السيطرة الأميركية على نفط سوريا تهدد المصالح الروسية

النجاحات العسكرية الروسية اصطدمت مؤخرا بقرار البنتاغون تعزيز الوجود العسكري الأميركي شرق الفرات.
الأحد 2019/11/17
مكاسب عسكرية جديدة

بدأت روسيا خطوة عملية لتدشين ثالث قاعدة لها في سوريا، في مطار القامشلي، شمال شرقي البلاد؛ ونقلت مروحيات ونشرت منظومة صاروخية، مع وجود معطيات عن حوارات حول استئجار المطار لمدة 49 عاما.

في الوقت نفسه، أنشأت الولايات المتحدة قاعدتين عسكريتين، في القحطانية شرق القامشلي، والتي تضم حقولا نفطية، وفي قرية حيمو غرب القامشلي، لتضافا إلى  قواعدها الخمس المتواجدة في محافظة الحسكة.

نجحت روسيا في تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية في سوريا؛ حيث مكنت حكومة دمشق من السيطرة على أكثر من ثلثي الأراضي السورية، عبر عقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع تركيا، تمكنت من حصر نفوذها في بعض المناطق الاستراتيجية على الحدود، وهي عفرين وجرابلس والباب، ومؤخرا في الجيب الممتد من تل أبيض إلى رأس العين بعمق 32 كيلومترا من الحدود التركية، عبر مذكرة تفاهم سوتشي الموقعة منذ ثلاثة أسابيع، والتي شرّعت عملية “نبع السلام” التركية، وسمحت بنشر حرس الحدود السوري في المناطق غير المشمولة بالسيطرة التركية، وأجازت تسيير دوريات روسية تركية بعمق 10 كيلومترات، وإبعاد الوحدات الكردية إلى عمق 30 كيلومترا بعيدا عن الحدود.

فيما تسعى السياسة الروسية للتوسط بمفاوضات بين وحدات الحماية الكردية والحكومة التركية لتخفيف التوتر؛ وعلى صعيد آخر بين قوات سوريا الديمقراطية الكردية- العربية وبين حكومة دمشق، تمكنت من خلاله من عقد اتفاق بين الطرفين سمح بنشر جيش النظام وأمنه وشرطته ورفع العلم السوري الرسمي في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وفي منبج وعين العرب/ كوباني، وبعودة الخدمات ورموز الدولة، وتأجيل التفاوض السياسي حول مستقبل الإدارة الذاتية.

وهذا النجاح الروسي في تغيير خرائط النفوذ على كامل الأرض السورية، توازيه مساعٍ سياسية لفرض الحل السوري وفق الرؤية الروسية، بتشريع بقاء النظام، عبر مسار اللجنة الدستورية، الذي انطلق في جنيف بعد مخاض عسير؛ وقد أعلنت موسكو نهاية العمليات العسكرية في سوريا، وأن الوقت قد حان للبدء بحل سياسي.

لكن كل هذه النجاحات الروسية اصطدمت مؤخرا، بقرار البنتاغون تعزيز الوجود العسكري الأميركي شرق الفرات، عبر إقامة قاعدتين عسكريتين جديدتين وإرسال قوات وآليات قرب منشآت النفط، بحجة حمايتها من عودة سيطرة تنظيم داعش؛ الأمر الذي يحرم روسيا الطامعة في جني ثمار تدخلها العسكري في سوريا، وحكومة النظام السوري المأزوم اقتصاديا، من الاستفادة من ثروات شرق الفرات، التي تضم 90 بالمئة من النفط، ونصف الغاز السوريين.

أخطأت روسيا في أنها لم تدخل في مفاوضات جدية مع الولايات المتحدة، حول الانسحاب الأميركي من سوريا، ربما بالمقايضة بملفات خارج سوريا تهمّ الولايات المتحدة، ومنها تحجيم النفوذ الإيراني، والملف الأوكراني، والتوقف عن تقديم الدعم العسكري لتركيا وانتزاعها من حضن الناتو.

