السينما التونسية أمام تحدي فرض وجودها عالميا

ضعف الدعم الحكومي يجبر السينمائيين على قبول التمويلات المشروطة لشركات الإنتاج الأجنبية.
الأربعاء 2021/04/07
فيلم "الرجل الذي باع ظهره" يدخل تونس سباق الأوسكار

يحفز وصول أعمال سينمائية تونسية إلى المهرجانات العالمية العريقة مثل فيلم “الرجل الذي باع ظهره” الذي سينافس على جواز الأوسكار قريبا، السينمائيين الشباب على اقتحام أبواب العالمية بخطوات واثقة، إلا أن طموحاتهم الفنية تصطدم بالعديد من الصعوبات والتحديات التي مردها ضعف مصادر التمويل. وفي ظل تواضع الدعم الحكومي يجد المنتجون والمخرجون أنفسهم مجبرين على قبول التمويلات المشروطة لشركات الإنتاج الأجنبية التي تحدّ من حريتهم ورؤيتهم الخاصة لأعمالهم.

تونس - يشكل وصول الفيلم الروائي “الرجل الذي باع ظهره” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية للتصفيات النهائية لجوائز الأوسكار المزمع الإعلان عنها خلال الحفل السنوي الذي تستضيفه لوس أنجلس في الـ25 من أبريل الجاري، خطوة غير مسبوقة في تاريخ السينما التونسية.

وفيما يبعث هذا الترشيح رسالة تفاؤل بقدرة الأعمال الفنية التونسية على طرق أبواب العالمية والمنافسة في أعرق المهرجانات الدولية وأشهرها، إلا أن الصعوبات المالية وضعف الدعم الحكومي، على غرار الأزمات المتعلقة بالسيناريو والإنتاج، تمثل تحديات حقيقية من شأنها أن تعوق طريق السينما التونسية نحو تحقيق جماهيرية واسعة وفرض وجودها عالميا.

ويتنافس الفيلم التونسي للفوز بجائزة أوسكار ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي مع “أناذر راوند” (الدنمارك) و”بيتر ديز” (هونغ كونغ) و”ولكتيف” (رومانيا) و”كو فاديس، عايدة” (البوسنة)، بحسب قائمة الترشيحات للدورة الـ93 من هذا الحدث. ويتناول الفيلم من خلال قصة لاجئ سوري التلاقي العنيف بين عالمَي اللاجئين والفن المعاصر.

وكتبت مخرجة الفيلم كوثر بن هنية وباللغة الإنجليزية على صفحتها الشخصية في فيسبوك “يشرفني أن أقدّم لتونس أول ترشيح للقائمة النهائية لأوسكار أفضل فيلم دولي. أمر لا يصدق لكنه حقيقي”.

وفيما تصف المخرجة التونسية الترشيح بأنه “حدث عظيم غير مسبوق في السينما التونسية”، فإنها تأسف إزاء نقص الدعم الرسمي للقطاع السينمائي في بلدها، وهي معضلة حقيقية بالنسبة إلى القطاع الثقافي ككل، حيث أن العديد من الأعمال التونسية المتوجة في الآونة الأخيرة في المسابقات الدولية أغلبها من إنتاج فردي بشراكة مع شركات إنتاج أوروبية.

وكاد فيلم “الرجل الذي باع ظهره” ألا يرى النور بسبب صعوبة تجميع موازنة الفيلم التي بلغت 2.5 مليون يورو، بحسب منتجي العمل التونسيين الذين يبدون تفاؤلا حيال النتيجة المتوقعة في حفل الأوسكار، رغم ضعف إمكاناتهم الترويجية في مواجهة الأعمال المنافسة التي يحظى بعضها بدعم جهات عملاقة.

ضعف التمويل

مهدي هميلي: الممولون الأجانب يفرضون شروطهم على الأعمال السينمائية التونسية
مهدي هميلي: الممولون الأجانب يفرضون شروطهم على الأعمال السينمائية التونسية

تأمل بن هنية أن تشكّل تجربتها مدخلا إلى “تغيير مفهوم المنتجين في ما بعد وتوفّر فرصا أخرى لتقديم أعمال مشابهة”.

