين “تطلعات” الأمير الشيخ تميم.

وتشير تلك التقارير إلى أن الشيخ حمد بن خليفة تنازل طواعية عن الحكم، إلا أن سقوط حكم الإخوان في مصر بعد أيام قليلة فقط من ذلك، ربما استدعى عودة دوره مرة أخرى، فتدَّخل لفرض دعم إعلامي قوي من قناة الجزيرة لتنظيم الإخوان في مصر، إذ كان مسؤولا مع الشيخ حمد بن جاسم عن توجيه القناة، وقيل إنه تدخل لوضع شروط جديدة على طبيعة الوديعة لمصر المقدرة بملياري دولار، والتي طلبت الحكومة المصرية تحويلها إلى سندات، بينما أصرَّت قطر على ربطها بتخفيف الحكومة المصرية من ملاحقتها تنظيم الإخوان، مما اضطر مصر إلى رد الوديعة في سبتمبر 2013.

أما الشيخ حمد بن جاسم، “مهندس" السياسة الخارجية القطرية على مدار السنوات الماضية، وصاحب الدور الأكبر في “دور” قطر الإقليمي، فيبدو أنه ما يزال يُحكِم قبضته على أهم ملفات السياسة الخارجية القطرية التي شكلت هذا “الدور”، وقد عُرِف عنه دعمه غير المحدود لجماعة الإخوان المسلمين سواء في مصر أو سوريا، وظلت قناة الجزيرة تحت نفوذه على مدار السنوات الماضية.

مع اختلاف وتعدد التفسيرات، فإنها تقود إلى نتيجة واحدة مفادها أن “إدارة الحمدين” (الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، ورئيس الوزراء وزير الخارجية السابق الشيخ حمد بن جاسم) ما تزال هي المتحكمة في توجيه سياسة قطر، إما عبر قناعة الأمير الحالي الشيخ تميم بتبني السياسة ذاتها لهذه “الإدارة” باعتباره كان جزءا فاعلا فيها ومشاركا في رسم سياستها، أو عبر ضغوط حقيقية تُمارسها عليه هذه الإدارة إذا كانت لديه الرغبة في التغيير.

في كلتا الحالتين، فإن الشيخ تميم يواجه حاليا تحديات غير مسبوقة ربما لم يواجهها والده. فبعد أن كانت قطر لاعبا إقليميا مهما في السنوات الأخيرة، انحسر دورها بشكل كبير في الأشهر التسعة التي تلت انتقال السلطة فيها، خاصة بعد أن فقدت إحدى أهم الأوراق التي راهنت عليها في دعم دورها الإقليمي إثر سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فضلا عن تراجع نفوذها على الائتلاف الوطني المعارض في سوريا، وأخيرا جاء قرار ثلاث دول خليجية بسحب سفرائها من قطر ليفرض مزيدا من العزلة الخليجية عليها. هذه التطورات تؤكد من جديد حقيقة أن الدور أو النفوذ الإقليمي لقطر، والذي شكل “حالة” على مدار السنوات الماضية، يستند إلى “أسس هشة”، ويرتبط بـ “معطيات متغيرة ومتقلبة”.

وإن لم يقم الشيخ تميم بخطوات ملموسة تُخرج قطر من حالة “العزلة” التي فُرِضت عليها، وما يتطلبه ذلك من إحداث اختراقات حقيقية في مقاربتها لعدد من الملفات الإقليمية المهمة، كالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، ودورها في اليمن، والأداء الإعلامي لقناة الجزيرة، فإن هذه العزلة قد تكون مرشحة لمزيد من الاتساع، سواء أفقيا بانضمام دول خليجية وعربية أخرى إلى الدول الخليجية سالفة الذكر أو رأسيا بتوسيع نطاق الإجراءات الخليجية، وخاصة السعودية، ضد قطر.

7