السينمائي المشاغب يكتب مشهده الأخير في مصر

الأحد 2013/08/25
رفيق الصبان: إطلالات بانورامية على المشهد المسرحي والسينمائي العالمي

دمشق- ودعت الأوساط الفنية والثقافية في مصر والوطن العربي الناقد السينمائي السوري الكبير، وكاتب السيناريو، والمسرحيّ، وأحد أهمّ نقّاد الدراما التلفزيونية، الدكتور رفيق الصبان، الذي يقيم في القاهرة منذ عام 1970، وذلك ليلة (السبت 17 أغسطس/ آب) عن عمر يناهز 79 عاماً. بعد نصف قرن مع الفن إدارة وكتابة ونقداً قضى معظمها في مصر ونال شهرته فيها.

الدكتور الصبان الذي يحمل الدكتوراه في الحقوق العامة من جامعة السوربون، وقع في هوى الفنون عبر خشبة المسرح أوّلاً، فأخرج سلسلة من الأعمال الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة؛ بينها شكسبير: "ليلة الملوك"، و"تاجر البندقية"، و"يوليوس قيصر"؛ ماريفو: "الاعترافات الكاذبة"، و"لعبة الحبّ والمصادفة"؛ وموليير: "طرطوف"؛ وألبير كامو: "العادلون"؛ وناظم حكمت: "حكاية حبّ". بعدها استولت السينما على جلّ اهتمامه، لجهة السيناريو تحديداً، فكتب أكثر من 25 فيلماً سينمائياً أهمها (زائر الفجر) 1972 و(الأخوة الأعداء) و(قطة على نار) و(ليلة ساخنة)، وآخرها فيلم (الباحثات عن الحرية) مع المخرجة إيناس الدغيدي. كما كتب حوالي 16 عملاً درامياً.


خلاصات نصف قرن

وقع في هوى الفنون عبر خشبة المسرح


عن كتابه الأخير "السينما كما رأيتها"، 2012، يقول الناقد السوري الدكتور صبحي حديدي: "في هذا الكتاب يستجمع (د. الصبان) خلاصات نصف قرن من مشاهدة سينمات العالم، وتحليل خصائصها المحلية المختلفة، وربطها بحصيلة إجمالية لتأثيرات الفنّ السابع في الذائقة الجمالية الإنسانية، خاصة في قدرة السينما على التنوّع والاختلاف، وتلوّن مدارسها بأساليب فردية وأخرى كونية، وطرائق عيش ونماذج وجود، بين أقصى توترات الحياة البشرية المعاصرة، في المأساة مثل الملهاة.

وفصول الكتاب تعرّفنا على ما امتاز به الصبان دائماً، من إطلالات بانورامية على المشهد السينمائي العالمي، إذْ نقرأ عن سينما الهند أسوة بالسويد، ومنجزات "الموجة الجديدة" الفرنسية أسوة بالواقعية الإيطالية، ونثمّن الانفرادات (غريفيث، شابلن، أورسون ويلز) أسوة بالظاهرات الجماعية (السينما اليابانية، هوليوود، مصر)".

وكان الراحل يعمل أستاذًا لمادة السيناريو في معهد السينما في القاهرة، وهو حاصل على وسام الفنون والآداب الفرنسي من درجة فارس. "العرب" تابعت ردود فعل الوسط السينمائي من منتجين ومخرجين ونقاد سينمائيين عرب، حول رحيله فكانت هذه الشهادات.


هيثم حقي: مثقف وخبير


المنتج والمخرج السينمائي هيثم حقي، قال: "رحل المخرج المسرحي وكاتب السيناريو والناقد (السوري المصري) الدكتور رفيق الصبان. كان الصبان -عدا عن مشاركته الإبداعية- واحداً من كبار المثقفين والخبراء في الفن السينمائي والمسرحي، تعاونّا معاً في مسلسل (المرايا) الذي أخرجته مع الصديق العزيز فيصل الياسري عام 1983، وكتبه الدكتور الصبان ومثّل فيه دور المؤلف أيضاً. وكان لقاؤنا الفني الهام في مسلسل (الدغري) الذي أخرجته وكتب السيناريو له الدكتور رفيق.

