السيسي يحاول تحصين نظامه بالحرب على الفساد

الخميس 2015/11/12
ملف الفساد في مصر لم يعد يحتمل التأجيل

القاهرة - شكّل فساد بعض رجال الأعمال ممن كانوا مقربين من نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، سبب من الأسباب الرئيسية التي أججت الغضب الشعبي وثورة 25 يناير 2011، التي كان في مقدمة مطالبها القضاء على الفساد وإرساء العدالة الاجتماعية.

لكن ظلّ هذا الملف مواربا، يظهر على استحياء تارة، ويختفي معظم الأحيان، إلى أن بدأ التعامل الرسمي معه في ديسمبر من عام 2014، عندما اعتمدت الحكومة إستراتيجية جديدة لمكافحة الفساد، شارك في وضعها 14 جهازا رقابيا، إضافة إلى استحداث منصب مستشار الرئيس لمكافحة الفساد، لأول مرة في مصر، وعيّن له اللواء محمد هيبة، القادم من هيئة الرقابة الإدارية.

ومع إعلان الجهاز المركزي للمحاسبات مؤخرا، أن فاتورة السرقات في أراضي الدولة، وصلت إلى نحو 140 مليار جنيه في مختلف المحافظات، ما يعادل 17 مليارا و500 مليون دولار، تفاقم الغضب الشعبي، وسط زيادة معدلات الفقر، وصعوبة الحالة المعيشية لكثير من أفراد الشعب.

توقيت الصدام مع رجال الأعمال المتورطين في نهب المال العام، من وجهة نظر ناجي بيومي، أستاذ علم الاجتماع السياسي، مهم ولا يخلو من دلالات سياسية كبيرة، ولم يكن يحتمل التأخير، بسبب حالة الغضب في الشارع المصري.

وقال بيومي لـ”العرب” إن النظام أدرك أن الشعب لن يحتمل الصمت على الفساد أكثر، خاصة بعد أن كشفت بعض استطلاعات الرأي التي أجريت حول أسباب العزوف عن التصويت، أن استمرار الفساد وعدم تدخل الدولة لمجابهته كانا من بين أبرز أسباب مقاطعة الانتخابات، الأمر الذي أرخى بظلال سلبية على صورة النظام الحاكم.

وأوضح بيومي أن مصر في حاجة إلى إقامة مشاريع تنموية اجتماعية حيوية في مجالات الصحة والتعليم والسكن والبنية الأساسية، لكن يد النظام كانت مكبلة، وهو ما خلق حالة من عدم الثّقة وخيبة الأمل بين المواطنين، ومن هنا تحركت الحكومة، في محاولة لتحمل مجموعة كبيرة من الرسائل السياسية والاجتماعية، أهمها أنها قوية وقادرة على مواجهة “الحيتان” الكبيرة.

وكان ترتيب مصر في المؤشر العالمي لمواجهة الفساد، الصادر في بداية العام الجاري، قد تحسن قليلا، حيث انتقل إلى المرتبة 94 عالميا، بعد أن كان في المرتبة 175 على مستوى العالم.

وفي تقدير إبراهيم هلال، خبير العلوم السياسية، تحتاج تصفية الحسابات مع بعض رجال الأعمال، إلى إرادة سياسية كبيرة، خاصة أن الدخول في حرب مع هذه الفئة، ليس بالأمر الهين، بحكم المركز المالي والشهرة والعلاقات القوية التي تتمتع بها غالبية رجال الأعمال المتورطين في قضايا تتعلق بإهدار المال العام، فضلا عن الامتدادات الخارجية لعدد منهم، لاسيما من يحملون جنسيات دول غربية.

وأكد لـ”العرب” أن السيسي منح الضوء الأخضر للأجهزة الرقابية للتحرك في هذا الاتجاه، وهو يدرك أن المعركة معهم كلما تأخرت زاد السخط الشعبي والضغط من الأحزاب السياسية، في ظل الحديث عن مليارات الجنيهات المنهوبة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، كما يخشى أن تثار علامات استفهام حول علاقة النظام الحاكم بهذه الفئة، وهناك تكهنات وتخمينات ذهبت إلى حد اتهامه بحمايتهم.

لكن تزايد الضغوط الخارجية وكثافة الأزمات الداخلية، قد يفرضان على السيسي فرملة توجهاته نحو التوسع في بتر أوكار الفساد، الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة لها من يدافع عنها داخل السلطة وخارجها، كما أن التحفظات التي صدرت من مؤسسات مالية في مصر، مثل اتحاد الصناعات المصرية، يمكن أن تفرمل الاندفاع نحو محاسبة رجال الأعمال.

وإذا كان هناك من حصلوا على مزايا نوعية، فقد حصلوا عليها بطرق قانونية، وهذه هي العقدة التي يمكن أن توقف التمادي في فتح ملفات مكافحة الفساد، لأنها سوف تحمل إدانات لأجهزة عديدة في الدولة ثبت أنها متراخية، وقد تجر معها أسماء كبيرة من المسؤولين، تورطوا في رعاية الفساد، لذلك فإما أن ينجح السيسي في تحصين نفسه شعبيا بمواجهة هذا اللوبي المتضخم، وإما أن يصمت عليه ويغض الطرف عن تجاوزاته، خوفا من أن يواجه المزيد من المشكلات الاقتصادية.

6