السينمائي نصري حجاج: أنظر إلى الثورة السورية وفي قلبي حزن كبير

الأربعاء 2013/10/02
حجاج: مشروعي القادم وثائقي يتناول جانباً من التاريخ الفلسطيني

بيروت ـ انتهى السينمائي الفلسطيني نصري حجاج مؤخراً من جولة قادته إلى عدد من بلدان الربيع العربي، بدأها بتونس ومنها إلى مصر فليبيا ليعود بعدها إلى صيدا حيث يقيم. وأين كان لـ"العرب" معه هذا الحوار حول جولته هذه، وللحديث عن مشاريعه المستقبلية، وعن مجمل مسيرته السينمائية، التي كرسها ليروي – من خلال أفلامه المنجزة – أجمل وأصدق التعبيرات عن الوطن والحياة والموت والمنفى والألم والظلم الواقع على شعبه الفلسطيني.

وكان لابد لنا في ختام حوارنا من الوقوف على موقفه من الثورة السورية، ومعرفة رأيه تجاه مواقف المثقفين الفلسطينيين والعرب من ثورات الربيع العربي. ومدى فجيعته بمواقف المتخاذلين من المثقفين القوميين ونخبة اليسار العربي تجاه الشعب السوري المنكوب. عن كل هذه القضايا وغيرها دار بيننا الحوار التالي:

في بداية حديثنا مع السينمائي الفلسطيني نصري حجاج كشف لنا أن رحلته الأخيرة إلى تونس ومصر وليبيا، كانت بهدف تصوير مشاهد من فيلم وثائقي يعمل عليه حالياً. ليس له علاقة مباشرة بالثورات العربية، "إنما هو فيلم عن جانب من جوانب التاريخ الفلسطيني في السبعينات وأفضل عدم الحديث عنه الآن".

وبسؤاله عن فيلمه الأول "ظل الغياب" الذي فاز بجائزة المهر البرونزي للأفلام الوثائقية في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2007 وكيف ولدت فكرة الفيلم؟ ولماذا اختار اقتفاء أثر الموتى؟ يجيبنا قائلاً: "في طفولتي المبكرة في مخيم عين الحلوة، عشت قصصاً واقعية تتعلق بالموتى والقبور، ففي عام 1958 وأثناء الحرب الأهلية الأولى في لبنان.

شاهدتُ كيف مُنع أهالي ثلاثة رجال فلسطينيين كانوا ينتمون إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، قُتلوا في اشتباكات مع الجيش اللبناني، من دفنهم في مقبرة المسلمين السنة في صيدا المجاورة. وبدلاً من ذلك أجبر الأهالي على دفنهم في حواكير البيوت.


تجربة الموت


كانت هذه أول تجربة لي مع الموت، ولم أفهم وقتها وكنتُ في السابعة لماذا دُفن هؤلاء في ذلك المكان. وفي عام 1969 وعلى إثر مظاهرة 29 نيسان من تلك السنة ومقتل خمسة شبان بينهم طفل لم يتجاوز الـ15 من عمره برصاص الجيش اللبناني، مُنع أهالي المخيم مرة أخرى من دفن قتلاهم في صيدا. وأجبروا على دفنهم داخل أسوار مدرسة "الأنروا" الابتدائية حيث تعلمتُ الحرف الأول. بعد ذلك وفي عام 1999 وفي أول زيارة لي إلى فلسطين بعد حصولي على الرقم الوطني، ذهبتُ لأزور قرية أجدادي "الناعمة" في سهل الحولة في الجليل الأدنى.

وحين وطأت قدماي أرض "الناعمة" أصبت بحالة لم أعهدها من قبل وأحسست بأنني مقبلٌ على الموت، وفي تلك اللحظة وفي مواجهةٍ مع سؤال الموت تداعت في ذهني كل قصص الموت الفلسطيني وارتباطها بالمكان، وسألت نفسي السؤال الذي لم يخطر على بالي قط، لو أنني متُ الآن فهل سأتمكن من أن أدفن في "الناعمة" أرض أجدادي وحيث ولد أبي وحيث كان حلمه بالعودة والموت. من سؤال العلاقة بين الموت والحياة والوطن والمنفى كما في تجربة الفلسطيني ولدت فكرة فيلم "ظل الغياب"".


إحساس الفجيعة


وعما أراد قوله في فيلمه الثاني "كما قال الشاعر"، الذي عده النقاد فيلماً كونياً عابراً للحدود وللجنسيات والأديان والعرقيات، وأي أثر تركه فيه الشاعر الراحل محمود درويش؟ يقول حجاج: "فيلم "كما قال الشاعر" كان رسالة حبٍ يحملها إحساس الفجيعة بفقد شاعر الروح الفلسطينية محمود درويش.

كان حبي لشعر درويش منذ بدأتُ قراءة شعره وأنا أعيش مراهقتي في مخيم "عين الحلوة"، عندما نشر الشهيد الراحل "غسان كنفاني" كتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 48- 1966" وتعرفت إلى شعراء فلسطين عبر النصوص التي ضمها الكتاب ومن بين هذه النصوص، نصوص درويش، منذ تلك اللحظة كان محمود درويش الأقرب إلى قلبي من بين كل الشعراء.

