السينمائيون الإيرانيون يقاومون الرقابة والقهر بحجة الصورة

الثلاثاء 2015/03/03
"نصف القمر" فيلم منعته السلطات الإيرانية لجرأته السياسية

من يشاهد الفيلم الجديد للمخرج الإيراني المرموق محسن مخملباف، “الرئيس”، يدرك جيدا أن القمع لا يجدي، وأن السينما الجادة يمكن أن توجد وأن تستمر خارج منظومة القمع، وهذا تحديدا ما يثبته عدد من السينمائيين الإيرانيين على رأسهم مخملباف نفسه، الذي يعد المخرج الأكثر موهبة من بين أبناء جيله، والذي كان أول من أعطى “السينما الإيرانية الجديدة” التي ظهرت للعالم في التسعينات الماضية، وجهها المشرق.

“الرئيس” هو أكثر أفلام المخرج الإيراني محسن مخملباف صلة بالسياسة، أو بالنقد السياسي اللاذع الذي يعتبر بيانا سينمائيا رائعا عن رفض القهر، والاحتجاج على الديكتاتورية الدموية التي تمارس في إيران، كما في بلدان الشرق الأوسط رغم “الربيع العربي”.

وقد صنع مخملباف فيلمه هذا تحديدا، انطلاقا من الأحداث التي شهدتها بلدان عربية كثيرة كما يصرح هو، لكن الفيلم يظل عملا هجائيا يستهدف لفت الأنظار أيضا إلى ما يحدث في إيران، من انفراد حفنة ضيقة الأفق بالحكم والتحكم في البلاد والعباد منذ عقود.


دكتاتورية مزدوجة


فيلم “الرئيس” عمل هجائي ساخر يطلق فيه مخملباف العنان لخياله الخاص، فيصور كيف تنفجر ثورة شعبية في بلد غير محدد، في وجه دكتاتور عجوز يحكم البلاد منذ عقود، مارس كل أنواع القهر على شعبه، فيقرر الدكتاتور تهريب جميع أفراد أسرته.

فيلم “الرئيس” عمل هجائي ساخر يطلق فيه مخملباف العنان لخياله الخاص، فيصور كيف تنفجر ثورة شعبية في بلد غير محدد، في وجه دكتاتور عجوز

وعندما يحاول هو بعد ذلك، الفرار بجلده مع حفيده الصغير الذي قتل والده أثناء الثورة، يمنعه قائد جيشه الذي يكون قد أعلن موالاته لثورة الشعب، وقام بانقلاب عسكري استولى بموجبه على السلطة، فيفر “الرئيس” لينجو بأعجوبة مع حفيده، ثم يتنكر الاثنان ويجوبان الريف متخفيين في ثياب مهلهلة، حيث يتظاهر العجوز بأنه عازف متجوّل، يرافقه الطفل الذي يرقص على نغمات القيثارة أمام تجمعات المارة.

في المقابل تزداد أجواء الثورة الشعبية حدّة وعنفا، وينتهي الأمر بالقبض على الرجل وحفيده، فيحاكمه الثوار، ويقررون إعدامه، لكن زعيم الثوار يرفض مبدأ الإعدام، ويصور الفيلم كيف يختلف الثوار بعد إسقاط النظام على أسلوب الحكم، بين اختيار الديمقراطية، أم الدكتاتورية، وبالتالي ممارسة الانتقام والتنكيل بكل من كانوا في الحكم سابقا، وهكذا يصوّر الفيلم ليس فقط مأزق الدكتاتور، بل كذلك مأزق الذين يخلفونه دون أن يكون لديهم برنامج سياسي حقيقي للتغيير.

اختار مخملباف منذ عشر سنوات، أن يهجر إيران، وأن ينتقل بين بلدان عدة ليصنع أفلامه، في أفغانستان والهند وتركيا وطاجيكستان وجورجيا وكوريا وإيطاليا وبريطانيا وإسرائيل.

وهو يعيش مع أسرته في باريس، حيث يمتلك هناك شركة للإنتاج، تشرف عليها ابنتاه: سميرة وحنا، اللتان أخرجتا بعض الأفلام الجريئة المتميزة. لكن هجرة مخملباف إلى الخارج لم تجعله أقل استهدافا من جانب النظام الإيراني الذي حاول اغتياله غير مرة.

محسن مخملباف: واجهت في معارضتي للسلطة عقوبات قاسية وصلت حد محاولة اغتيالي

لم يضطرّ مخملباف وحده إلى مغادرة إيران، بل آثر أشهر مخرجي إيران، عباس كياروستامي، أن يتوقف عن صنع أفلام إيرانية في الداخل الإيراني، وأصبح يصنع أفلامه في الخارج من التمويل الخارجي.


