السيستاني والدور الطائفي المميت: من مفتي الاحتلال إلى مفتي الاقتتال

الأربعاء 2014/06/18
منعت قوات المالكي اعتصامات بالقوة وهو ما أجج الواقع العراقي

تقوم الديناميكية السياسية لأحزاب الإسلام السياسي (سنة وشيعة) على مستويين أساسيين غالبا ما نلحظهما في هذه الظاهرة؛ المستوى الأول هو وجود تحالف قوي ومتين بين القوة الاستعمارية ورجل الدين المحلي، الغرض منه هو أن “يُشرعن” رجل الدين لدخول الاحتلال. أمّا المستوى الثاني للظاهرة فهو نتيجة للأوّل، أي تخدير وإخضاع تلك الملايين “المسكينة” من الناس للمستعمر وتحريم مقاومته عبر الفتاوى. ولكن بمرور الوقت، تصبح الفتاوى التي أجازت احتلال البلاد حجة منطقيّة لإصدار الفتاوى التي تليها، من قبيل؛ تحريم “ثورة التحرر من الاستعمار”، ودعوة الناس إلى “الجهاد” الطائفي ضدّ أيّ حراك شعبي يروم التخلص من نتائج العملية السياسية للاحتلال.

أصدر رجل الدين الشيعي الأبرز في مدينة النجف العراقية، علي السيستاني، في الآونة الأخيرة، بيانا قال فيه إنّه على “المتطوعين حمل السلاح لحماية المقدسات الشيعية” من هجومات من أسماهم بـ”الإرهابيين”، إثر العمليات الأخيرة التي قامت بها مجموعات مسلحة للاستحواذ على عدد من المدن المهمة في شمال العراق وغربه.

وقد نقل مُمثل السيستاني، عبدالمهدي الكربلائي، هذا البيان، مؤكّدا “أنّ ما يحتويه واجب إلى حدود بلوغ العدد الكافي من المقاتلين لتنفيذ مهمة حماية المقدسات”، كما يقول.

ومن المعروف عن هذا الرجل أنه لم يصدر أيّة فتوى تخصّ القتال منذ تولّى المالكي الحكم في العراق سنة 2006، بل إنّ أبرز، وآخر فتاويه أو بياناته، كانت تلك التي أجاز فيها احتلال العراق سنة 2003 محرّما قتال الأميركيين، وهذا ما يضع بيانه الأخير محلّ تساؤل مفادهُ: هل هو الخوف على المقدسات فعلا، أم إيذان بتحرك مسلح له صبغة طائفية لخدمة سياسة طهران؟

لا ينكر أحد أنه ومنذ تولي نوري المالكي (الإسلامي) للسلطة في العراق، بعد العملية السياسية التي أشرف عليها الاحتلال الأميركي، أصبح العراق منقسما بقوة الواقع.

إذ لم تخل المدن والمحافظات في شمال العراق وغربه من التقلبات الشعبية المستمرة ضد سياسة التهميش والتفقير التي كان يمارسها المالكي، ولعل أبرز تلك التحركات الاحتجاجية التي ملأت الساحات العامة في الفلوجة وبغداد والرمادي وصلاح الدين، كانت في “الحويجة” التي واجهها المالكي بمجزرة في حق المتظاهرين والمعتصمين سنة 2013.

يعترف رامسفيلد أن السيستاني أنقذ الأميركان من خسائر كبيرة عندما حرم قتالهم سنة 2003

وقد أجج هذا الواقع شعور فئة واسعة من العراقيين بالتمييز على أساس طائفي يقسم الناس إلى نقيضين موهومين لطالما انتهجته الأحزاب الإسلامية جميعها وروجت له، أي بين طائفة مؤمنة أو ناجية (وفي حالتنا هذه؛ هي الطائفة الشيعية باعتبارها الحاكمة) والطائفة الكافرة (أي السنة) المضطهدة. وهو المشهد الذي تصر حكومة المالكي بالإضافة إلى حلفائه من رجال دين محليين وبمساندة إيرانية واضحة، على الدعاية والترويج له، عبر الفتاوى التي تصدر من هنا وهناك، والتي يتنزّل في إطارها بيان السيستاني الأخير.


مفتي الاحتلال


بالعودة إلى تاريخ “بيانات” هذا الرجل، نجد أنّ له سابقة لا تنسى في توظيف معرفته ومكانته الدينية (كأيّ عمود من أعمدة الإسلام السياسي) لأغراض طائفية ضيقة وخدمة المحتل.