ولم تتردد المخرجة وكاتبة السيناريو الأربعينية في دعوة سلطات بلدها إلى تعزيز الاهتمام بالسينما، معربة عن أملها في أن يشكل هذا “التميز حافزا لمزيد من دعم السينما والإحاطة بالسينمائيين”. وقالت “غالبية أعمالنا ننجزها تقريبا بمفردنا” في تونس.

وتؤكد أوساط ثقافية أنه في ظل ضعف التمويل الحكومي يصعب تطوير قطاع السينما في البلاد، فيما يجد السينمائيون أنفسهم مجبرين على قبول التمويلات المشروطة لشركات الإنتاج الأجنبية التي تحد من رؤيتهم وتصوراتهم الخاصة لأعمالهم.

ولطالما أبدى الفنانون تنديدهم بضعف الموازنة المخصصة لوزارة الثقافة وقد أثار تقليصها في السنة الجارية إلى 0.68 في المئة من موازنة الدولة العامة انتقادات واسعة، فيما يشكو الفنانون من استمرار تهميش القطاع، ويرى هؤلاء أن الثقافة خارج حسابات الحكومة المنهمكة في معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويلفت الفنانون إلى أن القطاع الثقافي تضرر أعقاب ثورة يناير، حيث كانت كلفة الانتقال الديمقراطي باهظة ودفع كلفتها العاملون بالقطاع كبقية القطاعات الأخرى. واستند هؤلاء إلى انخفاض الموازنة المخصصة للثقافة إلى النصف منذ سنة 2011 تاريخ اندلاع ثورة يناير.

وعلى الرغم من مساعي الفنانين تجاوز حالة الركود الفني عبر إنتاج أعمال وثائقية وسينمائية تحاكي التغيرات السياسية بالبلاد، إلا أن الحصول على الدعم بهدف تمويل هذه المشاريع لم يكن هينا، وخضع إلى الانتقائية والمحسوبية.

وسبق أن أشار فنانون أن المنح التي تخصصها وزارة الثقافة لدعم الأفلام السينمائية ليست متاحة للجميع، حيث تحتكر الوجوه المعروفة هذا القطاع على حساب المواهب الصاعدة.

Thumbnail

ودفعت هذه الصعوبات إلى إطلاق دعوات بضرورة البحث عن مصادر تمويل أخرى لتمويل السينما التونسية، حتى يتغلب الشباب خاصة على حالة الإحباط في ظل تواضع الإمكانيات ومحدوديتها.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن شيراز العتيري المديرة العام للمركز الوطني للسينما والصورة قولها إنه على” القطاع السينمائي أن يتحرر من الدعم المباشر للدولة”، وأنه على هذا الدعم أن “يأخذ طرقا وأساليب أخرى”. حسب تعبيرها.

وسلطت العتيري الضوء على المبادرات الفردية في تمويل الأفلام التونسية والتي تتعلق أساسا بالإنتاج المشترك.

مع ذلك يرصد المتابعون صعوبات في الحصول على مصادر تمويل جديدة، وهي على الأغلب ستتأتى من الشركات الأجنبية التي ستفرض شروطها على العمل وستمارس ضغوطها على المخرج وستؤثر على هوية الفيلم الحقيقية.

محمد الفريني: زيادة قاعات السينما من شأنها أن تعالج ضعف مصادر التمويل
محمد الفريني: زيادة قاعات السينما من شأنها أن تعالج ضعف مصادر التمويل

كما يرصد هؤلاء غياب القوانين الناجعة القادرة على دعم قطاع السينما، حيث أن التشريعات الموجودة غير قادرة على تنظيم العلاقة بين المنتجين والموزعين والتمويل، ما من شأنه أن يضفي الفوضوية على المشهد الثقافي.

ويشير محمد الفريني وهو منتج وموزع أفلام في حديثه لـ”العرب” أنه “في الوقت الذي يريد فيه المخرج والمنتج الدفاع عن مشروعه الفني، لا يجد أمامه سوى عروض من شركات إنتاج لبلدان أجنبية التي تمنحه التمويلات حتى يرى عمله النور.”

