السيستاني يطيح بالإسلام السياسي ورجالاته في العراق

علاقة المرجعية الدينية بالأحزاب السياسية في العراق أفرزت وضعا طائفيا متميزا أصبح فيه الولاء للطائفة والمذهب عوضا عن الولاء للوطن، وهذا ما تؤسس له الأحزاب الشيعية في عراق ما بعد 2003، حيث أصبحت المرجعية هي السبيل للتمكين السياسي.
الأربعاء 2015/08/12
السيستاني والتشكيلات الحزبية الشيعية تعبير عن توظيف الدين في السياسة

لندن- للوهلة الأولى قد يبدو العنوان غريبا ولكن بمراجعة بسيطة لما تؤمن به مرجعية السيستاني من مبدأ “المفتي لا يفتي حتى يستفتى” يتضح أن السيستاني يفضّل حكومة تستشيره وتعود إليه في كل شاردة وواردة حتى لو كانت من الأحزاب السياسية غير الإسلامية.

الأحزاب التي تقود العملية السياسية في العراق منذ عام 2003 لم تلتزم بخط مرجعية السيستاني وتتعامل مع الرجل بانتقائية لفك حصاراتها والتخلص من الضاغطين عليها وكل يدفع بأعدائه من منافسيه من خلال الاتكاء على عصا السيستاني والتلميح بأنهم تحت عباءته.

فالتيار الصدري مثلا لا يلتزم بفتاوى السيستاني وكان مرجعهم الأول محمد صادق الصدر أول من تحدث جهارا بعدم أهلية السيستاني لزعامة الحوزة العلمية في النجف وعلى هداه سار ابنه مقتدى وكل التيارات التي أنتجها وضع ما بعد احتلال العراق مثل حزب الفضيلة الذي يتزعمه الشيخ محمد اليعقوبي والذي أعلن أنه قادر على استنباط الحكم الشرعي ودعا العامةإلى تقليده ليحوز إلى تقليده السياسة والدين.

أما حزب الدعوة فإنه لم يلتزم بخطى مرجعية النجف منذ تأسيسه إلى حدّ الآن، فقد تأسس الحزب في ستينات القرن الماضي وكان هدفه الأسمى أن يأخذ دور قيادة الشيعة في العراق والعالم من زعامات الحوزة العلمية على مر تاريخها من محسن الحكيم إلى السيستاني مرورا بزعامات الخوئي والسبزواري والبروجردي والغروي، وكان حزب الدعوة ينتهج مبدأ “مرجع من الدعوة وليس مرجعا للدعوة” وهو المبدأ الذي تحججوا فيه على روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران حينما دعاهم للالتزام بالدعوة إلى الجهاد ضد نظام صدام حسين وانخراطهم مع حشد المتطوعين الإيرانيين إبان الحرب العراقية الإيرانية ففضلوا أن يعطوا المرجعية إلى رجل من حزبهم وهو “كاظم الحائري” ومن ثمة خلعوه بقرار شهير في تاريخ الحزب أسموه حينذاك “قرار الحذف” وبموجبه قرروا فصل الحائري من منصبه كمرجع لحزب الدعوة واكتفوا بالمكتب السياسي للحزب حتى استقرت أمورهم بعد ذاك بالاتفاق على “محمد حسين فضل الله” كمرجع للدعوة على اعتبار أن فضل الله كان من المساهمين في تأسيس الحزب إبان فترة إقامته في مدينة النجف طلبا لإكمال دراسته الدينية.

السيستاني باعتباره مرجعا دينيا يتعامل مع مقتضيات السياسة من خلال الدين وعدم الاحتكاك الشخصي بذلك

أما الإسلام السياسي السني المتمثل بالحزب الإسلامي وبقية التيارات الإسلامية معه فقد أخذ التعامل مع مرجعية السيستاني صورة الحذر وبالنتيجة فإنها -أي القوى السنية- تتعامل مع السيستاني كشباك شكاوى مما أصاب السنة من حيف وإقصاء وتهميش من قبل القوى السياسية الشيعية.

