"السينما الأفريقية المعاصرة وسينما الشتات"

الأفلام الأفريقية تعد نوعا من التأمل المعرفي والجمالي والنقدي للذات الأفريقية وللعالم.
السبت 2020/05/16
باماكو للمالي عبدالرحمن سيساكو نموذج لمحاكمة أفريقيا للعالم الغربي

سينما أفريقيا جنوب الصحراء حالة استثنائية في المشهد السينمائي العالمي. إنها تعكس محاولة ثقافية جادة للخروج على النمط الكولونيالي ولا تكتفي بـ”أفرقة” السينما العالمية بأنماطها المعروفة.

استنادا إلى معطيات فكرية ونقدية وجمالية تطمح الناقدة الهندية أنجلي برابو، في كتابها البانورامي «السينما الأفريقية المعاصرة وسينما الشتات» إلى «أفرقة» مشاهدي الأفلام الأفريقية، في الداخل وفي شتات تتسع آفاقه لمواهب مخرجين يقيمون خارج بلادهم. هذه «الأفرقة» المفترَضة تشمل كيفية التفكير في القارة السمراء، وتحريرها من الصور الذهنية النمطية الكولونيالية عبر أفلام تتجاوز المفاهيم الإثنوغرافية، وتقدم دراما فنية تستمد مصادرها من التنوع البشري والثراء الاجتماعي والثقافي، إضافة إلى الصراع التقليدي التالي للتحرر من الاستعمار، وصعود طبقة سياسية ونشوء طبقات اجتماعية ذات مواريث ومرجعيات ومصالح وعلاقات متعارضة. وتكون الأفلام أصدق وأعمق تمثيل جمالي لأفريقيا الجديدة، ويكون هذا الكتاب نموذجا للبحث الجاد العابر للأنواع الثقافية والفنية، متجاوزا النقد السينمائي إلى النقد الثقافي.

السينما الأفريقية، جنوب الصحراء وفي الشتات أيضا، تتأمل التاريخ الأفريقي والإنسان الأفريقي داخل بلاده وخارجها، منذ كان الأفارقة ضحايا الشتات قبل عدة قرون، برواج تجارة الرقيق ضمن منظومة تضم مصدّرين للبشر، ومتخصصين في قنص القادرين على العمل، لبناء عالم جديد على الضفة الغربية للأطلسي حمل اسم الأميركتين. ولا تسعى الأفلام إلى الانتقام من هذا الماضي، وإنما تحاول تفكيكه، وتردّ الاعتبار إلى الإنسان الأفريقي، فهو الآن ذات لا موضوع، ذات فاعلة تستطيع أن ترى العالم، وتذهب إلى أمكنة تقررها، وتنال مكانة تؤهلها لها مواهبها. ويعي المخرجون هذا الأمر، لانطلاقهم من موقع المثقف الملتزم، «العضوي» وفقا لأنطونيو غرامشي، «النموذجي» كما يريده فرانز فانون الذي رأى أن المثقف «يتولى التفاوض بين الشعب وإجمالي الأمة، غالبا ضد البرجوازيين القوميين، نظريا وعمليا، بينما يرتبط أيضا بخشبة مسرح العالم». وهكذا صارت الأفلام الأفريقية نوعا من التأمل المعرفي والجمالي والنقدي للذات الأفريقية وللعالم.

صوت أفريقي في الأقصر

ناقدة هندية تقرأ القارة السمراء بعيون مخرجيها
إخلاص السينما الأفريقية لرسالتها يدفعها للنأي عن السينما التجارية