ولاحظ أن الأعمال التونسية التي وصلت إلى العالمية كانت بفضل دعم شركات الإنتاج الأجنبية التي وفرت الإمكانيات والحلول لتمويل العمل. مستدركا “لا نستطيع أن نعدّ فيلما تونسيا مئة بالمئة دون الاستعانة بالإنتاج الأجنبي”.

وفيما يقر بالتطور اللافت الذي شهدته السينما التونسية في السنوات الأخيرة مع ترشيح أكثر من فيلم إلى جوائز دولية مهمة، آخرها فيلم ” الرجل الذي باع ظهره” فإنه يراه “سابقة تاريخية” ورغم أن فيلم “نحبك يا هادي قد سبقه ” في مهرجان برلين سنة 2017، إلا أن هذه التتويجات لا تحجب حجم التحديات التي تعصف بقطاع السينما.

ويرى أن ضعف قاعات السينما من التحديات القوية التي تواجه القطاع خاصة أن هناك إقبالا جماهيريا على متابعة الأعمال المحلية أو الدولية فيما يزال عدد القاعات ضئيلا.

وحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الثقافة فقد ارتفع نسق زيارة القاعات السينمائية بشكل ملحوظ بين سنتي 2013 و2015 وذلك من 22680 إلى 27000 متفرج، وهو ما اعتبره الفريني تطورا كبيرا ولافتا رغم محدودية قاعات السينما في البلاد.

وفي تقديره فإن زيادة قاعات السينما من شأنها أن تعالج ضعف مصادر التمويل، ومع تحقيق عائدات مالية مهمة سينعكس ذلك إيجابيا على العلاقة مع الجمهور وعلى مستوى وجودة الأعمال السينمائية.

واستحضر الفريني الإقبال الجماهيري على أول فيلم رعب تونسي “دشرة” الذي وصل إلى 300 ألف متفرج. وبرأيه “في بلد لا يملك إلا عشرين قاعة سينما فهو رقم مذهل” وعلق “فتح عدد أكبر من قاعات السينما يمثل تحديا حقيقيا”.

سينما جديدة

شيراز العتيري: على القطاع السينمائي أن يتحرر من الدعم المباشر للدولة
شيراز العتيري: على القطاع السينمائي أن يتحرر من الدعم المباشر للدولة

على رغم الصعوبات، فإن السينما التونسية حققت تطورا لافتا خلال السنوات الأخيرة من خلال أعمال متنوعة حاولت أن تنقل واقع البلاد أعقاب ثورة يناير، والتغيرات السياسية والاجتماعية التي رافقت مرحلة الانتقال الديمقراطي الصعبة. ومنذ العام 2012 سجلت نقلة نوعية وصارت تنتج سنويا 12 فيلما طويلا لاقى معظمها استحسان الجمهور محليا وعربيا ودوليا، كما نالت جوائز في مهرجانات سينمائية شهيرة.

ونجح جيل شاب من السينمائيين والمنتجين التونسيين مواضيع اجتماعية وسياسية كانت تخضع للرقابة المشددة قبل ثورة العام 2011 وتقديمها في طرح جريء، مساهمين في ظهور سينما جديدة بالرغم من قلّة صالات العرض وإنعاش الحياة الثقافية في البلاد.

وساهم هذا الجيل الجديد في مصالحة التونسيين مع الفن السابع من خلال كسر النمطية في الأفلام السينمائية ونقل الواقع بطرق غير تقليدية. وشكل اقتحام أفلام الرعب نقلة نوعية في السينما التونسية.

ونجح المخرج الشاب عبدالحميد بوشناق في تحقيق رقم قياسي في السينما التونسية بفيلمه الأول “دشرة” بعد أن تجاوز عدد المتفرجين 100 ألف شخص في 17 يوما فقط. كما يعدّ هذا الفيلم أول فيلم تونسي يحقق أرباحا تجارية ويغطّي تكاليف الإنتاج.

وقد تمت كتابته وتصويره وعرضه للمشاهدين في أقل من عام وهو وقت قياسي آخر.

وتؤكد الأوساط الثقافية في تونس أن هذا الجيل بوسعه تخطي الصعوبات المالية واقتحام العالمية بخطوات واثقة وثابتة. وأشار المخرج التونسي مهدي هميلي في حديثه لـ”العرب” أن “السينما التونسية قادرة على اقتحام العالمية والدليل على ذلك تواجد الأفلام الجديدة للجيل الجديد في المهرجانات الكبرى”.

