السينما الحديثة وموجة العودة إلى المسرح

الأحد 2015/01/18
"حياة رايلي" عندما يحاول المثقف إثناء العسكري النازي عن تدمير حضارة باريس وتنجح الدبلوماسية

خلال العصر الأول لظهور الفن السينمائي، كان الاهتمام الأساسي لدى السينمائيين موجها إلى الصورة، تكوينها وتفاصيلها الدقيقة والحركة في داخلها، باعتبار أن فن الفيلم- أولا- ظهر كتطور لفن التصوير الفوتوغرافي، كما أنه ثانيا، فن الصور المتحركة، وهو التعبير الذي أطلق على الأفلام السينمائية، في الولايات المتحدة (motion pictures).

كان رائد السينما الفرنسية جورج ميليس يصنع أفلاما مبهرة، مليئة بالحركة والخيال مثل فيلمه الأشهر “رحلة إلى القمر”، الذي صوره وأخرجه عام 1902، وكان كوليشوف في روسيا يقوم بتجاربه الشهيرة التي تعتمد على تركيب الصور المتناقضة، ومن بعده جاء تلميذه بودوفكين، ثم جاء أيزنشتاين أعظم التجريبيين، وفي أميركا كان غريفيث يحرك الكاميرا ويخترع اللقطة القريبة، واللقطة المتحركة (ترافلينغ) وينقل الفيلم خارج جدران الأستوديو، ويعيد اكتشاف أميركا.

أما بعد دخول الصوت إلى الفيلم، وظهور الفيلم الناطق، فقد بدأ التركيز على الكلمة، وهنا برز كثيرا دور كتّاب السيناريو والحوار، بل وأيضا دور الممثل الذي كان يأتي أساسا من المسرح، وما تبع ذلك من ظهور ما عرف بـ”نظام النجوم” فيما بعد، أي نجوم التمثيل الذين جاؤوا من المسرح للوقوف أمام الكاميرا واستعراض قدراتهم الكبيرة في الأداء، وتمّ إهمال الصورة والحركة إلى حد كبير، فقد أصبحت السينما تعيش عصر “المسرح المصور”.


رد الاعتبار للصورة


مع ظهور مدارس سينمائية جديدة مثل الواقعية الشعرية، والواقعية الاشتراكية، والواقعية الجديدة، وكلها تتنافس على لقب “الواقعية”، وتسعى لتأكيد علاقة الصورة بالواقع، عاد الاهتمام بالصورة السينمائية، وأعيد الاعتبار إلى فنّ الفيلم الذي أصبح المؤرخون والمنظرون ينظرون إليه باعتباره فنا قائما بذاته، فن الصورة والحركة في المقام الأول، مع الاستفادة بالطبع، من إمكانيات الحوار لكي يؤدّي وظيفة تختلف كثيرا عن وظيفته في المسرح.

وبعد أن أشبعت مدارس التجديد الفيلم السينمائي تجريبا وتطويرا، في اتجاه “السينما الخالصة” حينا، أو “سينما الحقيقة” حينا آخر، ثم بروز وتعاظم قوة الفيلم التسجيلي، والتخلي عن التصوير داخل الأستوديو والاعتماد على التصوير الخارجي أكثر فأكثر، أصبحت السينما تشهد نكوصا في اتجاه المسرح، أي عودة إلى غلبة الحوار، والاعتماد على التصوير داخل ديكور واحد مغلق، وإهمال التنوع في الصورة والحركة، واستخدام نوع آخر من المونتاج، يجعل الحركة داخل المشهد حركة تعاقب للصور في نسق معين، والانتقال من ممثل إلى آخر داخل نفس الديكور، مع المحافظة على رؤية محددة للمنظور، ولعلاقة الممثلين ببعضهم البعض، وعلاقتهم كذلك، بقطع الديكور. وهو نوع من التحدي الذي جذب عددا كبيرا من كبار السينمائيين في العالم.

