السير على أشواك سياسية

الاثنين 2015/05/11

لماذا تضطر دولة، أي دولة، إلى اللجوء إلى فقه المواءمات السياسية، إذا جاز التعبير؟ ولماذا لا تجرؤ على اتخاذ مواقف حاسمة في بعض القضايا السياسية؟ ولماذا تفضل عدم الدخول في صدامات مباشرة في لحظة معينة؟ وهل هذه السياسة تؤدي إلى النجاح وتحقيق الأهداف النهائية؟ وإلى أي مدى تصمد توجهات من هذا النوع، وتتحول إلى منهج أو أسلوب حياة سياسية؟

هذه أسئلة جوهرية، دارت في أذهان مراقبين تابعوا الحالة المصرية خلال الفترة الماضية، بصورة بدت لهم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي يسير على حبال رفيعة، يضبط حركة سياساته بطريقة دقيقة، حتى لا تختل التوازنات التي أقام عليها حساباته، ويحقق جملة من المكاسب دون أن يتكبد خسائر، وقد ظهرت تجليات هذه المسألة على المستوى الداخلي والخارجي، وكأنه يمسك بشعرة معاوية الشهيرة، إذا شدها خصومه أرخاها والعكس صحيح.

مع أن السيسي يتعرض منذ فترة لحملة ضارية من بعض وسائل الإعلام في مصر، لكنه لم يلجأ إلى اتخاذ إجراءات استثنائية أو ضغوط معنوية يستطيع بموجبها، أن يوقف الهجوم والتشكيك الذي طال توجهاته السياسية والأمنية، ووصل إلى إثارة الغبار حول مشروعاته الاقتصادية، ونال من سياساته في مجال العدالة الاجتماعية، ووصل صبره إلى حد عدم الاقتراب ممن تعمدوا تخريب نجاحاته على صعيد السياسة الخارجية، وتحمل جميع الانتقادات من المؤيدين والمعارضين، والتي انحرفت أحيانا عن صوابها وبدت مخالفة للقانون.

الوضع على الصعيد الخارجي، قريب من هذه الصورة، لكن الفرق الجوهري أن السيسي يمسك بزمام المبادرة، ويحرص دائما على عدم المغالاة في الخصومة، ويترك بعض الأبواب والنوافذ مفتوحة، سواء كخطوط للرجعة عند اللزوم، أو لتوظيفها عندما تتعقد الأوضاع، خاصة أن هناك التباسا يخيم على كثير من الأزمات الإقليمية، والتي تحرص مصر على المشي فوقها، وهي ممسكة بتلابيب بعض خيوطها الرئيسية.

المشهد الراهن في عدد من القضايا الساخنة في المنطقة، يكشف تفاصيل الحقيقة السابقة، ويشي بأن مصر منخرطة في غالبيتها بدرجات مختلفة، وحذرها الشديد دفعها إلى وضع حدود واضحة بين ما هو إستراتيجي، وما هو تكتيكي، ولأن التعقيدات كثيرة، والمناورات على أشدها، ولا توجد جهة تملك بمفردها مفاتيح الحل والعقد، بدا في نظر البعض أن التكتيكي في السياسة المصرية يتفوق، باقتدار، على الإستراتيجي.

خذ مثلا الموقف من الحرب في اليمن، معروف أن مصر جزء أساسي من التحالف العربي الذي تقوده السعودية، وفي الوقت نفسه لم تغلق القاهرة أبوابها أمام تمديد خيوط التواصل مع جهات يمنية تعدّ طرفا أصيلا في هذه الحرب، وحتى إيران التي تدعم الحوثيين، ولعبت دورا مهما في إشعال الموقف في اليمن وبعض الدول العربية، لم تصل علاقاتها مع القاهرة إلى درجة الصدام المباشر، ويحرص الطرفان على تجنب الوصول إلى هذه النقطة المثيرة، والاحتفاظ بواحد أو أكثر من خطوط التراجع، كذلك الحال في سوريا والعراق. هناك تطوران حصل خلال الأيام الماضية الوقوف عندهما، يكشفان بجلاء عن الوجه الحقيقي لسياسة التوازنات الحرجة والسير فوق الأشواك.

