السيستاني يبدد أمل العبادي

من يفهم في صياغة المرجعية لخطاباتها عرف أن السيستاني وأد أمل رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في ولاية ثانية كان يصارع للحصول عليها، حتى لو اضطره ذلك للخروج من حزب الدعوة.
الثلاثاء 2018/07/31
رأس الفساد في العراق

وأخيرا نجحت صرخات المحتجين العراقيين في الوصول إلى مسامع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، الذي أدرك خطورة الموقف وسارع لإنقاذ شعبية مرجعيته، التي جعلها من أفتى سابقا بانتخابهم وحماهم على كف عفريت، حتى أن من كانوا يقدسون المرجعية خرجوا في الجنوب العراقي، قبل سنوات، يهتفون “باسم الدين باكونا الحرامية”، و”قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية”، ومعنى الأول لمن لا يعرف اللهجة العراقية “باسم الدين سرقنا اللصوص”، ومعنى الثاني “خدعتنا المرجعية وجعلتنا ننتخب سيئي الخلق”، وتلك سابقة لم يشهدها تاريخ المرجعية كله، حتى جاءت خطبة الجمعة 27 يوليو 2018 في كربلاء، التي حملت إلى مقلدي السيستاني تأييده للاحتجاجات الشعبية بلغة مخاتلة تحمل أكثر من معنى ويراد منها الشيء وضده.

من يفهم في صياغة المرجعية لخطاباتها عرف أن السيستاني وأد أمل رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في ولاية ثانية كان يصارع للحصول عليها، حتى لو اضطره ذلك للخروج من حزب الدعوة، إذ قال ممثل المرجعية في كربلاء، عبدالمهدي الكربلائي، إن على رئيس الوزراء القادم أن يتحمل كامل المسؤولية عن أداء الحكومة وأن يتمتع بالشجاعة والقوة ويجب تطبيق ضوابط صارمة في اختيار الكابينة الوزارية المقبلة والمناصب العليا والدرجات الخاصة، مؤكدا أن على الحكومة الحالية أن تحقق “بصورة عاجلة مطالب المتظاهرين وتخفيف معاناتهم وشقائهم، وأن تتشكل الحكومة القادمة بأقرب وقت ممكن بأسس صحيحة بكفاءات فاعلة وصحيحة ويتحمل رئيس الحكومة كامل المسؤولية ويكون حازما وقويا ويتسم بالشجاعة لمكافحة الفساد المالي، وهو ما يعاني منه البلد ويعتبر ذلك واجبه الأول ومهمته الأساسية ويشن حربا لا هوادة فيها على الفساد”.

وهذه صفات لا يتوافر عليها العبادي، الذي سبق للمرجعية أن منحته دعمها عند توليه ولايته، فخرج إلى الناس يقول سنضرب الفساد بيد من حديد، ثم لم يفعل شيئا، حتى راجت بين العراقيين طرفة تقول إن العبادي عرف خلال أقل من 24 ساعة أن التظاهرات الشعبية فيها مندسون، ولكنه طوال مدة ولايته المنتهية لم يقدم فاسدا واحدا إلى القضاء، ويلاحظ من هذا الكلام أن المرجعية الشيعية باركت، في الوقت نفسه، المعالجات الترقيعية، التي يتخذها العبادي تاركة المعالجات الجذرية لرئيس الوزراء القادم.

من خلال هذه اللغة المخاتلة، والتي تصور وكأن المقاطعة لم تحدث فعلا، وإنما ستحدث، أعفت المرجعية نفسها من الاعتذار لمقلديها والاعتراف بما وقعت فيه من أخطاء قادت إلى هذا الثمر المر

وتريد المرجعية أن تكون وسطا بين الحكومة والأحزاب المتسلطة لتحوز على رضا الجميع، عندما قال ممثلها في خطبة الجمعة “لقد نصحنا كبار السياسيين مرارا وتكرارا بأن يعملوا للإصلاح ويمتنعوا عن حماية الفاسدين”، مستدركا “كما نصحنا المواطنين كلما حلت الانتخابات أن الإصلاح والتغيير نحو الأفضل هو مطلب الجميع وحاجة ماسة للبلد لن يتحقق إلا على أياديكم وإذا لم تعملوا له بصورة صحيحة فإنه لن يحصل”.

ولم ينس العراقيون كيف كرست المرجعية حكم الأحزاب الطائفية عندما حرّمت على مقلديها زوجاتهم إن هم لم ينتخبوا تلك الأحزاب، وكيف أسهمت في ولادة دستور غير عراقي هو الآن أساس أزمات المواطن، بل لم ينس امتناعها عن إعلان الجهاد على المحتل.

اتهم النائب عن التحالف المدني الديمقراطي فائق الشيخ المرجعية الشيعية، في تصريح صحافي، بدعم الفساد عن طريق تدخلها في الشأن السياسي منذ 2003 لغاية اليوم، وقال إن مرجعية النجف وعلى رأسها السيستاني هي رأس الفساد في العراق.

وفي حركة مضللة للتقليل من القرار الشعبي بمقاطعة الانتخابات، طالب ممثل المرجعية أن يرعى قانون الانتخابات أصوات المنتخبين ولا يلتف عليها وأن تكون المفوضية مستقلة ولا تخضع للمحاصصة الحزبية، محذرا من أن عدم توفير هذين الشرطين سيؤدي بمعظم المواطنين للعزوف عن هذه العملية، ولكن مثلما يعلم الجميع لم تجر الأمور مثل ما تمنتها المرجعية وسعت إليها، بل استمرت وازدادت أزمات معظم المواطنين.

ومن خلال هذه اللغة المخاتلة، والتي تصور وكأن المقاطعة لم تحدث فعلا، وإنما ستحدث، أعفت المرجعية نفسها من الاعتذار لمقلديها والاعتراف بما وقعت فيه من أخطاء قادت إلى هذا الثمر المر، كما أنها أرادت أن تحمي نفسها بعد أن وصلت غضبة التظاهرات الساخطة إلى عقر دارها وإلى قرب بيت السيستاني نفسه، من انقلاب مقلديها عليها وهم رأس مالها، وهو أمر إن حدث، سيكون فراقا ما بين المرجعية ومقلديها، إذا ما استمر المقلدون لا يجدون لصيحاتهم صدى في إصلاح يقنعهم، واستمرت المرجعية في صمتها المثمر للفاسدين.

9