السيسي رئيسا

الأربعاء 2014/06/11

لاشك أن اعتلاء المشير عبدالفتاح السيسي سدة الرئاسة المصرية مؤشر إلى نهاية حقبة تاريخية وإن كانت قصيرة، من أسوأ المراحل التي مرت بها الدولة المصرية بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا حول أبطالها والشخصيات الفاعلة فيها. ولعل استعراض مراسم اليمين الدستورية والتنصيب لكلا المرحلتين يبيّن ماذا يعني أن يحترم السيسي المحكمة الدستورية العليا، وبين أن يهينها مرسي منذ البدء في مؤشر إلى أن القانون الوحيد الذي يعترف به هو قانون الأهل والعشيرة الذي جعله يؤدي القسم الرئاسي ثلاث مرات في سابقة هزلية لم تحدث من قبل.

أضف إلى ذلك الهيبة التي رافقت مراسم اليمين الدستورية والتنصيب، ووجود رئيسين لمصر في نفس اللحظة لتسليم واستلام السلطة سلميا، حسب القانون لأول مرة في تاريخ مصر القديم والحديث. لسنا بصدد المقارنة بين الرئيسين ولا الحقبتين، ولكنها الكوميديا السوداء والواقعية السياسية هي من دفع إلى ذلك دون ترتيب مسبق، لذلك سأوجز تلك الفروق في عبارة تختصر المشهد برمته، ففي الوقت الذي دخل فيه السيسي القصر الرئاسي من الباب الرئيس دخله الرئيس المعزول من باب الخدم.

مصر الحديثة التي تتجه نحو المستقبل بخطى واثقة، هي الصورة التي يستخلصها المشاهد للحدث من ذلك الحضور الكثيف للشخصيات الدولية في حفل تنصيب السيسي رئيسا لمصر. ويأتي الخطاب الأول للرئيس المصري ليؤكد أن مصر تفتح ذراعيها للعالم على أساس الندية والوضوح.

ولعل في استبعاد تركيا وقطر وإسرائيل وعدم دعوتها لحفل التنصيب الرئاسي إشارة واضحة إلى أن مصر المستقبل لن تسمح بأن تكون مرتعا لمن شاء ليعيث فيها فسادا، حيث أن الخطاب الأول للسيسي أمام رؤساء الوفود خلا من أي إشارة لمصر الداخل، وتركز على العلاقات المصرية الخارجية بالعالم، ولم يتعرض إلى حرب الدولة مع التنظيم الدولي للإخوان ولم يذكر الدول الداعمة أو المناوئة، وهو ما يشير إلى رغبة القيادة المصرية أن تظل العلاقات الدولية في إطار من الاحترام والندية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

الملفت للنظر ما احتواه الخطاب من تأكيد على الأمن المصري الخليجي المشترك، والذي يعتبر صدى لخطاب خادم الحرمين الشريفين الذي أكد فيه على وحدة المصير والأمن المشترك. ولاشك أن رسالة السيسي التي أراد إيصالها إلى إيران قد وصلت إلى نائب الرئيس الإيراني الذي حضر مراسم الترسيم وتأمل بلاده في علاقات جيدة مع مصر، تماماً كما وصلت رسالة خادم الحرمين الشريفين إلى الدولتين الحالمتين بالتلاعب بالأمن القومي المصري من خلال تدخلهما في الشأن الداخلي لأرض الكنانة، وأعني قطر وتركيا.

رسالتان صغيرتان حجما، هائلتان تأثيرا صدرتا من أكبر دولتين في العالم العربي تؤكد على مصيرهما المشترك شاء من شاء وأبى من أبى. وفي هذا الجزء من خطاب السيسي ما يشير إلى المنطلق الذي يمهد من خلاله الرئيس الجديد لخط سيره الذي اختاره ليتلاءم مع المرحلة الحالية:

“مصر التاريخ العريق والحضارة العظيمة، مهد الأديان ومسرى الأنبياء، منبع الفنون والآداب والعلوم، ومسؤولية كبيرة أن أكون مسؤولا عن بلد بقيمة وخصوصية مصر، بكل ما يمتلكه من عناصر قوة الدولة؛ ثقل ديموغرافي، موقع متميز، همزة الوصل بين قارات العالم القديم ومعبر تجارة العالم، إمكانيات اقتصادية هائلة، وفرص استثمارية واعدة، وعقول مفكرة نابهة، ما أسهمت في مجال إلا أثرته وأثّرت فيه، مصر قلب العروبة النابض، وعقلها المفكر، منارة العالم الإسلامي ومركز إشعاع علوم الدين بوسطيته واعتداله، بنبذه للعنف أيا كانت دوافعه وللإرهاب أيا كانت بواعثه. مصر الأفريقية الجذور والوجود والحياة، رائدة تحرر واستقلال القارة السمراء، وثغر المتوسط، فخر الحضارة، وسجل أمجاد التاريخ”.

خطاب السيسي الثاني في قصر القبة كان خطابا داخليا بامتياز، يؤكد على أن إحدى أهم سمات المرحلة الجديدة تحديد الخطاب بدقة وإيصال الرسالة الصحيحة للجمهور الصحيح، ففي حين كان الخطاب الأول -عقب التنصيب- موجها للوفود وللدول التي تمثلها تلك الوفود، كان الخطاب الثاني موجها للشعب المصري الذي مثله ما يزيد عن الألف من الحضور، وأكد فيه على النظام الجمهوري الذي أسست له ثورة يوليو، وأكد على مدنية الدولة ونوع الحكم واستبعد مفهوم الأهل والعشيرة ليؤكد رئاسته لكل المصريين، وهي رسالة يبدو أن الشعب كان يتعطش لسماعها.

تناول خطابه العدل الاجتماعي وكيفية صناعة مستقبل مصر من خلال ما تملكه من إمكانات عالية ومصادر دخل متعددة تدعم ما وصفه بالاقتصاد العملاق والمشروعات الوطنية الضخمة والاستثمارات التي تحفظ حقوق الفقراء، والتحذير من المساس بها، والعمل على تكريس القوة لا القمع، والسلام لا العدوان، والتأكيد على دولة القانون في إطار ما وصفه من أن “مصر الجديدة ستعمل من أجل المستقبل متفاعلة مع متطلبات الحاضر ومستفيدة من تجارب الماضي”.

الخطاب يقرأ تطلعات الشعب المصري ويعكس أن الرئيس لن يكون نسخة ممن سبقه، وخاصة من ثار عليه الشعب الذي لا يريد تكرارا لاستبداد مبارك ولا حماقة مرسي. لاشك أن المهمة المنوطة بالرئيس السيسي شديدة الصعوبة، والتركة ثقيلة، والتحديات مرتفعة، إلا أن انفتاح الرئيس السيسي على الهم المصري الداخلي واستحقاقات المرحلة الحالية في ظل التعاون الشعبي مع الرئيس سيخفف من صعوبة المهمة.

أبناء مصر وقادتها الحاليون لديهم توجه نحو مستقبل يعكس تطلعات الشعب في العدالة الاجتماعية وتجديد الفكر الديني والتخلص من الإرهاب والدولة الموازية.


كاتب سعودي

9