تسهم أفريقيا في الإنتاج السينمائي بنصيب كبير، فبعد صناعة مؤسسية مستقرة للسينما المصرية منذ بدايات ثلاثينات القرن العشرين، تشهد نيجيريا غزارة إنتاجية من خلال «نوليوود»، كما توجد في غانا «غوليوود»، وكلتا الدولتين تقدم أفلاما فنية وتجارية، ويضاف إلى إنتاج الأفلام تنظيم مهرجانات للسينما الأفريقية، أقدمها المهرجان البانافريقي للسينما والتلفزيون – واغادوغو، أو «فيسباكو» «FESPACO» الذي أقيمت دورته الأولى عام 1969 في بوركينا فاسو. وعلى خطى مهرجان «فيسباكو» تقام مهرجانات للسينما الأفريقية في المغرب وتونس وغيرهما، وتنظم مؤسسة شباب الفنانين المستقلين بمصر، سنويا منذ عام 2012، مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، أحد المكاسب النادرة الباقية من آثار ثورة 25 يناير 2011. وفي دورته التاسعة التي افتتحت في 6 مارس 2020 أصدر المهرجان كتاب «السينما الأفريقية المعاصرة وسينما الشتات» واستضاف مؤلفته أنجلي برابو للمشاركة في لجنة تحكيم مسابقة أفلام الدياسبورا (الشتات) وهي المسابقة الوحيدة التي تتنافس فيها أفلام غير أفريقية. وكان لي شرف المشاركة في لجنة التحكيم التي ضمت كلا من الناقد بيتر روفيك (جنوب أفريقيا) والناقد المنتج بيدرو بيمنتا (موزمبيق – البرتغال).

إصدار كتاب «السينما الأفريقية المعاصرة وسينما الشتات» جزء من فلسفة مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، منذ بدايته عام 2012، إذ يحرص على تكوين مكتبة سينمائية أغلبها مترجم من الإنجليزية والفرنسية عن السينما وتياراتها وروادها ورموزها في أفريقيا. والكتاب الجديد -الذي ترجمه كل من سهام عبدالسلام ومحمد مراد- نشر عام 2014، ومؤلفته أنجلي برابو (Anjali Prabho) ناقدة هندية تقيم في أميركا، وتعمل أستاذة دراسات السينما والإعلام والأدب المقارن والدراسات الفرنسية والفرانكفونية في كلية ويلسلي بالولايات المتحدة، ولها دراسات ومؤلفات منها كتاب «التهجين: الحدود، التحولات، الآفاق» 2007. وكان مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية قد أعلن الفائزين بجوائزه مبكرا في مؤتمر صحافي قبل يوم من الموعد المقرر للختام، إذ أدت الإجراءات الوقائية لمنع انتشار فايروس كورونا إلى إيقاف أنشطته الجماهيرية بعد عرض نحو 70 في المئة منها. وبعد استكمال العروض للجان التحكيم والنقاد والصحافيين، أقيم في الهواء الطلق، بفندق شتيجنبرجر المطل على نهر النيل، حفل استقبال حضره رئيس المهرجان سيد فؤاد، ومديرة المهرجان عزة الحسيني، ونقاد ومخرجون وصحافيون للاحتفال بصدور الترجمة العربية للكتاب. وانتهى الحفل بتوقيع المؤلفة أنجلي برابو كتابها للحضور.

أفريقيا المهمشة

أنجلي برابو ناقدة هندية تقرأ القارة السمراء بعيون مخرجيها
أنجلي برابو ناقدة هندية تقرأ القارة السمراء بعيون مخرجيها

لا يستطيع قارئ الكتاب أن يغفل إشارة المترجمة سهام عبدالسلام، في المقدمة، إلى اعتمادها «الترجمة الجندرية» غير الموجودة في النص الإنجليزي. جهدٌ ضائع بدا تعسّفا يثقل الترجمة بازدحام إلحاق النساء بالرجال «الأفراد يسهمون ويُسهمْن في هيكل السلطة التي تسودهم وتسودهن»، «أهل أفريقيا الذين واللاتي طال تهميشهم وتهميشهن، وأسيء فهمهم وفهمهنّ، وتعرضوا وتعرضن للإهمال. وهو بذلك يعطي المتفرجين والمتفرجات الفرصة للوقوف خارج أنفسهم وأنفسهن»، «وصاروا هم أنفسهم وهن أنفسهن مخرجين ومخرجات سينمائيين وسينمائيات مستقلين ومستقلات: منهم ومنهن…»، «عثمان سيمبين أدرك مبكرا أن له قدرة كبيرة على التحكم في المتفرج والمتفرجة»، «جمهور مشاهدي ومشاهدات الأفلام.. الذين واللاتي يعيشون ويعشن في أفريقيا وفي الشتات… وما زالت علاقاتهم وعلاقاتهن بها قوية، مما يرجح أنهم وأنهن قد يرحلون ويرحلن عائدين وعائدات إلى وطنهم ووطنهن، لكن معظم المخرجين السينمائيين والمخرجات السينمائيات المذكورين والمذكورات.. يشتركون ويشتركن في فكرة…».

