السيسي يختبر تحمل المصريين بالدفاع عن الخيارات الاقتصادية القاسية

دفعت الخيارات القاسية التي اتخذتها الحكومة المصرية، الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى إلقاء بالون اختبار لمعرفة مدى تقبل المواطنين لذلك، مبررا اضطرار الدولة إلى الدخول في ذلك النفق بأنه الطريق الوحيد للخروج من الأزمة الاقتصادية الحادة.
الجمعة 2016/12/09
السلع مكدسة.. أين الزبائن

حمل خطاب الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الخميس، عدة رسائل اقتصادية، أكدت على عدم صمت الدولة عما يشهده سعر صرف الجنيه من تراجع متواصل أمام العملات الأجنبية.

وبرر اتخاذ الخطوات الاقتصادية الأخيرة والمتمثلة بتعويم الجنيه وزيادة أسعار الوقود، بأن تأجيل مثل هذه القرارات كان ممكنا لمن سيأتي بعده، إلا أنه لا يضمن بقاء البلاد حال الاستمرار في السياسات الاقتصادية السابقة.

وقال السيسي “أعتقد أن السعر الحالي لصرف الدولار لن يستمر كثيرا، لأنه ليس السعر الحقيقي، إلا أن ذلك سيأخذ وقتا”.

وكانت الحكومة اتخذت حزمة من الإصلاحات الاقتصادية مؤخرا، ومنها تخفيض الدعم عن الوقود، وتعويم الجنيه، لتطلق الشرارة الأولى في طريق الإصلاح، وهو ما أعلنه المحللون الاقتصاديون.

وصارح الرئيس المصري الشعب، بأن تباطؤ الحكومات السابقة في الإقدام على إصلاح الخلل الهيكلي في موازنة البلاد، أدى إلى توليد تحديات اقتصادية تراكمت على مدى عقود.

ورصدت الموازنة العامة للدولة، خلال العام الحالي نحو 7.5 مليار دولار، لدعم المواد النفطية والكهرباء.

وتعد الخطوة هي المرحلة الثانية من هيكلة دعم الوقود، بعد أن طبقت الحكومة المرحلة الأولى في عام 2014، وارتفعت حينها مستويات الزيادة في أسعار الطاقة بنحو 78 بالمئة.

وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات كانت أهم متطلبات صندوق النقد الدولي لمساندة القاهرة في برنامجها الإصلاحي، إلا أن تجرع الدواء المر كان مطلوبا بغض النظر عن قرض الصندوق من عدمه.

وطلبت القاهرة قرضا بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وفق برنامج إصلاحي وافق علية الصندوق، وحصلت على الشريحة الأولى منه، بقيمة 2.75 مليار دولار.

ولمس السيسي هذه النقاط قائلا “من المعلوم لدى خبراء الاقتصاد منذ عقود، أن اقتصادنا في حاجة إلى إصلاح هيكلي، يصل إلى جذور بنيته، ولا يكتفي بالفروع والقشور”.

وأضاف “نعلم جميعا كمصريين، كما يعلم معنا العالم، أن قرارات الإصلاح الاقتصادي تلك، ليست نزهة أو مهمة سهلة، وإنما مشقة وصبر وتضحية، وأنه دون هذا الدواء، فإننا نستمر في إضعاف أنفسنا وصولا إلى التوقف التام، وهو ما لم ولن نسمح به أبدا”.

هالة السعيد: الخطوات جريئة وانتهى عصر ترحيل المشكلات للأجيال المقبلة

وتسبب تراكم تلك المشكلات، في تكبد البلاد فاتورة غير مسبوقة لخدمة أعباء الدين، وكان تجاوز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي مستوى يفوق 98 بالمئة دليلا على هذا التشوه، لدرجة أدت إلى ارتفاع نسبة فوائد تلك الديون المتراكمة إلى 45.7 بالمئة من حجم الموازنة.

وسجل هذا العبء نحو 48 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، بعد أن بلغ إجمالي الدين العام الداخلي والخارجي نحو 273 مليار دولار.

ووسط هذا الخلل، لامست معدلات التضخم مستويات تاريخية جديدة عند 20.2 بالمئة، خلال شهـر نوفمبر الماضي، بسبب تحرير سعر الصرف، وقد تطرق خطاب السيسي إلى تلك النقطة.

وأكد السيسي على أنه طلب من الحكومة العمل على توفير السلع الغذائية الأساسية بأسعار مناسبة في الأسواق، والحفاظ على مخزون استراتيجي منها لستة أشهر على الأقل، لاحتواء تبعات غلاء الأسعار على الفئات الأكثر احتياجا.

وأرجع التكلفة الباهظة للأوضاع الاقتصادية الحالية إلى عدم الإقدام على أي خطوات إصلاحية خلال السنوات الست الماضية، وهو “ما ندفع فاتورته الآن”، وذلك في إشارة إلى ارتفاع كتلة الأجور وحدها، خلال السنوات الماضية، من 9 مليارات دولار إلى 26 مليار دولار، في حين لم تكن هناك موارد لتغطية هذا الفارق.

وقالت هالة السعيد، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسة في القاهرة، إن “هذه الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها البلاد قضت على مبدأ ترحيل المشكلات الاقتصادية للأجيال المقبلة”.

وأوضحت في تصريح لـ”العرب” أن الحكومات المتعاقبة قامت بدراسة مختلف التجارب العالمية، وطوعتها بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري.

وتسبب التباطؤ الاقتصادي في تراجع مؤشرات الإنتاج الصناعي في البلاد بنسبة 2.9 بالمئة، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ما رفع فاتورة الاستيراد إلى نحو 38 مليار دولار، منها 6.7 مليار دولار للغذاء والحاصلات الزراعية.

وسجل العجز في الميزان التجاري حوالي 46.27 مليار دولار، بسبب تراجع الصادرات، وفقدان العديد من الأسواق الخارجية، نتيجة المشكلات التي تواجه المصانع داخليا.

ودعت أمنية حلمي، رئيسة مركز البحوث والدراسات المالية والاقتصادية في جامعة القاهرة، إلى ضرورة التوسع في برامج حماية الفئات غير القادرة، لمواجهة أعباء عمليات الإصلاح.

وقدرت حلمي في حديثها لـ”العرب” نسبة التخفيض في معدلات الدخل بسبب تحرير سعر الصرف بنحو 60 بالمئة، ما يستلزم ضرورة وجود حائط حمائي قوي للمواطنين.

11