هنا تعاظم بالضرورة دور الممثلين، فقد رأينا مثلا، ممثلا يلعب دوره منفردا أمام الكاميرا، في فيلم يبلغ زمن عرضه ساعة ونصف الساعة، مثل “الشرف السري” (Sectert Honour) 1984لروبرت ألتمان، يقوم فيه الممثل فيليب بيكر هول، بدور الرئيس ريتشارد نيكسون وهو يجلس منفردا بنفسه داخل حجرة مكتبه بالبيت الأبيض، بعد أن وصلت “فضيحة ووترغيت” إلى ذروتها وأصبح لزاما عليه أن يقدم استقالته. ثم رأينا الممثل الإنكليزي بوب كنغدوم يقوم بدور الشاعر ديلان توماس في فيلم “ديلان توماس: رحلة العودة” (1990) (Dylan Thomas: Return Journey) الذي أخرجه الممثل البريطاني الشهير أنطوني هوبكنز، وهو مأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه. ويدور الفيلم بأكمله في ديكور واحد ويعتمد على الأداء الفردي للممثل. وحديثا، شاهدنا الفيلم البديع “كل شيء ضاع″(All is Lost) الذي أخرجه الأميركي ج .س .شاندور، وقام ببطولته منفردا الممثل روبرت ردفورد. وهو فيلم سينمائي يدور في موقع واحد حيث نرى رجلا تُرك وحيدا في قارب صغير في عرض البحر، يواجه الأمواج العاتية والعواصف القاسية، وكأنه يواجه القدر. والفيلم دون حوار، ويعتمد على الأداء الصامت، أي على التعبير بحركة الجسد والنظرات فقط من جانب الممثل.

الفيلم الممسرح أقرب إلى "التمثيلية التليفزيونية" التي تعتمد على ديكورات مغلقة وممثلين محدودي العدد وعلى الحوار، كما تعتمد على اللقطات القريبة والمتوسطة بدلا من المناظر العامة المبهرة


مذبحة بولانسكي


وعلى مستوى الأفلام التي تدور في ديكور واحد ومن خلال إخراج سينمائي يراعي كثيرا تقاليد المسرح، ويعتمد على التمثيل، رأينا حديثا الفيلم الذي أخرجه رومان بولانسكي وهو فيلم “مذبحة” (2011)(Carnage) الذي يدور بأكمله داخل غرفة استقبال في منزل أسرة أميركية، ويتبارى بالتمثيل فيه أربعة من أفضل الممثلين هم: جودي فوستر وكيت ونسليت وكريستوف فالتز وجون ريلي. والفيلم مقتبس مباشرة من مسرحية شهيرة تحمل عنوان “ربّ المذبحة” من تأليف الكاتبة الفرنسية الإيرانية الأصل ياسمينا رضا (Yasmina Reza).

اختار بولانسكي أن يصوّر الفيلم في الزمن الواقعي، أي في 79 دقيقة، وهو الزمن الذي تستغرقه المواجهة بين الشخصيات الأربع: الثنائي الأول بنيلوب وزوجها مايكل لونغ ستريت، والثنائي الثاني: آلن ونانسي كوان. وهذا اللقاء الغريب الذي يحدث في شقة الثنائي الأول في نيويورك، يأتي بعد أن اعتدى ابن الثنائي الثاني على ابن الثنائي الأول في حديقة عامّة بالمدينة، وتسبب في إصابة الطفل الثاني ببعض الجروح والكدمات.

ويتواجه أولياء أمور الطفلين في مناقشات تطول وتمتد وتتحول، من الأسلوب اللّبق المتحضر إلى التوتر، وتتخللها فترات لاحتساء القهوة، وأحاديث صاخبة حول مفهوم الطفولة وحقوق الإنسان ورعاية الحيوان، ثم تتوتر الأجواء بعد أن تقذف السيدة نانسي بما في جوفها فجأة على كتب الفن التي تعتز بها ربة المنزل. ويتصاعد الحوار أكثر ويصبح أكثر التهابا وتنقشع القشرة الخارجية لكي يتحول الجميع ضد بعضهم البعض، بل ويتحول الزوجان للسخرية من زوجتيهما والعكس بالعكس، مما يكشف عن هشاشة العلاقات الزوجية وزيفها الخارجي وقابليتها للانكسار عند حدوث أول أزمة حقيقية أو مواجهة “حقيقية” مع الآخر الذي ينتمي للطبقة نفسها.