وتبدو بصمة كلا المترجميْن بوضوح واختلاف، فالفصول الأخيرة تخلو من هذه الترجمة الجندرية، وتشير إلى تلقائية المترجم محمد مراد، ومن هذه النماذج «تمت دعوة المشاهد للمشاركة في أفكار المخرج»، «تتم دعوة المشاهد لإعادة التفكير في موقع أفريقيا من السينما»، «دراسة يتولاها أي مشاهد من مشاهدي الأفلام»، «الفضول الطبيعي للمواطنين المنتجين».

المؤلفة أنجلي برابو التي يعنيها «الإنسان» لم تنشغل بالقضية الجندرية، ولم تفرّق بين ذكر وأنثى، بل فرّقت منذ البداية بين سينما تجارية تنافس الصناعة في هوليوود وبوليوود وتستهدف الربح السريع بمداعبة الجمهور، وسينما فنية تجد صعوبة في عرض أفلامها في القاعات الكبيرة، وتنقذها المهرجانات. وإذا كانت السينما الأفريقية غير متاحة للأفارقة بسهولة، فإن هذا شأن «السينما الفنية في جميع أنحاء العالم بالفعل». وعبْر هذا الهامش الفني قطعت السينما الأفريقية شوطا طويلا، وأفادت من ثراء التجربة الإنسانية الأفريقية في أعمال «مدهشة تستفهم عن حقائق الواقع الأفريقي، والخيالات، والطموحات والإمكانات الأفريقية… السينما الأفريقية.. خلقت تاريخها بنفسها، وأنشأت علاقة مع الجمهور» بصور تختلف عن التمثيل العرقي للأفارقة في الأفلام التي صنعها الأوروبيون، لإرساء دعائم التحكم في الأفارقة، إذ منعت بلجيكا مواطني الكونغو من دخول السينما في بلدهم، ثم سمحت لهم بمشاهدة أفلام ينتجها البلجيكيون. وحظر القانون البريطاني الاستعماري على الأفارقة مشاهدة الأفلام الأوروبية والأميركية، بما فيها ما صوّر جزئيا في أفريقيا، وكان الوجود الأفريقي في هذه الأفلام مشوّها ويناسب التصور الكولونيالي للسود عموما. وأصدر وزير المستعمرات الفرنسي بيير لافال (1883 – 1945) «مرسوم لافال» الذي يمنع الأفارقة من صنع الأفلام، وظل القانون ساريا حتى عام 1960.

القضاء على الكولونيالية

أسهمت الفنون والثقافة في القضاء على الكولونيالية، وساءلت العولمة، وشككت في ربط التنمية المحلية بالحداثة الأوروبية كخارطة طريق وحيدة للتقدم. وأدركت النصوص الأدبية أهمية «الحاجة لإعادة اختراع أفريقيا في ما وراء هذا الماضي الكولونيالي»، كما سعت الأفلام الأفريقية الأولى إلى الهدف نفسه، وتحمّل قسطا من هذا الدور أبوالسينما الأفريقية، الأديب والمخرج السنغالي عثمان سيمبين (1923 – 2007)، منذ فيلمه الرائد «فتاة سوداء» عام 1966، «أول فيلم أفريقي حقيقي يمهد الأرض للكثير من الأفلام الروائية… هذا الفيلم حقا علامة طريق استفاد منها المخرجون والمخرجات الأفارقة بطرق متنوعة مباشرة وغير مباشرة». والفيلم مأخوذ من رواية قصيرة لسيمبين تنتقد العنصرية التي تواجهها الفتاة السنغالية دايووانا (الممثلة تيريز ديوب)، بعد ذهابها إلى فرنسا لانتقال مخدوميها إلى بلادهم. وفي الفيلم التسجيلي «الحمال الأسود» الذي أخرجته الجزائرية فاطمة الزهراء زعموم عام 2009 عن سيمبين، قالت تيريز ديوب إنها عانت النبذ، حتى من أمها، فالظهور على الشاشة لامرأة كانت فكرة «سلبية جدا، ومتفرنجة، بل منافية للدين». ثم اختار عدد قليل من النساء العمل بإخراج الأفلام.