حظر الموسيقى


في عام 2006 أخرج المخرج الإيراني الكردي، بهمن قوبادي، فيلم “نصف القمر” الذي يتابع فيه رحلة الموسيقار الكردي مامو، من كردستان إيران إلى كردستان العراق، لإحياء حفل موسيقي بعد سقوط نظام صدام حسين، وما يتعرض له في الطريق من متاعب بسبب مطاردة السلطات الإيرانية لرحلته ومحاولة منعه من عبور الحدود.

وقد منعت الرقابة عرض الفيلم في إيران، وبعد ذلك أخرج قوبادي فيلم “لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية” (2009) الذي صور معظمه سرا في طهران، وتمكن من عرضه في مهرجان كان السينمائي في ذلك العام، وأحدث عرضه هناك ضجة كبيرة، فحاول الإيرانيون منعه، لكنه عرض.

وفيه ينتقد قوبادي الحظر الرسمي للموسيقى الأوروبية في إيران، ويصوّر كيف يلجأ الشباب في إيران إلى إقامة حفلاتهم السرية للرقص والغناء والاحتفال بالحياة رغم الحظر.

على إثر ذلك، أصدرت السلطات الإيرانية حكما بمنع قوبادي من العمل السينمائي، معتبرة أن الفيلم يدعو إلى انفصال كردستان عن إيران، وكان أن هاجر قوبادي واستقرّ في الخارج، ثم أخرج فيلم “فصل الخرتيت” (2012) في تركيا، الذي اشتركت في بطولته الإيطالية مونيكا بيلوتشي أمام التركي يلماظ أردوغــان والممثل الإيراني بهروز فوسوغلي.

مازال قوبادي يعيش في المهجر ويواجه حظرا تاما في بلاده، ويصوّر فيلمه الأخير كيف يغادر شاعر كردي المعتقل بعد 30 عاما قضاها في السجن، لا يشغله سوى أمر واحد فقط، هو العثور على زوجته الجميلة التي تعتقد أنه مات منذ عشرين عاما. أما جعفر بناهي، فقد اعتقل عام 2010 مع ابنته وزوجته، وعدد من أصدقائه، بتهمة الدعاية ضد النظام الإيراني.

ونظم الكثير من المؤسسات والتجمعات السينمائية عبر العالم، حملة احتجاج على اعتقاله، لكن محكمة إيرانية أصدرت حكما بالسجن عليه لمدة 6 سنوات، ومنعه من الاشتغال بالإخراج السينمائي لمدة عشرين عاما، وحظرت عليه الاتصال بأيّة وسيلة من وسائل الإعلام الأجنبية أو المحلية.

مخملباف اختار منذ عشر سنوات، أن يهجر إيران، وأن ينتقل بين بلدان عدة ليصنع أفلامه، في أفغانستان والهند وتركيا وطاجيكستان

وخلال الفترة بين صدور الحكم ونظر الاستئناف، أخرج بناهي فيلم “هذا ليس فيلما” (2011) وهو فيلم وثائقي يسخر من السلطات الإيرانية، وقد تمكن من تهريبه إلى مهرجان كان لكي يعرض هناك.وفي عام 2013 نجح بناهي في تصوير فيلم “وراء الستائر” بشكل سري، بعد أن أطلق سراحــه، لكنـه بقي رهن الإقامة الجبرية.

وقد تمكن مؤخرا من إخراج فيلم “تاكسي” الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الأخير، وإن جاءت الجائزة لأسباب سياسية وليست فنية، وقد أصبح أحد أنجح المخرجين الإيرانيين، وهو أصغر فرهادي، الذي فاز فيلمه “انفصال” (2010) بجائزة الأوسكار التي تمنح لأحسن فيلم أجنبي، يفضل العمل في إخراج أفلام أجنبية خارج إيران. وقد أخرج عام 2013 فيلم “الماضي” من إنتاج فرنسي، ثم توقف عن الإخراج في إيران منذ ذلك الوقت.

ومازال المخرج بارفير سيد يقيم ويعمل في الولايات المتحدة، وقد أخرج حتى الآن فيلمين تدور أحداثهما في أوساط الإيرانيين الذين يعيشون بالمنفى وهما “المهمة” (1983)، و”نقطة تفتيش” (1987)، وكان قد أخرج فيلم “المأزق” قبل فراره من إيران عام 1976. مقاومة السينمائيين الإيرانيين مستمرة، والقمع يتزايد أيضا، ودور السينمائي هو أن يكشف الحقائق للعالم.

16