الأول، يتعلق بزيارة كان من المتوقع أن يقوم بها الرئيس السيسي للمغرب في نهاية الشهر الماضي، وهو في طريقه إلى أسبانيا، على غرار زيارته للجزائر وهو في طريقه لحضور القمة الأفريقية بغينيا الاستوائية، إشارة إلى المساواة بين البلدين اللدودين، ولأسباب بروتوكولية تأجلت زيارة المغرب، وقررت القاهرة الإعداد لجولة يقوم فيها السيسي بزيارة دول الشمال الأفريقي، تونس والجزائر والمغرب، ربما تشمل موريتانيا، اتساقا مع سياسته أن توطيد العلاقات مع طرف لن يكون على حساب طرف آخر.

الثاني، يخص العلاقة مع إثيوبيا، التي تديرها القاهرة بحذر لتقليل الخسائر الناجمة عن سد النهضة، ومحاولة إيجاد فرص لمكاسب في مجالات متنوعة، فقد بدا التقارب بين القاهرة وأديس أبابا يحمل مضامين سياسية ضد أريتريا، الخصم العنيد لإثيوبيا، والتي تحتفظ بشبكة جيدة من العلاقات مع القاهرة، من هنا أرسلت مصر وزير خارجيتها الأسبوع الماضي لأسمرة، وهو ما خشيت القاهرة أن تفهمه أديس أبابا على أنه ازدواج أو ارتباك في التوجهات المصرية، لذلك اختارت اليوم نفسه للإعلان عن تحرير المخابرات المصرية لـ27 إثيوبيا من ليبيا، لامتصاص غضبها المتوقع من زيارة أريتريا. البانوراما السياسية السابقة، تعيدني إلى ما طرحته من أسئلة شائكة في بداية المقال، والتي يمكن تلخيص الإجابة عنها في ثلاث نقاط رئيسية.

الأولى، هناك علم يمكن أن يوصف بـ“فقه المواءمات” تضطر إليه دول لديها حزمة من الأزمات، تضطرها إلى نسج علاقات عرضية، مع دول أو جماعات متناحرة، وفي أوقات الضباب السياسي تظهر أهمية هذا الفقه.

الثانية، أن المواقف الحدية والحاسمة وسط الغموض الذي يخيم على مصير الأزمات، قد تكون باهظة، بما لا تستطيع مصر، أن تتحمل تبعاتها، وهنا يفضل اللجوء إلى المرونة، حتى لو بدت كأنها ليونة سياسية، لأن الصدام في خضم التطورات الملتبسة وعدم تماسك الجبهة الداخلية، ووجود متربصين ومتآمرين، يمكن أن يفتح المجال لثغرات تؤدي إلى انهيار الدولة.

الثالثة، سياسة المشي على الحبال، مع أنها تعبّر عن حكمة لدى المتمسكين بها، وتختلف عن سياسة حافة الهاوية، لكن من الصعوبة أن تكون منهجا مستمرا، لأن عملية الضبط لا تتحكم فيها الدولة التي تتبناها في جميع خيوطها (مصر مثلا)، ومن الممكن أن يحدث الانفلات في أي لحظة، وتؤدي إلى خسائر غير متوقعة وتصيب الأهداف المرجوة في مقتل. الأهم أنها تكون مقبولة ومفهومة في أوقات معينة، لكن تحولها إلى سياسة دائمة يفقد الدولة المصرية حيويتها وقيادتها، ففي الجبهة الداخلية الصمت عليها طويلا، سوف يفهم على أنه خمول ورخاوة غير مطلوبة، يمكن أن تدفع البعض إلى الابتزاز، لذلك من الضروري أن يكون الحرص على السير وسط الأشواك مرتهنا بظروف محددة، دون أن يتحول إلى مبدأ للسياسة المصرية.

كاتب مصري

9