السيناريو الأسوأ لغزة

الاثنين 2014/08/04

أي متابع عن قـرب لما يجـري في غـزة وحـولهـا بعد العــدوان الإسرائيلـي، سيـلاحظ بسهولـة أن الطرفين الرئيسيين في المعادلة الحـاليـة، تـل أبيب وحمـاس، لا يريدان للقتـال أن يتـوقـف، أو تعـود الأمور لما كانت عليه قبل بـدء العمليـات العسكريـة، كأن هناك اتفاقا ضمنيا على تغيير قواعد اللعبة القديمة، التي تقوم على، حرب كل عامين أو ثلاثة تحقق فيها إسرائيل أهدافها المادية، وتربح حماس حزمة من المكاسب المعنوية، ويعود الطرفان إلى لعبة القط والفأر.

هذه المعادلة تبدو استنفذت أغراضها، فلا إسرائيل تمكنت من القضاء على قوة حماس المسلحة، ولا حصرتها في الحدود السياسية المرضية، ولا حماس تضمن أن يستمر وجودها ومرحها في غزة كما كان، ولا حتى المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، سوف يكون قادرا على تحمل الأعباء السياسية والإنسانية الناجمة عن العمليات الإسرائيلية، كما أن تنامي قوة مصر الإقليمية في المستقبل القريب، قد يمثل تهديدا لحماس وحلفائها في المنطقة والداعمين لمشروعها، لأغراض تكتيكية، فضلا عن الرغبة الأميركية في الالتفاف على إفشال مشروع الإخوان في مصر، ومحاولة زرع منغص، أو بديل له، على حدودها مع غزة.

لمزيد من التوضيح وفك شفرات بعض الألغاز التي قد تكون مبهمة، أعتقد أن المشهد السياسي مقبل على سيناريو فصل غزة فصلا نهائيا عن الضفة الغربية، وتهيئة الكثير من سبل الحياة المستقلة لها، والتفكير في هذا المشروع، يأتي من رحم بعض التقديرات الرئيسية، منها محاولة تصفية القضية الفلسطينية تماما. فعندما يتم إنشاء ميناء بحري ومطار جوي وضخ أموال لإعادة بناء وتعمير غزة، سوف تشعر حماس أن لديها قوة ذاتية معتبرة، لأنها المسيطرة على القطاع والمتحكمة في مفاتيحه، وستبذل جهدا مضنيا لاستمرار الوضع على ما هو عليه، وإبعاد السلطة الفلسطينية عنه، بدعم من قوى إقليمية ودولية.

ولعل رفع الحصار عن غزة، سوف يخفف من الانخراط المصري، يوميا في شؤون القطاع، عبر ميناء رفح، ويرفع عن إسرائيل حرج إغلاق المعابر الست، ويمنح حماس ميزة تواصلها مباشرة مع العالم، وتنهمك في ترتيب أوراقها أملا في الحصول على دويلة صغيرة تسيطر عليها، بدلا من دولة كبيرة بعيدة المنال، وهو ما يتماشى مع تفكير حماس، التي يعتقد قادتها في أهمية إقامة دويلة «إسلامية» ولو على كيلو متر واحد، جريا وراء فكرة خيالية تنبئ بتحرير كامل التراب مستقبلا. فكرة «طوباوية» لا تعطي اعتبارا للوقت، فالزمن لدى هؤلاء متوقف أو قيمته محدودة، وهم يرون أن الاحتلال الفرنسي بقي في الجزائر نحو 130 عاما ثم رحل، فلم العجلة، ولا زالت إسرائيل لم تكمل قرنا من الزمان؟

هذه الدويلة المفترضة تحقق جملة أهداف لكل من إسرائيل وأميركا، فالأولى تشجعها لأنها توفر لها غطاء لتسويق مشروع دولة يهودية خالصة، فإذا كانت حماس أنشأت دويلة إسلامية فمن أين سيكون الاعتراض عليها؟ وهو ما يعطي لإسرائيل أيضا مبررات لتوفير عنصر «النقاء العرقي- اليهودي»، وترحيل ما تبقى من فلسطينيين، إلى غزة المكتظة، ثم الدفع نحو تمددها على حساب سيناء، وفقا لسيناريو سابق كان معدا لتطبيقه خلال عهد الإخوان.

أما أميركا، التي تقف خلف هذا الخيار، وتعمل على تهيئة المسرح له وإقناع الفاعلين به، والمتهمة بالتقاعس وعدم إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار، فسوف تجد فيه حلا تكتيكيا لمعضلة غزة وروافدها الإنسانية ومشكلاتها السياسية، ووسيلة لتمكين الإخوان من التجمع في منطقة من المفترض أنها سوف تتحول إلى آمنة (غزة) بعد أن تهدأ سخونتها الراهنة، بالتالي تتمكن من إرباك الحسابات المصرية، وتسويق فكرة الدويلات أو «الكانتونات» الإسلامية، على غرار داعش في العراق، وأنصار الشريعة في ليبيا، علاوة على ما يحققه ذلك من تفتيت لما تبقى من دول عربية صامدة، وتمكين إسرائيل وأميركا من الهيمنة على مقدرات المنطقة.

السيناريو السابق، يجد ما يدعمه في التفكير الإسرائيلي، حيث راجت خلال الأيام الماضية معلومات تقول أن التقتيل المستمر في الشعب الفلسطيني أصبح ضرره أكثر من نفعه، ومهما بلغ حجم العدوان فإنه لن يتمكن من إسكات صواريخ المقاومة التي تطورت بصورة مذهلة، وبدأت تصل إلى عمق إسرائيل، من هنا كان من الضروري أن يتم التفكير بطريقة خارج الصندوق، الأمر الذي تزامن مع قراءة دقيقة للبيئة الإقليمية، خاصة إذا نجحت مصر في تطوير علاقاتها الخارجية واسترداد عافيتها السياسية والاقتصادية، وترافق ذلك مع قراءة تخشى من انهيار حماس، في ظل التحديات المتعاظمة، التي تواجهها داخليا وخارجيا، والتي قدمت لإسرائيل خدمات استراتيجية جليلة، وهى تدري أو لا تدري لا يهم، فالنتيجة واحدة، ضرب القضية الفلسطينية في مقتل.

الحاصل أن الوصول إلى سيناريو فصل غزة يقوم على افتراض أن الأطراف المتضررة، خاصة مصر والسلطة الفلسطينية، لا تملك أدوات أخرى للمقاومة ورد الفعل، وهذا تقدير قاصر وخاطئ، لأن الطرفين منتبهان جيدا لهذه الحبكة، لذلك نجد أن هناك انسجاما في المواقف التكتيكية والاستراتيجية، والنقطة الأهم أن القيادة المصرية تملك أوراقا، ليس هذا مجال الحديث عنها، لقلب الطاولة على الجميع، والدليل العودة للمبادرة المصرية، وكما نجحت هذه القيادة في تفويت الفرصة على مخطط تمكين الإخوان في مصر، قادرة على إفشال السيناريو الأسوأ لتمكين حماس في غزة.


كاتب مصري

8