السيسي يروج لمفهومه الخاص للحريات السياسية

التحرك لإقرار سياسة خاصة لحقوق الإنسان في مصر يؤكد تصميم القاهرة على رفض أي ضغوط خارجية لتغيير وجهة نظر النظام تجاه الحقوق والحريات المدنية.
الأحد 2021/09/12
حسن النوايا لا يكفي

أطلق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السبت أول استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان والتي تتضمن المحاور الرئيسية للمفهوم الشامل لحقوق الإنسان، وذلك بالتكامل مع المسار التنموي والاقتصادي الذي تروج له الحكومة. وعلى الرغم من أهميتها لتحسين صورة القاهرة التي تتعرض لانتقادات دولية في المجال الحقوقي، تبقى الخطوة غير كافية في حال استمر غض النظر عن الحريات السياسية في البلاد.

القاهرة- أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السبت اعتبار العام المقبل عاما للمجتمع المدني في محاولة للتأكيد على أنه معني بتعزيز التعاون مع المنظمات الحقوقية والتعاطي مع حقوق الإنسان كمشروع توليه الدولة رعاية خاصة، وفقا لمفهومه الخاص للحريات السياسية.

وبدت “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان” التي أطلقتها الحكومة المصرية السبت بعيدة عن وجهة النظر الغربية التي تختزل القضية في الحريات السياسية والكف عن مطاردة الناشطين المعارضين بعدما تم وضعها في إطار تنموي واجتماعي.

وأظهرت الخطة وأسلوب عرض بنودها أمام الرأي العام أن الحكومة المصرية لديها مفاهيم خاصة عن حقوق الإنسان مغايرة لما تطرحه الحكومات الغربية والمنظمات الأجنبية، وأنها تمنح أولوية كبيرة لحق السكن والتعليم والصحة والتكافل الاجتماعي.

وأوحت الحكومة بأنها تريد فرض أمر واقع بشأن ملف حقوق الإنسان ينطلق من خصوصية الحالة المصرية التي تختلف عن مثيلاتها في الدول الغربية بحكم ما تعانيه الدولة من تحديات أمنية وسياسية وتهديدات التيارات المتطرفة التي تفرض على الحكومة تقييد الحريات لتضييق مجال الحركة على المتشددين.

نجاح البرعي: خطوة السيسي جادة، لكن في حاجة إلى التفعيل على الأرض

وتتمسك القاهرة بتبرير مواقفها المرتبطة بالتضييق على الحريات بالتحديات التي تواجهها وأن المعايير الغربية تختلف عن نظيرتها المصرية ويصعب أن تكون حقوق الإنسان مقدمة على تكريس الاستقرار لعدم الوقوع في فخ الحريات غير المنضبطة.

وقال السيسي خلال إطلاق استراتيجيته إن ثقافة التنظير (أي إملاء المطالب على الحكومة من المعارضين) لا يتوافق مع واقع الدولة، وهذا الأسلوب قاد إلى تدمير بعض الدول، “وهؤلاء المنظرون اعتقدوا أن التخريب سيؤدي إلى الأفضل، وهنا يكون التضييق النسبي مطلوبا”.

وذكّر بتجارب دول تعرضت للدمار وأصبح سكانها يعيشون في المخيمات لفتح الباب أمام التنظير وأصحاب الصوت العالي حتى عمّ التطرف والإرهاب.

وترى دوائر مصرية أن التذكير بمخاطر إطلاق العنان للحريات السياسية يعكس أن الحكومة تتحرك للتعامل مع حقوق الإنسان بمفاهيمها الاجتماعية والاقتصادية، مثل التركيز على الصحة والتعليم والسكن وتحسين الظروف للطبقات الفقيرة، وإن كانت تعهدت، على استحياء، بتعزيز الحقوق السياسية أيضا.

وتستثمر القاهرة في عدم اكتراث بعض الدوائر الغربية بحقوق الإنسان على وقع التحديات الإقليمية والدولية لتمرير رؤيتها حول مفاهيم الحريات بشكل عام، باعتبار أن هناك ملفات وقضايا أكثر أهمية من رهن العلاقات بين الدول على مدى احترامها لحقوق الإنسان والمجتمع المدني.

وبدا لافتا أن الخطة التي أطلقتها الحكومة لم تتطرق إلى وضع حد لمطاردة الناشطين وفتح المجال العام وحل إشكالية الحبس الاحتياطي، حتى أن الإعلامي إبراهيم عيسى عندما تطرق إلى هذه القضايا ولم يعلق عليها السيسي الذي فضل التطرق إلى ما يسمى بـ”مخاطر الحريات غير المنضبطة”.

وقال الرئيس المصري موجها كلامه لمنتقدي حقوق الإنسان “لماذا تريدون الوصول بحقوق الإنسان إلى الحد الأقصى ولا تهتمون بسعي الحكومة لتوفير مطالب الناس بالحد الأقصى، هل تدركون حجم التحديات في بلدنا ومدى تأثيرها على النمو الحضاري”.

وأظهر التركيز على أن تحرك الحكومة لإقرار سياسة خاصة لحقوق الإنسان قرار مصري خالص، وأن هناك تصميما على رفض أيّ ضغوط خارجية لتغيير وجهة نظر النظام تجاه الحقوق والحريات المدنية.

