السيطرة على الأبناء محاولة لتقويم سلوكهم أم تلبية لتوقعات المجتمع

الأطفال الذين ينشأون لآباء موثوقين على الأغلب سيصبحون بالغين يتصرفون بمسؤولية ويشعرون بثقة أكبر للتعبير عن آرائهم وأكثر حكمة في اتخاذ القرارات وتقييم المواقف.
الجمعة 2019/11/08
الثواب والمكافآت يعززان سلوك الأبناء

تتحدد مسؤولية الآباء والأمهات في العموم بمحاولة فرض السيطرة على الأبناء، ليست سيطرة بمعناها المباشر المتسلط بل الرغبة في تحديد مسار معين قدر الإمكان لتقنين سلوكهم والحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية، ولمساعدتهم على الاندماج في المجتمع والتكيف مع قوانين الحياة ومسارات الحياة اليومية.

 على الرغم من أن بعض أساليب التوجيه التي يتبناها الآباء تتخذ صيغة الأمر واجب الطاعة مثل: لا تفعل هذا الأمر، لا تشاكس، أكتب واجبك المدرسي ولا تتأخر عن حدود الساعة السابعة مساء، فإن الظاهر يبدو وكأنّ هناك على الدوام أشياء وأفعالا يريد الأبناء القيام بها، وهناك في المقابل إجراءات يحاول الآباء من خلالها إيقاف هذه الأفعال أو تحجيمها.

على مدى عقود من الأبحاث النفسية والاجتماعية، فإن أغلب الآباء والمربين يحاولون بشكل أو بآخر فرض سيطرتهم على أبنائهم، إلا أن لكل منهم طريقته أو الأنماط التي يتبناها سواء أكانت تربوية أو غير ذلك، وسواء أكانت مقنعة لمجتمع البحث النفسي أم مجرد تجارب تحتمل الخطأ والمحاولة، كما تختلف أهدافها بين محاولة تلبية احتياجات الطفل ودعم تطوره المعرفي إلى محاولة التحكم في سلوكه فقط لتلبية احتياجات وتوقعات الآخرين.

ويعرض متخصصون أربعة أنماط من الآباء في ما يتعلق بضبط سلوك الطفل وهي: الآباء الاستبداديون الذين يتمتعون بمستوى عال من التحكم ويعاقبون السلوك السيء لكنهم لا يقدمون الدعم العاطفي لأبنائهم ويكون محور اهتمامهم على وجوب طاعتهم في الوقت الذي لا يأخذون مشاعر الطفل بعين الاعتبار، بل لا يسمحون له بالانخراط في تحديات وتجربة اجتياز العقبات مهما كان مستوى خطورتها، وهم يعتقدون بأن الأبناء يجب عليهم اتباع القواعد من دون استثناء.

أما الآباء المتساهلون أو المتسامحون فهم الذين يظهرون دفء عال في مشاعرهم تجاه الأبناء ومع ذلك لا تتوافر عندهم القدرة على ضبط السلوك، في حين يخلق الآباء الموثوقون توازنا مقبولا بين استخدام سلطتهم الأبوية في ضبط سلوك الأبناء مع منحهم الدفء والمساندة العاطفية، حيث يعملون على وضع قواعد واضحة ويتابعون تطور السلوك، أما النمط الأخير فهم الآباء غير المشاركين الذين لا يتمتعون بقدر كاف من السيطرة والتحكم بسلوك أبنائهم، إضافة إلى عدم قدرتهم على إظهار الدعم العاطفي لهم متى ما كانوا بحاجة إلى ذلك.

وتؤكد الدكتورة نانسي دارلينج؛ أستاذة علم النفس في كلية أوبرلين الأميركية وباحثة في مجال العلاقات الأسرية، على أن عقوداً من الأبحاث أظهرت بأن الأطفال الذين يصفون والديهم بالحزم والتحكم، إضافة إلى إحاطتهم بمشاعر الحب وتوفير الأمان العاطفي، هم الذين يحققون نتائج دراسية أفضل، أقل عرضة للمشاكل يتمتعون بالاتزان النفسي، علاقات ناجحة مع الأصدقاء، وبالتالي يبدون أكثر سعادة في حياتهم. في حين يحصل الأطفال لآباء مستبدين ومتحكمين، على فرص وتجارب حياتية أفضل في العموم من أقرانهم الذين ينتمون إلى آباء غير مبالين ومتساهلين للغاية ولا يستخدمون الحزم للسيطرة على سلوك أبنائهم، ويتضح هذا بصورة جلية في الإنجاز الأكاديمي. لكن الاستبداد كطريقة متبعة في التربية قد ينتج أطفالاً كذابين يلجؤون إلى إخفاء الحقيقة خوفاً من العقاب، ويكونون عرضة لمشكلات تتعلق باحترام الذات، وربما تدني الثقة بالنفس والعدوانية الموجهة للمجتمع.

منح ثقة أكبر للطفل
منح ثقة أكبر للطفل

ومن جانب آخر، من المرجّح أن يعاني الأطفال الذين يكونون تحت وصاية آباء متساهلين، من بعض المشاكل الصغيرة مثل التسيّب والتسكع ويخفقون في دراستهم، لكنهم لا يميلون مثلاً إلى ارتكاب مخالفات سلوكية كبيرة مثل الانخراط في تعاطي المخدرات.

ومن المثير للاهتمام، أن الآباء الذين ينجحون في تحقيق التوازن بين تعديل سلوك الأبناء بما يتوافق ومصلحة الطفل، إضافة إلى تلبية توقعات الآخرين في محيطهم الاجتماعي، يقدّمون خدمة مضاعفة لمجتمعهم وأبنائهم على حد سواء، فهم يبذلون جهداً كبيرا للحفاظ على علاقة إيجابية مع الطفل ويضعون رأيه بعين الاعتبار.
ولأن الآباء في أغلب هذه الأنماط لا يكونون على قدم المساواة في التعبير عن مقارباتهم في ما يتعلق بطريقة التربية المتبعة، فإن المتسلطين منهم على سبيل المثال غير استبداديين بالضرورة، لكنهم يمكن أن يحققوا أعلى مستويات التحكم، كما يميل الموثوقون منهم إلى أن يكونوا أكثر اتساقاً في وضع القواعد والحرص على تطبيقها من قبل الأبناء، يستخدمون استراتيجيات إيجابية لتعزيز سلوك أبنائهم كالثواب والمكافآت بدلاً عن العقاب، إضافة إلى ذلك فإنهم قد يهددون وينذرون أكثر مما يفرضون ويطلبون الطاعة المطلقة.

أما الأطفال الذين ينشأون لآباء موثوقين فعلى الأغلب سيصبحون بالغين يتصرفون بمسؤولية ويشعرون بثقة أكبر للتعبير عن آرائهم وأكثر حكمة في اتخاذ القرارات وتقييم المواقف.

وفي الوقت الذي يقدم فيه بعض الآباء المتساهلين دفئأً عاطفياً ودعماً معنوياً لأبنائهم، فإنهم لا يميلون إلى فعل هذا باستمرار، وبدلاً عن ذلك يضعون إرشادات أكثر مرونة ثم يصابون بالإحباط والغضب عندما لا يتبع أطفالهم هذه القواعد والإرشادات، عوضاً عن أنهم لا يتدخلون إلا إذا كانت هناك مشكلة خطيرة فعلاً وغالباَ ما يكونون مستمعين جيدين لأبنائهم لكنهم يفشلون في تثبيط السلوك السيء ومعالجة الأخطاء، حتى تتراكم إلى أن يفقدوا السيطرة تماماً.

21