وأضاف أن الجيل الجديد أعاد للسينما التونسية هيبتها السابقة خاصة في سنوات التسعين من القرن الماضي، حيث شهد المشهد الثقافي انتعاشة لافتة آنذاك. وفيما لم يحسن الجيل القديم استغلال الرقمنة وتفضيله صناعة أفلام بأموال باهظة ما جعله يقع في فخ التكرار، فقد وظف الجيل الجديد التقنيات الحديثة لصالحه في صناعة أفلام بروح عصرية، حسب تعبيره.

ولفت المهيلي إلى أن وصول السينما التونسية إلى العالمية بات واقعا في السنوات الأخيرة، على الرغم من نقص الدعم الحكومي.

وعلى الرغم من أن الشباب التونسي هو من قاد الثورة إلا أن مطالبه مازلت مهمشة من ضمنها نصيبه من الفن والثقافة.

ويشير هميلي إلى أن السينما جزء من هذا التهميش وهي انعكاس لمشاكل المجتمع والطبقة السياسية.

وأوضح هميلي أن الحكومة لا تزال تمنح دعمها للأفلام السينمائية الطويلة بنفس النسبة المخصصة في السنوات الماضية دون مراعاة الفوارق الزمنية وغلاء المعيشية وارتفاع رواتب الممثلين والتقنيين. وهو ما يضطر المنتجين والمخرجين إلى الإقبال على إنتاج أفلامهم بتمويل أجنبي. مستدركا “لكن الحصول على تمويل أجنبي يتطلب شبكة من العلاقات القوية وتطوير السيناريو في ورشات كبيرة، وقد يأخذ تصوير فيلم بمقاييس هذه الشركات أكثر من ثلاث سنوات”.

عدد قاعات السينما مازالا ضئيلا في تونس
عدد قاعات السينما مازالا ضئيلا في تونس

وكانت وزارة الثقافة التونسية قد أعلنت عن استراتيجية جديدة من أجل دفع الحياة الثقافية في مختلف المجالات و”إبراز الهوية التونسية للعالم”. وأقامت “يوما مفتوحا لمناقشة قانون الفنانين والمهن الفنية” الذي يطالب به أهل الاختصاص، مع ذلك لم تنجح في تخفيف مصاعب قطاع السينما في البلاد.

وعلى غرار مشاكل الإنتاج تتعرض السينما في تونس إلى مشاكل في الدعاية والترويج. وكشف هميلي إلى ما يتعرض له المخرج من صراع مع الممولين الأجانب الذين يريدون فرض آرائهم في العمل والتدخل في القصة والشخصيات وحتى نهايات الفيلم.

وأردف “هو صراع حقيقي”. وزاد متسائلا “لماذا لا يمنحنا بلدنا التمويل ونتخلص من قيود الممولين الأجانب هذه”.

مع ذلك، يعتقد هميلي أن الوضع أفضل مما كانت عليه السينما في السابق، وذلك بفضل إصرار الجيل الجديد على تجاوز الصعوبات وإيصال إعماله وإبداعه إلى العالمية.

ويعكف هميلي على تصوير فيلم “ستريمز” وهو شريط روائي طويل من إنتاج مشترك بين تونس وفرنسا ولكسمبورغ. وسيشارك الفيلم في مهرجانات دولية ومن المقرر عرضه في أواخر الموسم الصيفي.

وحققت السينما التونسية قفزة لافتة في السنوات الأخيرة خاصة مع بدء منصة نتفليكس العام الماضي بعرض أفلام تونسية.

واستهلت نتفليكس العروض التونسية ببث فيلم “على كف عفريت” لكوثر بن هنية الذي يتطرق إلى صعوبات واجهت امرأة تونسية تعرضت للاغتصاب، وهو مقتبس من واقعة اغتصاب أمنيين لفتاة هزت الرأي العام في تونس العام 2012. وتلاه عرض فيلم “دشرة” ثم فيلم “نورا تحلم” للمخرجة التونسية هند بوجمعة والذي يعالج مسائل حساسة ومحظورة اجتماعيا.

12