السير على خطى سيد درويش ينقذ الموسيقى العربية

عرض سوري يراهن على تقديم موسيقى عصرية شرقية وغربية في آن واحد.
الجمعة 2021/07/30
مغامرة موسيقية تجمع الشرق بالغرب في دمشق

كانت الموسيقى دائما عنصرا لتلاقي الحضارات من خلال تمازج أطراف متباعدة جغرافيا وذهنيا، فكانت مساحة تلتقي فيها إبداعات الناس وفنونهم رغم اختلافهم. وفي تاريخ الموسيقى العربية العديد من المحاولات التي قدمت مجهودات في إيجاد صيغ تشاركية بين شرق وغرب. ومن هذه المحاولات تجمّع موسيقي سوري حمل اسم سيد درويش الذي أسسه الموسيقي السوري رشيد هلال، الذي قدم حديثا عرضا موسيقيا قاد الفرقة فيه المايسترو ميساك باغبودريان وهو أحد رموز الموسيقى الغربية في سوريا.

قدمت أوبرا دمشق تجربة موسيقية نادرة جمعت فيها قطبي الموسيقى الشرقية والغربية في سوريا في آن واحد، من خلال عرض موسيقي قدم في الثامن والعشرين من يوليو حمل عنوان موسيقى وأغان حول العالم. وفيه قدم تجمع سيد درويش الموسيقي حفلا موسيقيا بقيادة المايسترو ميساك باغبودريان قائد الفرقة السيمفونية السورية. كما شارك في الحفل ستة مغنين هم هبة فاطمة وحلا طراد وأليسار السعيد وريان جريرة وجوليان خوري وروجيه اللحام.

أوركسترا سيد درويش التي قدمت الحفل تضم فرقة أثير التي تعنى بتقديم الموسيقى الآلية الصرفة وكذلك جوقة believe vocalgroube  التي تضم ستة مغنين يقدمون الأغاني القديمة والحديثة بطريقة مبتكرة فيها التجديد والمعاصرة.

وقدمت في العرض مقطوعات موسيقية تراثية وعصرية حديثة بشكل أوركسترالي علمي حديث. فقدمت من التراث “يا غصن نقى مكللا بالذهب” و”تحت عنين الناعورة” وكذلك أغنية من التراث العراقي والمنطقة الشرقية “دزني”. كما قدمت من التراث المصري مقطوعة “شروق” و”سلم علي” ثم ألحان من البلقان، تلتها معزوفات متنوعة من الجاز والموسيقى الحديثة.

استعادة سيد درويش

السيد درويش

لكل من الموسيقى الشرقية والغربية عالمها المتفرد، الذي يحمل في ذاته خصوصيته من المكونات الموسيقية وتكنيك الأداء وقبلهما فلسفة الموسيقى والتعاطي مع موضوعة المقامات الموسيقية باعتبارها مقامات وأجناسا وإيقاعات مختلفة، وتأتي مسألة ربع الصوت التي تتسيد الجدل وتفرض نوعا من الحسم في صناعة وتذوق الموسيقى الشرقية وتميزها عن الغربية.

 لكن رغم وجود هذه الفوارق في الموسيقى في كلا الجانبين فإن مساحات مشتركة يمكن توليدها بينهما، بالكثير من العمل والدراية بفنون وعلوم كلتا الموسيقتين. وهذا ما كان مرارا عبر تاريخ الموسيقى الشرقية الحديثة. فوجدت أسماء موسيقية عربية وشرقية أوجدت لها مكانة خاصة في ما يمكن أن يسمى بدمج مزاج الموسيقى الشرقية والغربية معا.

 ولعل من أهم من عمل على هذا الأسلوب بشكل لافت وعفوي الموهبة الموسيقية المصرية الفذة سيد درويش، الذي شكل حالة موسيقية بالغة التفرد في الموسيقى الشرقية من حيث إبحاره في قوالب موسيقية عربية تقليدية أصعبها شكل الدور، الذي برع فيه، وصولا إلى الأغنية الشعبية الرائجة التي مازالت أعماله فيها تسمع حتى الآن بعد مرور مئة عام على ولادتها، مع حمله في حيثيات موسيقاه نمط تفكير موسيقي غربي بكامل خصائصه، حتى سماه بعض النقاد الموسيقيين العرب بأنه ترجم الموسيقى الغربية إلى الشرقية.

الموسيقى الشرقية وخاصة التراثية تتميز ببناء اللحن الواحد وبالتالي لا تحتاج بشكل عام إلى قائد أوركسترا

ومن منطلق قيمة سيد درويش الموسيقية الكبرى وقدرته على إيجاد نوع من التناغم مع الموسيقى الغربية توجه الموسيقي رشيد هلال إلى تأسيس تجمع سيد درويش الموسيقي الذي يرى فيه “تحركا موسيقيا يقول إن هذا الموسيقي الكبير هو أفضل رهان على تقديم موسيقى عصرية شرقية وغربية معا. كونه يشكل قيمة فنية كبرى”.

ويضيف “سيد درويش هو من ناحية فكر متجدد ومن ناحية أخرى فنان الشعب، وهي معادلة صعبة جدا ومطلوبة حاليا في زمن تردي الفن الموجود في حياتنا الآن. ونحن نحاول في جهودنا التي نعمل عليها في التجمع، محاكاة تجربته وتقديم ما يمكن أن يمثل تطورا موسيقيا في الحياة الموسيقية العربية التي تحتاج كثيرا من العمل الجدي الآن. سيد درويش صيغة متفردة في الموسيقى العربية. فهو مؤلف موسيقي فيه منتهى الأصالة ومنتهى التجديد معا”.