احتل سيمبين حيّزا أكبر في هذا الكتاب؛ لريادته وتميزه واختلافه عن رواد أفارقة منتمين إلى النخبة في النظام الكولونيالي: كوامي نكروما الذي تعلم في أميركا وكان أول رئيس لغانا بعد الاستقلال، وليوبولد سيدار سنغور الذي درس في فرنسا وصار أول رئيس للسنغال. وجاء سيمبين من خارج تلك النخبة، بمساره «المبهر» لصبي تسرب من التعليم بالمدرسة، وأصبح عامل شحن وتفريغ في مرسيليا، ثم تعلم في ستوديوهات جوركي بموسكو، وكان يعي أن على المثقف مسؤولية نحو الناس، وبفضله منح السينما الأفريقية «حجر الزاوية للسينما التجديدية»، وشاهد الأفارقة أنفسهم على الشاشة، ووصلت الأفلام الأفريقية إلى الخارج، وشاهدها جمهور «تمت أفرقته». وعبَرت الأفلام الأفريقية الحدود في تصويرها وإنتاجها.

المخرح السنغالي عثمان احتل سيمبين احتل حيّزا أكبر في الكتاب لريادته وتميزه واختلافه
المخرح السنغالي عثمان سيمبين احتل حيّزا أكبر في الكتاب لريادته وتميزه

قبل سيمبين، أخرج السنغالي بولين فييرا، عام 1955، أول فيلم أفريقي عنوانه «أفريقيا على نهر السين» وصوره في باريس عن المهاجرين الأفارقة. ولكنه يختلف عن الأفلام الأفريقية المعنية بإبراز المعالم والأماكن والشخصيات والتقاليد والهوامش الاجتماعية والثقافية واللغوية الدالة على ثراء الواقع الأفريقي وقضايا الشتات. كما تناقش هذه الأفلام ما بعد التحرر، وتدفع المشاهد ولو كان غير أفريقي إلى «أفرقة عمليات التفكير» وتتبع القضايا والشخصيات الأفريقية كما في الفيلمين اللذين أخرجهما راؤول بيك عن الزعيم باتريس لومومبا أول رئيس وزراء منتخب للكونغو، وفيلم «كازانيكرا» الذي أخرجه المغربي نورالدين لخماري عام 2008، وفيه تبدو الدار البيضاء «وليمة من صور العنف والفقر» في مدينة أفريقية تخطو نحو حداثة منقوصة. كما تم رصد خيبات أمل ما بعد الاستقلال، والسخرية من النخبة الجديدة في فيلم «خالا» 1975، وفيه ينحاز سيمبين إلى الدور القيادي للنساء، ويسخر من المفهوم التقليدي للفحولة، وينتقد الرجولة المستلبة إلى الكولونيالية الجديدة، وفشل النخبة التي تواصل رعاية مصالح الرجل الأبيض. وإلى هذا المعنى يذهب فيلم «الغفران» 2004، للمخرج آيان غابرييل في تفكيكه لصورة الرجولة في جنوب أفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري. أما فيلم عبدالرحمن سيساكو «باماكو» 2006 فهو محاكمة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

سينما مخلصة

إخلاص السينما الأفريقية لرسالتها يدفعها للنأي عن السينما التجارية، لتصبح «في مصاف السينما الفنية من مختلف أنحاء العالم»، وعلى الرغم من الطابع الأيديولوجي لبعض هذه الأفلام، فإنها تنهل من المخزون الفيلمي الأفريقي، وتحمل المشاهد على التورّط بالتفكير في مستقبل هذه الشعوب.

 باستثناء أفلام قليلة من تونس والمغرب، يعنى الكتاب بأفريقيا جنوب الصحراء، وما أوردته المؤلفة عن السينما المصرية مجرد سطور، وإشارات متناثرة إلى أفلام لا تعبر عن طبيعة هذه السينما ومدارسها وتياراتها. والأمر نفسه بالنسبة إلى الجزائر ذات الرصيد الوافر في تحدي الإرهاب بالأفلام، وقبله الزهو بمقاومة الاستعمار الفرنسي، إذ تخطى الكتاب هذه الأعمال، واكتفى بإبراز فيلم «معركة الجزائر» للإيطالي جيلو بونتيكورفو.

16