السينما الألمانية تغيّر جلدها بجيل جديد من المخرجين الشباب

انتعاش جديد تشهده السينما الألمانية التي تعوّدت النبش في التاريخ والاستلهام منه فأصبحت تقدم موضوعات معاصرة تلامس المجتمع.
الجمعة 2021/03/05
"أنا إنسانك" قصة حب مبتكرة بين روبوت وباحثة عزباء

عَكَس فيلمان كوميديان عُرضا ضمن مهرجان برلين السينمائي في دورته الحادية والسبعين الوجه الجديد للسينما الألمانية واتجاهها نحو روح العصر، بعيدا عن المواضيع التاريخية الثقيلة، إذ يتناول أحدهما وهو “أنا إنسانك” علاقة حب بين رجل آلي وامرأة، فيما ينتقد فيلم “الدور التالي” سيئات التغييرات السريعة في طبيعة المدن الكبرى.

برلين- نادرا ما حظيت السينما الألمانية بحصة في لائحة الأفلام المتنافسة على جوائز مهرجان برلين السينمائي، كتلك التي حصلت عليها هذه السنة، إذ تتضمن الأعمال الخمسة عشر الساعية إلى “الدب الذهبي” خمسة أفلام من البلد المضيف الذي ينتمي إليه المخرجان الشهيران فريتز لانغ ووفيم فيندرز. وكانت المرة الأخيرة التي فاز فيها فيلم ألماني بالجائزة تعود إلى العام 2004، عندما نالها فاتح أكين عن فيلم “ارفع فوق”.

ومن أبرز الأعمال الألمانية التي تحضر في المهرجان الذي تنتهي فعاليات دورته الـ71، مساء الجمعة، وثائقي يتناول الاندماج الصعب للتلاميذ من أصل أجنبي بعنوان “السيد باخمان وفريقه”، وهو مقتبس عن رواية تعليمية في برلين خلال عشرينات القرن الماضي، وكذلك قصة حب شاعرية “ماذا نرى عندما ننظر إلى السماء؟”.

رؤى مغايرة

حفل المهرجان في دورته الجديدة بتقديمه عملين كوميديين، قطعا نهائيا مع السينما الألمانية التي تعوّدت النبش في التاريخ والاستلهام منه، وهما “أنا إنسانك” و”الدور التالي” اللذان تناولا موضوعين معاصرين وعالميي الطابع.

عبر قصة حب مبتكرة بين رجل آلي يشبه الإنسان وباحثة عزباء، استعرضت المخرجة ماريا شريدر في فيلمها الجديد “أنا إنسانك” حكاية فانتازية، ينبغي فيها أن يتكيّف الروبوت بفضل ذكائه الاصطناعي مع أذواق شريكته ورغباتها، وبالتالي يصبح رفيقها المثالي، إلّا أن لاعقلانية البشر تجعل أحيانا من الصعب على الآلة فهم العلاقات الاجتماعية.

طاهر علوان: المخرجون الشباب من أصول مهاجرة غيّروا وجه السينما الألمانية

وفي لقائها بالصحافيين بعد عرض فيلمها، قالت شريدر التي برزت في مسلسل “أنورثوذكس” عبر نتفليكس، إنها انجذبت “إلى بساطة الإخراج”، وهي التي تناول عملاها السابقان مواضيع درامية.

وأضافت الممثلة والمخرجة البالغة 55 عاما عن الفيلم الروائي الثالث الذي تتولى إخراجه “يبدو الأمر كما لو أن صبيا يلتقي فتاة. لكن في الحقيقة، إنها فتاة تلتقي صبيا وهو صبي آلي”.

وأكّدت شريدر التي استلهمت فيلمها من قصة قصيرة، إنها سمعت بالقصة ولم تعرف أول الأمر بـ”امرأة تلتقي برجل روبوت”، وأضافت أن القصة أثارت اهتمامها، وأن ما كان مثيرا لديها هو أن المرأة ليست هي الآلة بل الرجل.

وأوضحت أن فيلمها يتتبّع سؤال حول ما إذا كان من الممكن لشخص “غير كامل مثلنا، ولا يمكنه أن يموت أو يمرض أن يصبح شريكا يجود لشريكه بالأنس، وهل يمكن تطوير آلة إلى الحدّ الذي تصبح معه شريكا على قدم المساواة مع الإنسان بل وربما أفضل منه؟”.

ومن جانبها، قالت مارين إيجرت بطلة الفيلم إنها تستطيع أن تتفهّم شكوك الشخصية التي لعبتها “ربما أفكّر فعليا في أن أقنع نفسي بهذا”، كما وصف دان ستيفنس بطل الفيلم دوره بـ”الممتع”.

وتبدو العاصمة الألمانية التي صوّر فيها الفيلم الصيف الماضي مكانا مفتوحا على كل الاحتمالات.

ووسط الديكور البرليني عينه، جرت أحداث فيلم “الدور التالي”، وشكّلت برلين الموضوع الرئيسي لهذه الكوميديا الساخرة التي تصف عملية التحسين المتسارع للمدينة الذي تنتج عنه توترات بين المقيمين منذ مدة طويلة والوافدين الجدد الذين ينجذبون إلى مدينة ديناميكية وغير مكلفة.

