السيطرة على الخبر غاية واحدة لجميع الأطراف في ليبيا

أصبحت السيطرة على وسائل الإعلام وقصص الصحافيين إحدى أدوات الصراع في ليبيا، تسعى جميع الأطراف إلى التمكن منها، وضمان توجيهها لصالحها، مما جعل الحقائق غير واضحة والمحتوى الصحافي موضع شك لدى المواطن.
الاثنين 2016/05/23
صحافة مع وقف التنفيذ

طرابلس – يعاني الصحافيون الليبيون منذ خمس سنوات من عمليات تضييق متصاعدة وممنهجة، وطالتهم عمليات الاغتيال والخطف والتغييب القسري، مما أجبر الكثير منهم على ترك المهنة، فيما وجد آخرون ضالتهم في الصحافة المهاجرة، بينما خاض القليل منهم غمار المخاطرة واستمروا في العمل تحت التهديد، لكن المؤكد أن هذه الظروف فرضت نفسها على المحتوى الصحافي.

وبعد صدور التقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود” حول التصنيف العالمي لحرية الصحافة مطلع مايو 2016، الذي تذيلت فيه ليبيا قائمة التصنيف، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، منددة بالواقع المتردي للصحافة في ليبيا، وقال الصحافي محمد الرحيبي إن وسائل الإعلام الليبية في الداخل موجودة كعنوان فقط على ورق باهت، ولا تقوم بأي دور عدا نقل بيانات الجهات المسيطرة على الأرض دون أي تحليل وتفتقر للاحترافية، وإن العاملين فيها مجرد موظفين يتقاضون مرتبات إن وجدت.

لكن هذه الحقيقة لا تعدو أن تكون واحدة من مخلفات الواقع السياسي والأمني الليبي الذي يفرض على الصحافي أن يكون مجرد موظف في وسيلة إعلامية تسعى إلى تجنب التهديدات والمخاطر والاستمرار في الساحة الإعلامية.

ففي صيف عام 2014، غادرت أكثرية المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة والمكاتب التابعة لوسائل الإعلام الأجنبية ليبيا إذ أدت انتخابات يونيو من العام نفسه والتي شهدت تنافساً كبيراً إلى تجدد الاشتباكات بين الميليشيات المتصارعة. ولم يبق في البلد سوى القليل من المراسلين الأجانب. وأدى انخفاض التغطية الإعلامية الميدانية إلى خلق فراغ إعلامي، استغلته بعض الفصائل الساعية إلى احتواء التغطية المتبقية. وفي مقال لفاضل علي رضا كتبه للجنة حماية الصحافيين في تقرير “الاعتداءات على الصحافة”، أشار إلى أن الحقائق في ليبيا ما بعد الثورة باتت “مرتهنة سياسياً” نتيجة لتضارب روايات الفصائل المتصارعة.

وأضاف علي رضا قائلاً “لقد أسهم الاستقطاب الشديد للمشهد الإعلامي إلى جانب الدعوات إلى العنف عبر وسائل الإعلام واستقواء الميليشيات على الصحافيين في إضعاف الثقة في بعض ممن تبقى من الصحافيين الحقيقيين الذين يحاولون نقل الحقائق”.

ذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود” في أبريل من عام 2015، أن من بين آخر الصحافيات اللواتي تركن ليبيا سيرين العماري التي عملت مراسلة لقناة “فرانس 24” في طرابلس إلى حين مغادرتها في نوفمبر 2014، وذلك بسبب تلقيها تهديدات واستجواب سلطات طرابلس المتكرر لها بشأن التقارير التي تعدها.

الاستقطاب الشديد للمشهد الإعلامي ساهم في إضعاف الثقة بمن تبقى من الصحافيين الذين يحاولون نقل الحقائق

يعتبر البعض من التحديات التي يواجهها الصحافيون في المشهد السياسي الليبي شديد الانقسام أمرا مألوفا بالنسبة إلى الكثير من مناطق النزاع حيث تعمل الجغرافيا والتحالفات في أغلب الأحيان على التحكم في إمكانية الاطلاع على القصص والتأثير على سلامة الصحافيين الشخصية. ولكن يبدو أن جميع الأطراف في ليبيا تدرك أهمية السيطرة على الخبر في الإعلام ومن ثم تميل إلى جعل المراسلين والمصورين جزءاً لا يتجزأ من الصراع من خلال صياغة الخبر والحث على اتخاذ إجراء في بعض الحالات.

وتمثل الصحافيات في الغالب رموزاً فعالة التأثير وبالتالي فإن تجربتهن تمر حتماً عبر طبقة إضافية من الصعوبة.

كثيراً ما يختزل الإعلام الغربي حالة عدم الاستقرار السياسي والعنف في ليبيا – كما يفعل في الكثير من بلدان ما بعد الربيع العربي- في كونها صراعاً بين جماعات علمانية وأخرى إسلامية. وبالرغم من أن الواقع أشد تعقيداً من ذلك بكثير، لا بد وأن يعلَق الإعلام في الكثير من الحالات في تقاطع النيران. ونتيجة لذلك، شعر العديد من الصحافيين وخاصة النساء أنهم مجبرون على تغطية أخبار الاضطراب السياسي في ليبيا من بلدان مجاورة كمصر وتونس أو – كما في حالة هبة الشيباني- من مالطا، وهي بلدان تُعتبر ملاذاً آمناً نسبياً في المنطقة، رغم أنه يمكن إدراج عدد لا بأس به من علامات الشك والتوضيح. وقال البعض ممن غادروا ليبيا هرباً إنهم توقفوا عن تغطية أخبارها بسبب الترهيب أو انعدام إمكانية الوصول المباشر إليها.

واليوم، نادراً ما تتفق الميليشيات المتصارعة والكيانات الحكومية المتنافسة على أي شيء عدا أهمية السيطرة على وسائل الإعلام، مما يرفع تماماً من مستوى الأخطار المحدقة بالصحافيين، أياً كان جنسهم أو انتماؤهم.

وقالت صحافية أجنبية تغطي أخبار ليبيا منذ انطلاق الثورة فيها، طلبت عدم ذكر اسمها لدواع أمنية، إن انتشار الجماعات المسلحة أدى إلى “معركة ضارية حول رواية الخبر” وأن تنوع الآراء في ليبيا أسهم في زيادة الاستقطاب حول تلك الروايات المتنافسة. وتقول صحافيات من ليبيا إنهن يتعرضن – إضافة إلى التهديد المادي – إلى النبذ الاجتماعي والتحرش الجنسي والهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنهن يتعرضن بشكل عام إلى التمييز.

وفي عام 2015 قُدّر عدد الجماعات المسلحة التي تنشط في ليبيا بنحو 1.700 بحسب خارطة تتبع الصراعات العالمية بمجلس العلاقات الخارجية، وهو عبارة عن مجموعة خبراء مستقلة. وهذه الجماعات على اختلاف توجهاتها تضع نصب عينيها السيطرة على القصة الإخبارية في مكان سيطرتها.

18