لم يكن أبداً من السهل فقدان هذا الشاعر الفلسطيني وعندما رحل اجتاحتني رغبة هائلة في أن أصنع فيلماً عنه لكنني كنتُ في حيرة من أمري إزاء الرؤية الفنية التي يمكن أن تُعبر عن كل هذا الحب والإحساس بالفقد لما يمثله محمود درويش من قيمة إبداعية عظيمة.

لذلك لجأت إلى أن يكون الفيلم وثائقياً غير تقليدي، لا حوارات فيه ولا يظهرُ فيه الشاعر أبداً، وعليه وجدتُ أن أعملَ أولاً على إيصال فكرة غياب الشاعر عبر حضور الشعر وحضوره من خلال الفراغ في الأمكنة، المسارح التي قرأ فيها، البيوت التي سكنها، المدن التي عاش فيها أو زارها وأحبها، ومن هنا لا نرى في هذا الفيلم درويش شخصياً وإنما نسمع صوته يقرأ الشعر ونرى أصدقاءً له من شعراء وكتاب من مختلف أنحاء العالم يقرؤون شعره بلغاتهم المختلفة ما يدل على كونيته وخروجه من الإطار المحدود إلى العالم الأرحب.

حول حال السينما الفلسطينية وهل أنها استطاعت أن تصنع شخصيتها المتميزة على مستوى المضمون والقيمة الجمالية؟ وهل يمكن الحديث عن صناعة سينمائية فلسطينية أم هي مجرد أفلام سينمائية، ذلك أن هناك اختلافاً في ملامح وسمات السينما الفلسطينية الموزعة على جغرافيا مشتتة. يجيب محدّثنّا: "هناك سينمائيون فلسطينيون متميزون وهناك أفلام فلسطينية متميزة، لا تجمعها ولا يجمعهم مكانٌ واحد بحكم التشتت الفلسطيني وأعتقد أن السينما أو الأفلام الفلسطينية في "أراضي 48" تختلف في ملامحها وسماتها عن السينما أو الأفلام الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة أو الشتات العربي (لبنان، سوريا والأردن) أو المهجر الأميركي والأوروبي.

وهذا يرتبط باختلاف التجربة واختلاف المصادر الثقافية باختلاف الدول والمجتمعات التي يعيش فيها هؤلاء. إن للتجربة المعيشة في كلٍ مكان من أماكن التواجد الفلسطيني تأثيرها على الشكل والمضمون السينمائيين الذي ينتجه كل مخرج فلسطيني على حدى. كما أننا لا نستطيع أن نتحدث عن صناعة سينمائية فلسطينية لأن الصناعة تحتاج في رأيي كي تتبلور وتكون حقيقة واقعة إلى مجتمع مستقر مرتبط ببنيان كامل اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي وهذا ما لا يعيشه الفلسطينيون بحكم ظروفهم الخاصة".


أوهام اليسار


وبسؤاله إلى أي حد يمكن للفن والسينما بشكل خاص المساهمة في دعم ما يسمى "عملية السلام" في الشرق الأوسط؟ يجيب: "جميع أنواع الفنون ومن ضمنها السينما وكل الإبداعات الإنسانية في الأدب والشعر والمسرح والفن التشكيلي تؤثر في كل شيء، فلماذا السؤال عن عملية السلام في الشرق الأوسط؟، هي جزء من تجربة الفلسطينيين الراهنة. كما أن الشتات والعيش في المخيمات والعمل المسلح جزء من تجربة الشعب الفلسطيني.

لو أن عملية السلام التي نتحدث عنها تسير بشكل واضح لا أفرزت، ربما، أفلاماً تتعلق بهذه العملية ودعمها".

وبالرجوع إلى فيلم "كما قال الشاعر" وما أخذ عليه جراء مشاركة الشاعر (الإسرائيلي)"إسحاق لاؤور" في فيلمه – حيث ظهر وهو يقرأ بعض أشعار محمود درويش –واعتبار ذلك تطبيعاً مع العدو الصهيوني، يقول: "أعتقد أننا ونحن نناقش موضوع التطبيع، علينا أن نمتلك المعلومات والنظرة الموضوعية إلى بعض الشخصيات في "المجتمع الإسرائيلي" نفسه.

نصري حجاج
* ولد نصري حجاج في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان عام (1951). حصل على شهادة اللّغة الانكليزيّة من الجمعيّة الملكيّة للفنون والآداب لندن وماجستير (Deviancy and social policy) من جامعة "ميدل سكس"- لندن. تم ابعاده وحظر عليه دخول بريطانيا، فعاد إلى قبرص ومن هناك الىتونس التي أقام فيها نحو 18 عاماً ليستقر بعدها في مدينة صيدا.