بل وضعت روسيا كل رهاناتها على انسحاب أميركي مجاني، سيتم مع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالإيفاء بوعوده الانتخابية بتقليص حجم الجيش الأميركي في الشرق الأوسط، خاصة أنه على أبواب انتخابات رئاسية جديدة.

منافس شديد
منافس شديد

الحقيقة أن التواجد العددي للجنود الأميركيين قبل قرار الانسحاب الأخير منتصف الشهر الماضي، لا يتجاوز الألف جندي أميركي، فيما من المخطط له الإبقاء على قرابة 600 جندي فقط حول حقول النفط والغاز، خاصة في دير الزور، وفي الحسكة والدرباسية، وبقاء 150 جنديا في قاعدة التنف على المثلث الحدودي مع الأردن والعراق.

وبالتالي الوجود العسكري الأميركي رمزي من حيث عدد الجنود، لكنه محمي باستمرار السيطرة الجوية الأميركية، وباستمرار دعم حلفائها المحليين من قوات سوريا الديمقراطية؛ وفي الوقت نفسه يتعرض هذا التواجد الأميركي لنقاشات جادة حول شرعيته، داخل دوائر القرار الأميركي.

ويبدو أن قرار البقاء الأميركي الأخير يتعلق بعدة نقاط:

أولا؛ امتصاص حدة قرارات الرئيس ترامب الاستعراضية أمام ناخبيه، وحجة حماية النفط السوري، هي مبرر له للتراجع عن قراره مجددا.

وثانيا؛ أن سيطرة واشنطن على حقول النفط والغاز تشكل ورقة ضغط قوية على روسيا وحكومة الأسد، تمنعهما من الاستفادة من الثروات السورية، والبدء بالاستثمارات الروسية، وبإعادة الإعمار.

وثالثا؛ هذا الإجراء سيمكن واشنطن من عرقلة المساعي الروسية لفرض رؤيتها على الحل السوري، والذي يشكل مستقبل الإدارة الذاتية شرق الفرات جزءا مهما منه.

ورابعا؛ الحماية الجوية التي يفرضها التحالف بقيادة الولايات المتحدة على منطقة الجزيرة السورية تحرم قوات النظام، من محاولة السيطرة عسكريا على حقول النفط والاصطدام مع الأكراد؛ وقد خبرت روسيا ذلك مطلع العام الماضي، بمحاولة قوات النظام وجيش فاغنر الروسي تجاوز نهر الفرات، وقتل المئات من العناصر بقصف مركز من الطائرات الأميركية.

 وخامسا؛ إعطاء واشنطن انطباعا بأنها لم تخن الأكراد، لذلك سيرت دوريات عسكرية شرق القامشلي، المدينة المركزية للأكراد، فيما سيرت روسيا وتركيا دوريات في الدرباسية غرب القامشلي. ويبدو أن واشنطن ما زالت ترغب في دعم التطلعات الكردية باستمرار الإدارة الذاتية وإيجاد صيغة لذلك ضمن سوريا موحدة.

سادسا؛ ولعلها النقطة الأهم، فإن منطقة شرق سوريا تعتبر منطقة استراتيجية على مستوى العالم والمنطقة، باعتبارها تصل تركيا بالعالم العربي، وتصل إقليم كردستان العراق الغني بالنفط، وكذلك إيران بالغرب، وبالتالي من المحتمل أن تشكل مستقبلا عقدة طرق للتحكم بتمرير النفط والغاز إلى  أوروبا خصوصا، بعيدا عن الساحل السوري، وواشنطن لا تريد فقدان هذه الورقة.

قد تصعّد روسيا من تصريحاتها الدبلوماسية حول عدم شرعية التواجد الأميركي في سوريا، وقد تلجأ إلى  تدعيم تواجدها العسكري بتطوير قاعدة لها في القامشلي، لكنها لن تنزلق في عمل عسكري شرق الفرات يستفز واشنطن، وغير مضمون العواقب، وقد يقلب الطاولة على رأسها.

5