كما كانت لنا لقاءات كثيرة وندوات مشتركة في العديد من المهرجانات، وجمعت بيننا مودة إنسانية وفنية، فقد كتب الصبان العديد من المقالات عن أعمالي، وكان دائماً متحمساً للتجربة التي خضتها في الدراما التلفزيونية السورية وفي الأفلام السينمائية التي أنتجتها وخاصة (بصرة) و(الليل الطويل). لرفيق الصبان المبدع والمثقف السوري الكبير الرحمة ولذويه وأصدقائه ومحبيه الصبر والسلوان".


سمير ذكري: مواقف بطولية


بدوره قال المخرج السينمائي سمير ذكري عن رحيل صاحب (الأخوة الأعداء): "يذكر للإنسان حسناته: كنت في مهرجان القاهرة أشارك بفيلمي (تراب الغرباء) عن شيخنا الخالد عبد الرحمن الكواكبي، وجاء من الأخوة المصريين من يقول لي إن جوقة الوفد السوري إلى المهرجان المرسلين من قبل المدير العام مروان حداد تقول للإعلاميين المصريين: هاجموا فيلم (تراب الغرباء) وادعموا فيلم عبد اللطيف عبد الحميد الذي كان كذلك مشاركاً بفيلمه (نسيم الروح) ندعوكم إلى مهرجان دمشق!… والناقد طارق الشناوي لم يقصر في انتهاز الفرصة، أما الأستاذ رفيق الصبان فلقد وقف للحال ومنذ أول رؤية له لفيلمي وقف معه بقوة وهو يردد: "إنه فيلم عربي كبير فكيف لا ندعمه؟!".

وعندما أعلن رئيس لجنة التحكيم الممثل الأميركي الشهير "جون مالكوفيتش" إعطاء الفيلم جائزة (أفضل فيلم عربي) "لأهمية المضمون والمستوى الفني المرتفع" لم أستطع سوى أن أقبل أثنين كانا إلى جانبي في الصالة: الزميل عبد اللطيف عبد الحميد والأستاذ الصديق العزيز رفيق الصبان!… وزاد احترامي له عندما رأيته في مقابلة تلفزيونية لا يكف عن الحديث ومدح ابن له متخلف عقلياً، بينما لم ينل الابن الثاني المتميز بعمله في الجامعة العربية إلاّ النزر اليسير من كلامه!… رحمك الله يا أستاذنا العزيز رفيق الصبان الذي ساهم بتأسيس المسرح في سوريا قبل أن يهرب من سوء المعاملة إلى مصر، حيث برز كناقد وكاتب سيناريو للسينما والتلفزيون عدا عمله في معهد السينما في مصر!… ذكر الأبرار يبقى إلى الأبد.


أحمد رشوان: مساند للإبداع


من جهته قال المخرج المصري أحمد رشوان عن رحيل صاحب (قطة على نار): "في فيلمي الأول (بصرة)، ساندني د. رفيق بحماسته المعهودة منذ أن شارك السيناريو في "مسابقة السيناريو" بمهرجان الإسكندرية عام 2003، وفاز وقتها بالجائزة الثانية وكان يحمل عنوان (100 ٪ حي)، وقتها كتب الدكتور رفيق تقريرا لممدوح الليثي، طالباً منه إنتاج الفيلم من خلال مدينة الإنتاج الإعلامي، ولكن هذا لم يحدث بالطبع! لكن مساندته للفيلم استمرت حتى تحقق العمل وكان العرض الأول للفيلم في مصر في مهرجان القاهرة في كانون أول (ديسمبر) 2008، وقام د. رفيق بإدارة الندوة… مواقفه لا تنسى".