ويرى معارضون أن ترويج الحكومة لكون الإنجازات التنموية جزء من حقوق الإنسان يقود إلى بقاء الأوضاع دون تغيير على مستوى الحريات السياسية، لأن استمرار التعاطي مع الملف من منظور أمني لن يحقق الأهداف مهما حسنت النوايا.

ولا يهتم البسطاء في مصر بوجود حريات سياسية من عدمه، وهي الشريحة التي يعوّل عليها السيسي لتمرير الاستراتيجية الخاصة بحقوق الإنسان، ويدرك أن هذه الفئة تريد فقط تحسين ظروفها المعيشية، وإرضاء هؤلاء يضمن له تحصين الجبهة الداخلية وحينها لا يعنيه كثيرا تحفظ الدوائر الغربية.

وأشارت الاستراتيجية الجديدة (القديمة) إلى الحق في النقد والتجمهر والاعتراض، لكن المعضلة ترتبط بآلية التنفيذ على الأرض لأن العقلية الحالية ترفض الخروج عن النص، ولا تزال هناك قوانين تحظر كل ما من شأنه أن يندرج تحت بند تهديد السلم المجتمعي والتظاهر والعمل لصالح تيارات إسلامية متشددة.

البسطاء في مصر لا يهتمون بوجود حريات سياسية من عدمه، وهي الشريحة التي يعوّل عليها السيسي لتمرير الاستراتيجية الخاصة بحقوق الإنسان
البسطاء في مصر لا يهتمون بوجود حريات سياسية من عدمه، وهي الشريحة التي يعوّل عليها السيسي لتمرير الاستراتيجية الخاصة بحقوق الإنسان

ويرى متخصصون في المجال الحقوقي أن فتح قنوات الاتصال بين المنظمات الأهلية والحكومة دون شروط الميزة الأهم في استراتيجية حقوق الإنسان، لكن تفعيل المعايير التي تكرّس الحريات وتضمن فتح المجال العام في حاجة إلى تشريعات تحجم القيود.

وتصطدم هذه الرؤية بوجود قناعة لدى الأغلبية البرلمانية التي تتناغم مع الحكومة، بأن إطلاق العنان للحريات السياسية يهدد الأمن ويسمح بتسلل عناصر مناوئة تقوم بأدوار مشبوهة جاهدت الحكومة للقضاء عليها.

ويشير ناشطون في مجال حقوق الإنسان إلى أن استمرار التوسع في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب وشمولها لمعارضين سياسيين وكتّاب من خلال عدم محاكمتهم فترات طويلة وتطبيق عقوبة الحبس الاحتياطي سببا رئيسيا في صدور انتقادات دورية من دول غربية ضد الحكومة، وهي الإشكالية التي لم تعالج جيدا.

وقال نجاح البرعي الحقوقي البارز وأحد المشاركين في وضع بنود الاستراتيجية الجديدة “إنها خطوة جادة لكن في حاجة إلى التفعيل على الأرض، ومعيار الحكم عليها أن يتم فتح المجال أمام المنظمات الأهلية والحقوقية بعيدا عن أيّ قيود لأن استمرار المطاردات لناشطين يتعارض مع النوايا الإيجابية التي تروّج لها الحكومة”.

وأضاف لـ”العرب” أن هناك أنشطة ما زالت سببا في الخلاف بين المنظمات الأهلية والحكومة مثل ممارسة العمل السياسي ودعم قضايا مرتبطة بالحريات عموما، في حين ترغب دوائر رسمية أن تكون هذه التحركات بحسابات دقيقة وبناء على معايير بعينها، “لكن في المجمل هناك نية حسنة للتقارب بين الطرفين”.

ويأخذ معارضون على الحكومة تجاهلها بعد التعهد صراحة بوقف استهداف شخصيات مختلفة معها على أساس وطني، وتقييد التعرض لأصحاب الرأي والتعبير، لأن ذلك ينسف أيّ تقدم يمكن أن يحدث في هذا الملف، فلا يمكن اختزل الحقوق في تحسين مستوى المعيشة لفئات بعينها.

القاهرة تستثمر في عدم اكتراث بعض الدوائر الغربية بحقوق الإنسان على وقع التحديات الإقليمية والدولية لتمرير رؤيتها حول مفاهيم الحريات بشكل عام

وعلى الحكومة أن تدرك أهمية عدم ربط الإنجازات التنموية بتحسن الأوضاع الحقوقية لأن الاقتناع بهذه الرؤية يجعلها تكتفي بالحقوق الاجتماعية، وهذا لن يكفي لبناء دولة عصرية تتأسس على توسيع مفاهيم الحريات لتشمل المجالات السياسية والإعلامية والثقافية والفكرية وتداول المعلومات وغيرها.

ومهما كانت نوايا الحكومة طيبة فتنفيذ أيّ استراتيجية تكرس حقوق الإنسان في مصر يفترض أن تنطلق من تقييد دور الأمن في القضايا السياسية وعدم حصر عمل المنظمات الأهلية والناشطين والحقوقيين في خانة المتآمرين والمشتبه بهم دوما.

2