فقد صدرت عن السيستاني فتوى شهيرة عند غزو الأميركان للعراق يحرم فيها قتال المحتل أو المشاركة في أي عمليات تقوم بها المقاومة أو الجيش النظام في الدفاع عن العراق، بل ان تقارير عديدة إعلامية صادرة عن وثائق تم تسريبها بعد الاحتلال من الإدارة الأميركية تقول إن لرامسفيلد علاقة ما بالسيستاني «الذي أنقذ الأميركان من خسائر فادحة» حسب أحد التقارير وذلك بمنع أتباعه ومقلديه من الانضمام إلى المعارك الدفاعية عن العراق سواء في الجنوب أو في معارك بغداد أو في المناطق الغربية.

أول استنتاج نخرج به حول هذا “المرجع” أنه لا يدين بالولاء إلى العراق، تماما كأي ناشط في ميدان “تجارة الفتاوى” التي تدر الربح المادي ومكاسب ضيقة ومتطرفة (إحالة إلى القرضاوي مثلا).

فقد سمح باحتلال بلاده وإدخالها في رحى دموية من الاقتتال والإرهاب والنهب والفساد والرعب، أفقد العراق قوته وثراءه الطبيعي والحضاري والتاريخي، وأخرجه من حاضنته العربية لإلحاقه بالأجندة الإيرانية ـ الغربية. بل إن المخطط الإيراني القاضي باكتساح المجال العربي و”قضم” أراضيه وتهديد مصالحه قد تقدّم بفعل أبواق الدعاية الدينية الطائفية مثل علي السيستاني، فضلا عن دعم إيران لعناصر الإخوان المسلمين المنتمين لتنظيم إرهابي. فبأيّة مشروعية يصدر السيستاني بيانه الأخير الداعي إلى حمل السلاح وحماية المقدسات؟


مفتي الاقتتال


تأتي توجيهات علي السيستاني الأخيرة لأتباعه ومريديه في ظل الوضع المرتبك والذي ينم عن غموض نسبي في هوية الحراك الذي أدى إلى سيطرة المسلحين على بعض المدن الكبرى شمال العراق وغربه مثل ما حصل في؛ الموصل وتكريت وصلاح الدين وبعض الأماكن الأخرى.

ولا يستغرب عدد من الملاحظين فتح إيران مراكز لتسجيل المتطوعين الراغبين في الذهاب للقتال في العراق تحت شعار “الدفاع عن المراقد الشيعية في كربلاء والنجف وسامراء”، وهي تعبئة تلت مباشرة إصدار السيستاني لبيانه، نظرا للبعد الطائفي الّذي تسعى تلك “المراجع” لتأجيجه تنفيذا للأجندة الإيرانية والأميركية في المنطقة، والتي تهدف إلى التقسيم والإضعاف ثمّ الاستحواذ، وهو الدّور الموكول فعلا لكلّ حركات الإسلام السياسي الّتي تنشط في الوطن العربي.

ويرى مراقبون أن دعوة السيستاني لأتباعه ومريديه لكي يحملوا السلاح، إنّما الغرض الأساسي منها هو وضع الطائفة على محك الصراع المسلح، بعد أن كان الانتماء إلى الطائفة (ولا يزال) هو المحدد في العملية السياسية العراقية التي نتجت عن الاحتلال الأميركي.

فتحت إيران مراكز التطوع للقتال في العراق مباشرة بعد اصدار السيستاني لبيانه الطائفي

فقد أنتجت وثيقة دستور بريمر نظاما تتصدره أحزاب إسلامية متعددة الخلفيات الطائفية والمذهبية، والتي لم تتوان عن وضع الطائفة في مقدمة برامجها الدعائية من أجل ضمان الحشد الأقصى للأصوات، ما يضع النظام السياسي العراقي برمته في دائرة التساؤل عن مدى وطنيته ومدنيته وتحقيقه للشعارات الفضفاضة التي روج لها الغرب بقيادة الولايات المتحدة قبيل الغزو، والتي كانت تدعي نشر الديمقراطية والعدالة في العراق والمنطقة إجمالا، ناشرة في الحين ذاته كل أسباب الاقتتال الطائفي والمذهبي بين أبناء الشعب الواحد بتثبيت نظام طائفي سلمته إلى إيران بعد خروجها.

إن الواقع (كما بينه بيان السيستاني) أثبت إلى حد بعيد أنّ الإسلام السياسي الذي تمّ تثبيته في الفترة السابقة بقيادة وجوه دينية شيعية بارزة مثل؛ مقتدى الصدر والسيستاني وحتى نوري المالكي نفسه، رئيس حزب الدعوة الإسلامي، إنّما يحمل داخله مشروع الاقتتال والتفتيت وقسمة الوطن الواحد، في الوقت الذي تقوم فيه الأحزاب الإسلامية في مناطق أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين بالقيام بدور تفكيك أسس الدولة ومحاولة السيطرة عليها و”التمكن” منها، وفي كلتا الحالتين تقف الأجندة الإيرانية والأميركية وراء هذه الأحزاب بغرض إعادة رسم الخارطة حسب حاجتهم إليها، وعلى حساب العرب.

13