* بعد عمله صحفياً مستقلاً لعشرين عاماً، حقق عدة أفلام وثائقية،أهمها فيلمي "ظل الغياب"، و"كما قال الشاعر". وكتب وأخرج مع السينمائي الفلسطيني مجدي العمري "الخضرة اوك" وثائقي 37 دقيقة، 1992. كما كتب وأنتج 4 تقارير لشبكة "سي إن إن" التلفزيونية.

* كتب كذلك سيناريو لفيلم الرسوم المتحركة 4 بالمليون "علامة الاستفهام"، تونس1990. كما كتب وأخرج فيلم وثائقي 45 دقيقة "هكذا قالت الانتفاضة" عام 1989. وعمل مديراًللإنتاج في فيلم "أعالي ميناء"إخراج السينمائية عرب لطفي 90 دقيقة، 1989. له مجموعة قصصية منشورة بعنوان "أعتقد أنني أحب الحكومة".

فشاعرٌ مثل "إسحاق لاؤور" الذي كتب شعراً عن الفلسطينيين كما لم يكتب شعراء عرب وأدان في شعره الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية وممارسات الاحتلال في تعامله مع الشعب الفلسطيني لا يمكن أن أضعه في صف العدو الصهيوني.

فهذا الشاعر له مواقفه الجريئة ضد "الدولة الإسرائيلية" وتعاطفه الشديد مع الشعب الفلسطيني وذلك من خلال سلوكه اليومي وليس مجرد جعجعات، كما أنه كان صديقاً لمحمود درويش وقد تُرجمت أشعاره إلى العربية، ونُشرت في مجلات ثقافية فلسطينية في الداخل، ولكن العرب لا يقرؤون ولا يرون من "لاؤور" إلا اسمه وهويته القانونية.

وعندما أحببتُ أن يكون "لاؤور" من بين شخصيات الفيلم قارئاً لمحمود درويش بالعبرية فهذا لأنني أردتُ أن أقول، إن درويش استطاع أيضاً أن يخترق "الوعي الإسرائيلي" بإبداعه وقوة شعره وحضوره كشاعر فلسطيني. هناك في "المجتمع الإسرائيلي" بعض، لا أستطيع القول الكثير، هناك قلة من الشعراء أو المثقفين الذين يقفون إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني، و"إسحاق لاؤور" من البارزين بينهم.

وأخيراً نسأل حجاج عن موقفه من الأحداث الجارية في سوريا ومآلاتها من وجهة نظره، وهو الذي ساند الثورة السورية منذ أيامها الأولى، ولا ينفك ينتقد مواقف الكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب تجاه ثورات الربيع العربي، وانتهازيتهم على إيقاع الثورات العربية، فهم مع الثورة في مصر وتونس وليبيا واليمن وضدها في سوريا! فأجابنا قائلاً: "منذ أن خرج الشعب السوري إلى الشوارع يهتف من أجل حريته، وقفتُ إلى جانب هذا الهتاف.

كما وقفت إلى جانب هتاف التونسيين والمصريين والليبيين واليمنيين. لا أستطيع أن أكون إلا مع الشعوب في تطلعها إلى الحرية والعدل والمساواة وتخلصها من القهر والتجويع والاستعباد. أنظر الآن إلى الثورة السورية وفي قلبي حزن كبير على تركها من قبل كثير من القوى التي كان من المفترض أن تدعمها، أشعر بحزن على مئات الآلاف من السوريين الذين قتلوا وفقدوا وشردوا من بيوتهم وبلادهم، فهؤلاء بعضٌ من دمي.

كما أشعر بحزنٍ لتسلل القوى الظلاميّة الإسلاميّة إلى صفوف الحراك الشعبي السوري، مما أثر ربما على الالتفاف حول هذه الثورة ومساندتها من قبل قطاعات كثيرة من القوى التي لم تر في الثورة السورية غير "جبهة النصرة" والقوى الظلاميّة الأخرى.

هناك وهم يعيشه كثيرون من المثقفين الفلسطينيين وقوى اليسار الفلسطيني والعربي عموماً، بأن النظام السوري هو نظام مقاومة وممانعة! غافلين عن حقيقة أن هذا النظام لم يطلق رصاصة واحد ضد (إسرائيل) منذ عام 1973. وأن الرصاص الذي وجهه النظام لم يكن إلا ضد الشعب السوري والفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين. كما أن هناك مصالح لبعض هذه القوى الفلسطينية تظهر من خلال الدعم المالي الذي تقدمه إيران لها، ما يجعلها مجبرة على الوقوف إلى جانب النظام، وهذا أمرٌ لا يدعو إلا إلى القرف من هذه القوى وأشباهها.أخيراً، أنا لست متشائماً حيال ما يجري في سوريا على الرغم من كل الصعاب التي تمر بها هذه الثورة، لأني أؤمن بقدرة الشعب السوري وطاقاته الخلاقة وثقافته وتصميمه على أن تكون سوريا، كما كانت منذ فجر التاريخ، منطلقاً لكل إبداع إنساني".

14