محمد عبيدو: يوم حزين


الكاتب والناقد السينمائي السوري محمد عبيدو قال: "برحيل الناقد رفيق الصبان ومن بعده بعدة ساعات رحيل المخرج الكبير توفيق صالح، الذي قدم بتفرد أعمالا فارقة في لغة السينما العربية ومضمونها… يكون هذا اليوم يوما حزينا في تاريخ السينما المصرية والعربية. الوسط الفني والثقافي فقدا رجلاً قدم الكثير للفن في مصر والعالم العربي ناقداً ومؤلفاً وأستاذاً أكاديمياً وعاشقاً لفن السينما. من بدء مسيرته عن طريق المسرح السوري، حيثُ أخرج عددا من الأعمال المسرحية في سوريا، وانتقاله بعدها إلى مصر ليكتب فيلم (زائر الفجر) عام 1972، لتبدأ عندها مسيرته السينمائية الطويلة التي امتدت لحوالي 25 فيلماً.

جمعتنا مع د. رفيق الصبان عدة لقاءات منذ بداية الثمانينات في مهرجانات مصر السينمائية وفي مهرجان دمشق السينمائي ضيفه الدائم والمشارك في فعالياته، وهو أستاذ لنا بكتاباته النقدية الهامة عبر متابعتنا له ولمجايليه من النقاد تأسست ذائقتنا السينمائية. وكانت متعة شخصية لي في السنوات الأخيرة، قراءة تغطيته النقدية الجذابة للأفلام الجديدة في زاوياه الأسبوعية بجريدة القاهرة.
الصبان مبدع مهذب ذو قيمه فنية عظيمة

الدكتور الصبان مبدع مهذب ذو قيمه فنية عظيمة. طوال عمله أستاذاً لمادة السيناريو في معهد السينما بمصر، ربّى أجيالاً في معهد السينما، فذوقه وآراؤه في السينما والأدب والمسرح والموسيقي كلها ساهمت في تشكيل ذوقهم الفني وطوال وجوده بالقاهرة، ويشارك د. رفيق الصبان بالتعليق على الأفلام بالتحليل السينمائي لتحفيز الجمهور على التفاعل مع الواقع السينمائي العالمي بشكل أعمق مع عروض نادي السينما بالمسرح الصغير بالأوبرا. رحل رفيق الصبان بجسده وتبقى إسهاماته بالسينما والنقد السينمائي والسيناريو والمسرح خالدة ومستمرة مع الأجيال".


بشار إبراهيم: منهج خاص


وأخيراً يقول الناقد السينمائي الفلسطيني بشار إبراهيم لـ"العرب": "بعد تجربته المثيرة في المسرح السوري، قرّر رفيق الصبان الرحيل إلى مصر، التي كانت مهوى أفئدة الباحثين عن مكان تحت شمس النجومية والشهرة. ومن المسرح إلى السينما كانت انتقالته، التي حوّلته خلال قرابة خمسين سنة من العمل أحد أشهر النقاد الفنيين، وكتاب السيناريو، فضلاً عن مساهماته في مجالات التدريب والتعليم والتدريس، والحضور في العديد من المهرجانات السينمائية. في السينما، اختطّ رفيق الصبان لنفسه منهجاً خاصاً، لا يختلف عما كان يريده من قبل في المسرح.

وما لم يستطع تحقيقه هناك، حققه هنا. مجموعة من السيناريوهات السينمائية، في أفلام تتراوح قيمتها الفنية، لكنها في غالبيتها تكاد تتفق على الرغبة الدائمة التي لم تفارق الصبان في النهل من الثقافة الغربية، والاتكاء على علامات أدبية شهيرة، وربما الخوض في بعض الموضوعات الشائكة، دون أن يعني أنه كان راغباً في خوض أيّة معارك في هذا الصدد، فقد حمل رفيق الصبان دائما صفة "السوري المقيم في مصر"، وعلى رغم اندماجه التام في مناخ فني مصري، أعطى كل منهما الآخر ما لديه، إلاّ أنه لم يفقد عودات وإطلالات على المشهد السينمائي السوري، أبقته في صورة "الطائر المهاجر"، حتى في تلك الأزمنة التي غابت فيها هذه الظاهرة. رفيق الصبان، علم سينمائي كبير، من جيل الروّاد، بنى حضوره، وخصوصيته، ووضع بصمته. وكان يشكل إغناءً وإثراءً للمشهد السينمائي العربي. وبرحيله ترك طعم الخسارة اللاذع. له أياد بيضاء، وذكريات لا تنسى".
15