ويرى رشيد هلال صاحب مشروع أوركسرا سيد درويش وعازف الكمان والمؤلف الموسيقي والموزع، أن المزاوجة بين الشرقي والغربي في الموسيقى “يتقبلها البعض ولا يتقبلها الآخر. فنحن نحاول أن نجعل الجمهور متعلقا بالموسيقى الجديدة والجيدة، سيد

درويش استقى من الآخرين وتعلم منهم. هذا صحيح، لكن معظم ما جاء به كان من شيء داخلي خاص به، ونحن نحاول أن نفعل ما فعله سابقا وأن نزاوج بين أساليب مختلفة للوصول إلى ذائقة الجمهور الحقيقية”.

ويضيف “نأتي بالجملة الموسيقية كما هي معروفة ونقدم فيها خلفية من التآليف الموسيقية دون التدخل في مضمونها وشكلها. ونتعامل بهذه الطريقة حتى مع الموسيقى التراثية فنلحن الكوبليات المرافقة فقط. أنطلق في هذا من خلال وجهة نظر تقول إن المادة التراثية ضيقة. وإن كان سيتم تقديمها بشكل معاصر فلا بد من زيادة كوبليات موسيقية موافقة لكن دون الاقتراب من مكوناتها الأساسية التي يجب أن تظهر بوضوح”.

وعن مدى تقبل الجمهور لهذا الشكل الفني الجديد يجيب هلال “من خلال عملي الطويل على هذا الموضوع لاحظت أن الجمهور يقابل هذا الشكل الفني بشكل مختلف. فريق يقبله وفريق آخر لا يقبله، شريحة من متذوقي الموسيقى يرون أن إدخال الموسيقى الشعبية مثلا أمر ليس جيدا. وشريحة من متابعي الفن الشعبي يرون أن إخضاع العمل لشكلانية جديدة غير صحيح. ولكل الحق في ما يذهب إليه. نحن نعمل لتقديم فن جديد وليد يحقق صيغة مشاركة بين الشكلين، كما فعل سيد درويش منذ ما يقارب المئة عام. وجمهورنا يزداد يوما بعد آخر والتجرية تثمر خاصة في جانب الغناء الشعبي الذي أجزم أنني من خلال تجربتي مع المغنية ميس حرب قد حققنا فيه قفزات هامة للأمام”.

المايسترو والتجديد

فنانون يعملون على تقديم فن جديد وليد يحقق صيغة مشاركة بين الموسيقى الشرقية والغربية كما فعل سيد درويش
فنانون يعملون على تقديم فن جديد وليد يحقق صيغة مشاركة بين الموسيقى الشرقية والغربية كما فعل سيد درويش

المايسترو ميساك باغبودريان وجه موسيقي سوري شهير، صار أحد رموز الموسيقى الغربية فيها من خلال عمله كقائد للفرقة السيمفونية الوطنية السورية. وقد عرف في هذا المقام طيلة سنوات سابقة، لكنه يقدم هنا حفلا موسيقيا لتجمع فني يقدم موسيقى شرقية لها خصائصها، من حيث وجود ما يسمى بربع الصوت الذي يميز الموسيقى الشرقية عن الغربية.

عن ذلك يقول باغبودريان “قيادة الأوركسترا ليست مرتبطة بموسيقى معينة (غربية أو شرقية) وإنما مرتبطة بطبيعة الكتابة الموسيقية وبناء العمل الموسيقي. وفعليا الحاجة لقائد أوركسترا ظهرت مع تطور الكتابة الموسيقية والتوزيع الأوركسترالي في أوروبا حين ظهرت الحاجة لـ‘مخرج موسيقي‘ يستطيع تشكيل رؤية موسيقية للعمل مع دراسة عميقة لفكر المؤلف والتقنيات التأليفية المستخدمة وتوازن الأصوات بين كتل الآلات”.

ويضيف “الموسيقى الشرقية وخاصة التراثية تتميز ببناء اللحن الواحد حيث تقوم كل الآلات بعزف نفس اللحن بمرافقة الإيقاع، وبالتالي لا تحتاج بشكل عام إلى قائد أوركسترا، بينما عندما نجد أنفسنا أمام أعمال تتجاوز فكرة اللحن الواحد ويقوم المؤلف بالتأليف وفق نظم البوليفوني، أي تعدد الأصوات والبناء العمودي والأفقي للموسيقى إضافة إلى وجود كتل آلية مختلفة بين بعضها فيكون من الضروري الاستعانة بقائد أوركسترا، تكون مهمته إخراج العمل كما هي رؤية المؤلف”.

وعن برنامج الحفل الذي قدمه والتنوع الذي فيه كيفية التعاطي مع توزيع أدوار الآلات الموسيقية يتابع باغبودريان “البرنامج الموسيقي لأمسية تجمع ‘سيد درويش‘ يتضمن أعمالا متنوعة من حيث الأصول والانتماء، ولكنها تجتمع باللغة الموسيقية التي قدمت بها وهي اللغة الأوركسترالية التي تضم الوتريات وبعض الخشبيات والنحاسيات إضافة إلى مجموعة آلات الإيقاع والبيانو وآلات الغيتار المتنوعة وبعض الآلات الشرقية كالقانون والبزق ومن هذه التشكيلة يمكننا أن نستنتج الألوان المختلفة التي عمد المؤلفون إلى استخدامها في عملهم”.

14