في هذا الفيلم، يصوّر الممثل دانيال برول في روائيّه الطويل الأول كمخرج، نفسه في نوع من السيرة الذاتية، حيث يواجه “برلينيّ” جديد تناقضاته. وقال المخرج البالغ 42 عاما “أنا رجل نرجسي عديم الجدوى، لكنني لست سيئا مثل الرجل الذي نراه في الفيلم”.

دماء شابة

حكاية فانتازية
حكاية فانتازية

يؤكّد الناقد العراقي طاهر علوان أن السينما الألمانية باتت تتجه منذ بضع سنوات اتجاهات متعددة، تكاد تتبلور فيها هوية جديدة تتجاوز الأساليب التي سادت من قبل والإرث الذي خلفه السينمائيون المكرّسين مثل وولكر شولندروف وويرنر هيرزوغ وفاتح أكين ومارغريت تروتا ووفيم فيندرز وغيرهم.

ويوضّح “هو ليس تجاوزا بمعنى الانكفاء بل البناء على ذلك الإرث الكبير والرصين، لكن السينما اليوم تغيّر ثوبها وتقترب من جيل جديد لجمهور فن السينما، هو أكثر واقعية وبساطة وملامسة للحياة اليومية، مع مسار ثان يفتح الأبواب لجيل من المخرجين الشباب من أصول مهاجرة”.

ووفق هذين المسارين تحقّق السينما الألمانية انتعاشا جديدا وتقترب من الموضوعات التي تلامس المجتمع الألماني بشكل يومي وفي مقدّمتها موضوعات الهجرة والاندماج والعلاقات الاجتماعية التي برزت حديثا من منطلق كون المجتمع الألماني قد استقبل ملايين المهاجرين من مختلف الأعراق، وبهذا لم تعد الموضوعات تتعلق بالحياة الألمانية في شكلها المعتاد بل باتت تخوض في حياة الآخرين وما حملوه من بلدانهم.

ويوضّح علوان “يمكننا أن نذكر هنا أمثلة حية لما يتعلّق بالجيل الجديد من المخرجين من أبناء العائلات المهاجرة ومنهم المخرجة مريم زاري، وهي من أصل إيراني، وعرفت بفيلمها الوثائقي: أفين، والمخرج برهان قرباني، وهو من أصل أفغاني، وفيلمه الروائي الطويل: برلين ألكسندر بلاتس، والمخرجة ناتاليجا يفكمينا ذات الأصول الأوكرانية وفيلمها: مرآب الناس، والمخرج ألكير تشاتاك، وهو من أصل تركي، الذي عرف بفيلمه: أنا كنت أنا سوف أكون، والمخرج دانيال ثيلر، وهو تركي الأصل أيضا، وعرف بفيلمه: الذاكرة العالية، والمخرجة رندا شهود، وهي من أصل سوري، وعرفت بفيلمها: متمرد بالصدفة. هذا دون الحديث عن المخرجين الألمان الشباب الذين جاؤوا إلى الوسط السينمائي حاملين معهم روحا ورؤى جديدة، ومنهم كارمن لوسمان ومايكل فينوس وكارولينا هيلغارد وتيم دونتشيد وزيسكا ريمان وغيرهم”.

السينما الألمانية باتت اليوم أخفّ ممّا كانت عليه، حيث تحتضن أنواعا مختلفة مثل الخيال العلمي أو أفلام الإثارة

ويرى الناقد السينمائي سكوت روكسبورو من “هوليوود ريبورتر” بدوره أن الأفلام الجديدة المعروضة في مهرجان برلين الحادي والسبعين، هي دليل على تجدّد السينما الألمانية، ملاحظا أنها باتت أخفّ ممّا كانت عليه، حيث أضحت تحتضن أنواعا مختلفة مثل الخيال العلمي أو أفلام الإثارة أو الكوميديا الرومانسية.

وكان فيلم “توني إردمان” للمخرجة الألمانية مارين آدي، باكورة توجه السينما الألمانية نحو روح الفكاهة اللاذعة، وهو الذي نال جائزة النقاد عام 2016 في مهرجان كان السينمائي.

وقال الناقد روكسبورو إن هذا التوجه بعيد عن “اللقطات الطويلة التي تظهر الفراغ العاطفي أو أناسا يناقشون الفلسفة”، في إشارة إلى الصور النمطية للسينما الألمانية. ولاحظ أن “جيلا جديدا من المخرجين الألمان الموجودين على الساحة، هم مستعدون للقيام بالأمر بشكل مختلف قليلا”.

ولكن هل يمكن أن تحقّق أفلام المهرجانات هذه نجاحا شعبيا، كالنجاحات الأخيرة لعدد من المسلسلات الألمانية؟ فهذه المسلسلات ومنها “بابيلون برلين” و”داكن” و”برلين 56″ و”دويتشلاند 89/86/83″ و”كلاب برلين” و”أنورثوذكس”، أعادت ألمانيا إلى الواجهة في الآونة الأخيرة.

وفي السينما، كانت آخر نجاحات ألمانيا، لا تزال غارقة في تاريخ البلد، من خلال مواضيع كالحرب الباردة وإرثها في فيلم “حياة الآخرين” (2006)، و”وداعا لينين!” (2003) الذي شكّل انطلاقة الممثل دانيال برول.

16