"السيكودراما" ضيف دائم على الشاشات العربية

أزمات الواقع تغري كتاب السيناريو بالمزيد من أعمال "السيكودراما"، والاستعانة بالخبراء النفسيين تقوّض حرية الأفكار.
الجمعة 2019/09/20
"قابيل" سجال في إظهار القدرات التمثيلية

تثبّت الأعمال الدرامية النفسية أقدامها على الساحة العربية، معتمدة على تعطّش المشاهدين لأعمال تكشف أغوار الصراع داخل النفس البشرية، تصل بهم في نهايتها إلى حالة من التطهير وتفريغ مشاعرهم وانفعالاتهم المكبوتة في موجات من التعاطف أو الاشمئزاز حيال شخصيات ومواقف ليست بعيدة عمّا يصادفونهم في حياتهم المعتادة.

 القاهرة – باتت مسلسلات “السيكودراما”، وهي الأعمال التي تركز على الأبعاد النفسية، ضيفة دائمة على الشاشات العربية على مدار الأعوام الخمسة الأخيرة، مع إقبال مستحدث من الممثلين وكتّاب السيناريو عليها، باعتبارها وسيلة تمكنهم من إبراز قدرتهم على تجسيد المعاناة، وتختبر نجاحهم في تحريك مشاعر الجمهور تجاه الشخصية التي يقدّمونها، بتحقيق التعاطف معها أو التنفير منها.

وقدّمت الدراما المصرية مؤخرا ثلاثة أعمال تجمع بين الصراع النفسي والغموض، ممثلة في مسلسل “قابيل” بطولة محمد ممدوح، و“قمر هادي” بطولة هاني سلامة، و“علامة استفهام” بطولة محمد رجب، نجحت جميعها في لفت انتباه الجمهور، لكنها أغفلت، في خضم تركيزها على المرض النفسي وملامحه، إبراز الدوافع المنطقية لسلوكيات أبطالها في بعض المواقف.

وتراهن هذه النوعية من الأعمال على جودة التجربة البصرية لخلق المزيد من العناصر المكمّلة للمشهد النفسي، مع توظيف جيّد لكاميرا التصوير وزيادة عناصر الغموض والتشويق، لكن لا يزال الكثير منها ينقصه تطوير المضمون، ما أدخل العديد منها ضمن قائمة “الأسلوب الجميل الذي ينقصه المحتوى الجيد”.

واعتمد مسلسل “قابيل” على خلطة جيدة من التشويق و“السيكودراما” معا مع قصة تدور عن ضابط شرطة اسمه طارق (محمد ممدوح) فَقَدَ زوجته، ويحقّق في جرائم غامضة أعقبت نشر سيدة صورة عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مذيّلة بجملة “انتظروا تصفيتي”، ليستمر في عمليات البحث التي تصل إلى درجة اتهامه بالتورّط في القضية قبل معرفة القاتل الذي يقف خلفها ويحمل اسما مستعارا “قابيل”.

ولعب المسلسل على ثلاثة أبطال أُصيبوا بأمراض نفسية، بين الضابط طارق المصاب بالشيزوفرانيا ويعاني هلاوس سمعية وبصرية ويتخيّل زوجته المتوفّاة، و“آدم” (محمد فراج) وهو طبيب نفسي يعاني من ميول سادية، توقّف عن إدمان المخدرات وتحوّل إلى قاتل بعد اكتشافه خيانة زوجته، وسما (أمينة خليل) فتاة مستهترة ومتمرّدة ومريضة نفسيّة كان يعالجها آدم قبل أن تتطوّع لمساعدته في جرائمه.

وجذب العمل المشاهدين حتى معرفة القاتل، ليتحوّل المسلسل من نفسي إلى حركي أكثر، لكنه في الكثير من المشاهد طغت عليه الفكرة الأميركية المتخيّلة عن الجرائم المتسلسلة، وضاعت بوصلة الوازع الرئيسي وراء الجرائم، فمن غير المنطقي أن يكون دافع قابيل للقتل وراءه خيانة زوجة ورغبته في الانتقام فقط، لأن قائمة ضحاياه كانت متنوّعة بين الجنسين ولم ترتبط بارتكابهم خطيئة الخيانة.

وعانى مسلسل “علامة استفهام” من إشكالية المبالغة إلى درجة أن العمل نُسف بالاعتماد على لعبة تبديل بين الشخصيات والأدوار بين الأبطال، ففجأة يصبح المريض النفسي الطبيب والعكس، ليتعرّض المشاهد إلى صدمة مع معرفة أن جميع الأحداث التي تابعها من وحي خيال مريض، وحبكته تناسب السينما أكثر من الدراما.

وعلى مدار 29 حلقة ظهر الفنان محمد رجب في دور “نوح الشوّاف” كرجل أعمال ومريض نفسي يحاول الهروب من ماضيه، وهيثم أحمد زكي في دور الطبيب “سامح” الذي يعالجه، قبل أن تأتي الحلقة الأخيرة، ليفاجأ أن المريض النفسي هو الطبيب سامح وجميع الحلقات السابقة كانت هلاوِسَ في عقله من إعطائه أدوية خاطئة من قبل نوح الذي يتّضح أنه طبيب تعمّد الانتقام منه بسبب ماضيه المشين.