وما زالت هذه القوى الإسلامية -الشيعية بالأخص- تتحدى السيستاني الذي دعا في الانتخابات الأخيرة مقلديه وكافة طوائف العراق لعدم “ترشيح المجرب” من الذين فشلوا في إدارة البلاد منذ احتلالها ولحد الآن إلا أن الشعب خذل مرجعيته بفضل تمكن رجالات العملية السياسية وسيطرتهم على المال العام واستحواذهم على مفاصل الدولة بقوتها وقدرتهم على استدراج المواطنين إليهم لإعادة ترشحهم خارج إطار الدين حيث تعاملت الأحزاب مع قضية الانتخابات الأخيرة بذهنية الانتهازي غير المتدين الأمر الذي جعل السيستاني يأخذ زمام المبادرة مثلا لإحراج سلطة نوري المالكي وهي أكبر سلطة متمردة على مرجعية السيستاني بعد سلطة مقتدى الصدر.

أخذ السيستاني زمام المبادرة للتصدي للفتوى الشهيرة بوجوب “الجهاد الكفائي” وهنا أيضا جاء دور الأحزاب لتسيير مقتضيات الفتوى كما هو طريق مصالحهم حيث سخّروا كل إمكانات المؤمنين بالفتوى لخدمة مصالح أحزابهم وشكلوا ميليشيات جديدة ومتعددة واستدرجوا المتطوعين لميليشيات أحزابهم، وكانت الفتوى صريحة في ضرورة أن يتطوع من يجد في نفسه الكفاءة للجهاد ضد داعش للالتحاق بالأجهزة الأمنية العراقية، ليدخل العراق نفقا جديدا للفساد من خلال تحويل مضمون فتوى السيستاني إلى قدرة تعبوية حزبية هائلة قضت على خزائن الدولة ورصيدها الاقتصادي، بل وجعل هذا التحويل من قبل الأحزاب السياسية الإسلامية -الشيعية حصرا- إلى إقواء أذرعها في تشكيلات السلطة والمال ومفاصل الدولة وتأسيس مرحلة جديدة من الفساد -الشرعي- من خلال إيهام الشعب بالعمل بأولويات الصراع مع داعش.

السيستاني أخذ زمام المبادرة للتصدي للفتوى الشهيرة بوجوب “الجهاد الكفائي” وهنا أيضا جاء دور الأحزاب لتسيير مقتضيات الفتوى كما هو طريق مصالحهم

نستنتج من كل ذلك أن السيستاني ضاق ذرعا بهذه التشكيلات التي جعلته أمام مسؤولية مضاعفة تتأرجح ما بين السياسة والدين، لكنها في الحقيقة جعلت من مرجعيّته مفتاحا سحريا لفك الأزمات في وقت فقد فيه العراقيون قدسية قادتهم وباتوا ينتظرون الحلول من المرجعية فقط.

وهذا ما حصل في بيان المرجعية الأخير للقضاء على الأحزاب السياسية الإسلامية حيث أن السيستاني يدرك تماما بأن المتظاهرين في كل العراق هم ليسوا من حزب الدعوة ولا من المجلس الأعلى ولا من التيار الصدري ولا من عصائب أهل الحق ولا من منظمة بدر ولا من حزب الله العراق، وهؤلاء وفق وجهة نظر السيستاني جميعا قد فشلوا في إدارة دفة البلاد إلى المحجة البيضاء التي كانوا يعدون الشعب بها.

ورب سائل يقول: لماذا لا يصرّح السيستاني بكل ما ورد في مقالنا إذا كان يؤمن أن إسلاميي السلطة يشوّهون سلطته ويطيحون بالبلاد؟ الجواب هو أن السيستاني باعتباره مرجعا دينيا يتعامل مع مقتضيات السياسة من خلال الدين وعدم الاحتكاك الشخصي بذلك فهو يرسل الرسائل تلو الأخرى بضرورة تقليم الأظافر ومن ثمة الانقضاض على المتمردين على سلطة الدين ومنهجه وهم المنافقون الذين يدّعون أنهم نتاج الدين إلا أنهم ينفذون أجندة لا تتسق مع مقتضيات الفقه بشيء ولا مع منهج الدين بصلة.

13