السيطرة السياسية على أطفال مصر

الاثنين 2013/09/30

جيلي لم يعرف السياسة إلا خلال سنوات الجامعة، باستثناء فئة قليلة خبرتها قبل ذلك، بحكم البيئة أو التنشئة في أسرة تعمل بها أو تتعاطاها لأسباب مختلفة. لكن الآن في مصر جيل بدأ يتعرف عليها منذ نعومة أظافره.

ففي أقل من ثلاثة أعوام جرى التخلص من رئيسين للبلاد، وانتشرت المظاهرات والاعتصامات في أماكن متفرقة، وفي كل بيت تقريبا عضو ناشط في إحدى الجماعات والحركات، أو فاعل في أحد القوى السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وأصبحت متابعة الهموم والتطورات والاستمتاع بالندوات والمؤتمرات خبزا يوميا، عند الكبار والصغار، لأنها تلامس الكثير من تفاصيل حياتهم، وتتحكم في خروجهم ورواحهم، بعد استمرار المظاهرات، وفرض حظر التجوال لفترات من اليوم.

اللافت للنظر أن المسألة بدأت تتحول عند الأطفال، وذويهم بالطبع، إلى حرب بين فريقين، أحدهما ينحاز إلى عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، الذي دعم الخروج الشعبي الكبير لعزل الرئيس محمد مرسي.

وهو (السيسي) في نظر مؤيديه ومحبيه والمعجبين به بطل قومي لا يشق له غبار، أنقذ البلاد من استبداد الإخوان المسلمين، وأوقف نزيف الأخطاء التي كادت أن تدخل مصر نفقا مظلما، وأن مرسي خائن وعميل ولم تهمه مصلحة البلاد.

والفريق الآخر، يرى العكس، فما حدث يوم 30 يونيو وما تلاه من تطورات، هو بمثابة «إنقلاب عسكري» على الرئيس المنتخب، ودسيسة قادها فلول الحزب الوطني المنحل، وصدام انتصر فيه مؤقتا «الكفار» على المسلمين، وأن مرسي سوف يعود مرة أخرى للحكم، وأن ربنا وعد أنصاره «المؤمنين» بذلك، وتحولت أعمال العنف والإرهاب التي قام بها الإخوان، في نظر هذا الفريق، إلى مؤامرة تدبرها أجهزة الأمن لاتهام الجماعة بارتكابها. وما إلى ذلك من تبريرات وتفسيرات تجعلهم أتقياء وأنقياء، وخصومهم مجرمين وأشرار.

كنت أتصور أن هذه القناعات تكونت بفعل الواقع وملابساته وتشابكاته، وأن كل فريق يتصرف وفقا لما تكون لديه من خبرة أو حصده من تجربة، وما غرسه الكبار في عقول وقلوب الصغار، وأن عملية التأثير والتغيير تقتصر على ما تقوم به وسائل الإعلام، خاصة في برامج «التوك شو» الليلية، التي تنهمك فيها أغلب الفضائيات، وما تقوم به قناة الجزيرة وعدد من شقيقاتها العربيات من محاولات مضنية للتزييف، أملا في جذب تعاطف، طال غيابه، مع الإخوان.

لكن التعمق في قواعد المجتمع المصري، كشف حقيقة أخرى، تتمثل في الممارسات التي تقوم بها الجماعة وأنصارها ومؤيدوها، وتسعى بجدية وإتقان إلى غسيل مخ الأطفال، في الحضانة والمدرسة الابتدائية.

ففي المرحلة الأولى (الحضانة) تحاول فئة من المدرسات إقناع الأطفال، بعكس ما يجري من أمور، وقلب الحقائق بصورة مريبة، تحمل دلالات سياسية عميقة.

فالدكتور محمد مرسي، حاشا لله، مؤيد من الله ورسوله الكريم والملائكة الأبرار، ومن يدعمونه فقط «المسلمون»، في حين يصورون للأطفال أن السيسي «شيطان رجيم» وكل مؤيديه، والعياذ بالله، من «الكفار والملحدين». ولدعم رواياتهم الكاذبة، يطبقون منهج الثواب والعقاب. من يحب مرسى سيأخذ «بونبون وسوف يدخل الجنة»، ومن يحب السيسي سيحرم من «البونبون وسوف يدخل النار».

لم أتصور أن الموضوع بدأ يأخذ شكلا منظما، إلا عندما تأكدت من بعض أقربائي، أنهم يعانون مشكلة كبيرة مع أولادهم وبناتهم في بعض الحضانات، وفشلوا في السيطرة على ما وصفوه بـ «السموم» التي تبث في عقولهم دون إرادتهم.