مبالغات فنية

الدراما النفسيّة.. قدرات تمثيلية تضيع مع عدم منطقية الدوافع
الدراما النفسيّة.. قدرات تمثيلية تضيع مع عدم منطقية الدوافع

على عكس مسلسلي “قابيل” و“علامة استفهام” في إظهار الجانب النفسي لدى الشخصيات الرئيسية، جاء “قمر هادي” الذي دار عن رجل الأعمال “هشام أبوالمكارم” (هاني سلامة) الذي يتاجر في المخدرات ويتعرّض إلى حادث سيارة فيفقد ابنته ويجافي زوجته مريم (داليا مصطفى)، ثم يعاقر الخمر، فيصاب في حادث سيارة آخر يستيقظ منه ليجد ابنته حية وامرأة أخرى تدّعي أنها زوجته ميرال (يسرا اللوزي).

وأفرط كاتب السيناريو إسلام حافظ كثيرا في إظهار الهدف من وراء شخصياته وتوصيل رسالة “كما تدين تدان، ولو بعد حين” حتى اقترب من الجانب الوعظي المباشر، رغم كمية التشويق التي يتضمنها ولعبه على عنصر “السيكودراما” في تآمر أسرة هادي، ومن بينهم شقيقه وزوجته عليه، من أجل تعذيبه نفسيا.

وفي خضم التركيز على الهدف ضاعت بعض التفصيلات الهامة في الحوار التي ظلت محلّ تفكير من المشاهدين، فلم يظهر أسباب كره عائلة البطل له وتآمرها عليه، ومصير بعض الشخصيات التي شاركته في المكيدة، ودوافع البطل في قتل أحد أصدقائه، وعدم منطقية وضع كمية كبيرة من حكم الحياة على لسان طفلة صغيرة بما لا يناسب خبرتها ولا عمرها.

ويقول الناقد محمود قاسم لـ“العرب”، إن مؤلفي الأعمال الدرامية النفسية يجب أن تكون لديهم معرفة بعلم النفس والأدب معا، على عكس مؤلفي الأعمال الأخرى الذين نجحوا في تقديم تجارب مختلفة عن الدراما المعتادة.

ويعزو بعض النقاد موجة الكتابة النفسية إلى النجاح الكبير الذي حقّقته الفنانة نيللي كريم والكاتبة مريم نعوم في مسلسلي “تحت السيطرة” و“سقوط حر” في التعرّض إلى الجوانب النفسية للإدمان في الأوّل، وتداعيات
العلاقات غير المشروعة بين المحارم في الثاني.

الإفراط في الماضي

قدّمت الدراما المصرية العديد من الأعمال التي تحمل شقّا “نفسيا” واضحا يُعتبر قوام العمل الأساسي، مثل “فوق مستوى الشبهات” ليسرا و“30 يوم” لآسر ياسين، و“فوبيا” لخالد الصاوي، و“هي ودافنشي” لليلى علوي و“الخانكة” لغادة عبدالرازق.

ويقول الناقد محمود قاسم إن تناول المشكلات النفسية قديم، وارتبط بالسينما العربية، وأول من تناول أعراض الاعتلال النفسي كان الأديب إحسان عبدالقدوس في رواياته، مثل “بئر الحرمان” عن شخصية مزدوجة تعيش في النهار بطبيعتها وفي الليل فتاة لعوب و“أين عقلي؟” عن سيّدة يحاول زوجها الدفع بها نحو الجنون انتقاما من إقامتها علاقة مع آخر قبل زواجهما.

وأفرطت الأعمال الدرامية النفسية في الاعتماد على الاستدعاء من الماضي واستجلاب الذكريات، ما مثّل حيرة للمشاهد في التفريق بينهما، وأحيانا يكون الاستدعاء لمواقف ضعيفة لا تمثّل أهمية في السياق، ويمكن إغفالها دون التأثير في الأحداث، فلا طائل من تكرار لقطات الحب بين البطل والبطلة المتوفاة للتدليل على تأثره النفسي بغيابها.

ويشير السيناريست نادر صلاح الدين لـ“العرب”، إلى أن الأعمال الدرامية ليست أفلاما تسجيلية أو برامج وثائقية كي يتم فيها توصيف الأمراض بحذافيرها والاستعانة فيها بخبراء نفسيين، فالفن خيال يعتمد على قدرات الكاتب ومن يعاونونه في بعض النقاط ويجب أن يكون نابعا من رغبته لا مُجبرا عليه، والتقييم على الدوافع والحبكة.

ويضع الخبراء توجيهات عند تناول القضايا النفسية، أهمها تحاشي أماكن التصوير التي تثير الكآبة وخلق خيوط موازية في العمل بجانب شخصية البطل وعرضها كنماذج طبيعية تمارس حياتها بشكل طبيعي بجانب مرضها، كي لا يُصاب المريض النفسي والمشاهد بالإحباط والاكتئاب مع كثرة الأعمال التي تُعالجها.

ويثير بعض كتاب السيناريو جدلية حول الالتزام بالمعايير العلمية الدقيقة في الأعمال النفسية ويعتبرونها تضييقا على خيالهم على الكتابة، مستندين إلى أن الدراما الأميركية القائمة على الفانتازيا التي تكسر القواعد العلمية وتبتكر أخرى جديدة في عوالم افتراضية.

وتسعى الدراما النفسية إلى استخراج المشاعر الكامنة في النفس وتداعيات المشكلات الشخصية على وجوه البشر لتصبح لوحة فنية ملونة بالمشاعر العاطفية، وتمكّن مشاهدها من فهم مشاعرها ومشاعره.

الدراما المصرية قدّمت أعمالا تجمع بين الصراع النفسي والغموض، وهي “قابيل” و”قمر هادي” و”علامة استفهام” نجحت كلها في لفت انتباه الجمهور
الدراما المصرية قدّمت أعمالا تجمع بين الصراع النفسي والغموض، وهي “قابيل” و”قمر هادي” و”علامة استفهام” نجحت كلها في لفت انتباه الجمهور

 

16