ثم تيقنت أن الموضوع أشد خطورة، عندما جاءتنى إحدى قريباتي شاكية من خطورة ما تعرضت له طفلتها التلميذة في الصف الخامس الابتدائي على يدي مدرسة اللغة العربية، حيث انهمرت الطفلة فجأة في وجه أمها، واتهمتها بالكذب هي وأباها، لأنهما أفهماها أن مرسي رئيس فاشل، والسيسي أنقذ البلاد، بينما المدرسة أخبرتها بعكس ذلك تماما.

هنا وجدت الأم نفسها أمام مشكلة دقيقة، وحاولت تصحيح الصورة لها، مؤكدة لطفلتها بأغلظ الأيمان أن كل ما قالته المعلمة كذب ومخالف للحقيقة التي تعلمها.

المهم أن الواقعتين السابقتين، وجدت أنهما تكررتا مع أشخاص آخرين، وكشفتا لي أن هناك مشكلة خطيرة على الأطفال في مصر، قد يجهل كثيرون أبعادها في الوقت الراهن، لأن تأثيراتها فادحة في المستقبل.

فإذا كانت وزارة التربية والتعليم نجحت في تنقيح المناهج من الأفكار المغلوطة التي وضعتها جماعة الإخوان، أثناء وجودها في الحكم، وفرضت قيودا تربوية على المعلمين والمعلمات في المدارس، إلا أنها لم ولن تستطيع التحكم في هؤلاء خارج جدران المدرسة.

فالسلوك الممنهج الذي يقوم به أتباع الجماعة يتم في أغلبه أثناء حصص الدروس الخصوصية. كما أن هناك عددا كبيرا من المدارس الخاصة يملكها أناس منتمون أو محسوبون عليها، بالتالي من السهولة دس «سموم» الإخوان وسط المناهج الدراسية.

ناهيك عن وجود أعداد غفيرة من المدرسين والمدرسات لهم علاقة مباشرة بالإخوان (إنتماء، تعاطف، تأييد، غضب من التيارات الأخرى)، بدليل تمكن الجماعة من السيطرة على نقابة المعلمين في آخر انتخابات جرت قبل حوالي عامين.

الحاصل أن هذا التوجه يبين وجود تطور في طريقة التجنيد التقليدية، التي كانت تتبعها جماعة الإخوان على مدار العقود الماضية، حيث كرست جهدها على بدء هذه العملية في السنة الأخيرة تقريبا من المرحلة الثانوية، والسنة الأولى من المرحلة الجامعية، واحتلت الأخيرة اهتماما كبيرا، لأنها بداية نقلة ذهنية في حياة الطالب والطالبة، يمكن أن يتقبل فيها الأفكار الجديدة، على سبيل الاعتماد على النفس والاستقلالية، وتأخذ شعارات براقة، تدغدغ مشاعر المستهدفين، لأنها تعزف على وتر الدين بضراوة.

وهذا التطور المنهجي، جاء وليد الظروف الحالية التي تعيش فيها الجماعة أصعب محنة واجهتها منذ نشأتها. فالطريقة السابقة في التجنيد لن تنجح بدرجة كافية، في ظل تزايد المصدات الإعلامية، ونضج قطاع كبير من التلاميذ ومعرفتهم ما جرى في مصر عن كثب، فمعظمهم عاش بنفسه التجربة المرة والفاشلة للإخوان في الحكم، ويستطيع أن يحكم عليها دون تدخلات أو تأثيرات من أحد، فقد كانت الشريحة العمرية في أواخر الثانوية وبداية المرحلة الجامعية نواة ووقودا في الثورتين المصريتين (25 يناير 2011، و30 يونيو 2013).

المشكلة أن الاتجاه الجديد للإخوان، ربما يجد رواجا في حالتين. الأولى، غياب الرقابة والمتابعة الأسرية، لأن الأطفال والتلاميذ والتلميذات في الفئة العمرية الصغيرة، يمكن أن يتقبلوا بسهولة الأفكار التي تقدم لهم، إذا كانت مرفقة بالثواب والعقاب، المادي والمعنوي.

والثانية، عدم وجود جهات مقابلة، معلمون ومعلمات، تتولى تقديم المعلومات الحقيقية عن الواقع بطريقة شيقة، بحيث تدحض أي افتراءات يقدمها أنصار الإخوان.

________


* كاتب مصري

9