من جهته، أخرج الألماني فولكر شلوندورف فيلم “دبلوماسية” (2014) (Diplomacy) الذي يدور أيضا داخل غرفة، ويعتمد على مسرحية فرنسية بالاسم نفسه، من تأليف سيريل جيلي، عرضت على المسرح في باريس وحققت نجاحا كبيرا، وقام بالدورين الرئيسيين في الفيلم نفس الممثلين اللذين أديا الدورين على المسرح: الممثل العملاق نيلس أريستروب الذي يتذكره المشاهد العربي في فيلم “نبي” الفرنسي، وأندريه ديسوليه الذي كان الممثل المفضل لسنوات، عند المخرج الراحل آلان رينيه (شارك في أفلام رينيه مثل “ميلو” و”مخاوف خاصة في مكان عام” و”الحشائش المتوحشة” و”حياة رايلي”).

والفيلم عبارة عن مبارزة بالمنطق والعقل والجدال الفكري الممتع، بين الحاكم العسكري النازي في باريس أريستروب، والدبلوماسي السويدي نوردلنج، الثاني يحاول إقناع الأول بعدم تدمير معالم باريس بعد أن أصبح محتما هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية وانسحابهم القريب من باريس. ويدور الحوار الطويل بين الرجلين على خلفية الحرب العالمية والمقاومة الفرنسية ورغبة الفرنسيين في الانتقام من النازيين قبل انسحابهم، وهو حوار يمتلئ بالحديث في التاريخ والفن والعسكرية، ويوضح الفيلم كيف يمكن أن تنتصر الدبلوماسية على العسكرية بالإقناع ومخاطبة المشاعر الإنسانية.

من فيلم "ميلو" لآلان رينيه: سينما الولع بالتمثيل


أفلام رينيه


منذ أن توقف المخرج الفرنسي الذي رحل أخيرا، آلان رينيه، عن التجديد في الشكل، وعاد إلى البناء التقليدي للفيلم، صنع أفلاما “ذهنية” تميل إلى المسرح المصور، من أشهرها فيلم “ميلو” (Melo) (1986)، واسم الفيلم هو النصف الأول من كلمة ميلودراما، وفيه يعيد رينيه تجسيد ميلودراما مسرحية في السينما، تعتمد على الأداء التمثيلي، والديكور المحدود، واستخدام الإضاءة بتأثير درامي. تدور الأحداث عام 1926، بيير ومارسيل، وهما عازفا بيانو في باريس، تجمعهما صداقة قديمة تعود إلى أيّام الدراسة، رغم الاختلاف الكبير بينهما، فالأول شاب حساس عاطفي حالم لا يمتلك تطلعات كبيرة، والثاني عازف شهير للكمان، جاب العالم، يمتلك جاذبية خاصة للنساء.

يلتقي الرجلان بعد فترة انقطاع طويلة، وعندها يدعو بيير مارسيل، إلى تناول العشاء في منزله، حيث يتعرف مارسيل للمرة الأولى على “رومان”.. زوجة بيير الحسناء، وهي عازفة بيانو. يتذكر الصديقان ذكرياتهما المشتركة معا، لكن مارسيل ينتزع باستمرار دفة الحديث من بيير، مستعرضا مهارته أمام رومان التي تبهرها لباقته وشخصيته وولعه بالمغامرة والعبث. ومن وراء ظهر زوجها، تدبر رومان موعدا مع مارسيل، لكنه يفاجئها بالقول إنه مضطر للسفر في رحلة مع الفرقة الموسيقية. تغضب رومان وتثور وتتهمه بالأنانية، وتعود إلى زوجها الذي يسقطه الهم مريضا، فيستعين بممرضه هي “كريستيان” لتمريضه، تنظر رومان بالكثير من الشك إلى كريستيان التي تحاول أن تسرق منها زوجها، وتتعقد الأحداث، وتطرد رومان كريستيان من المنزل، ويذهب بيير إلى مارسيل ليخبره بأنه يعلم بأمر علاقته مع زوجته رومان، وتدب بينهما مشاجرة تنتهي بأن يقتل بيير مارسيل، ثم ينهار بيير تحت وطأة المرض، وتحزن الزوجة حزنا شديدا، بعد أن تكون قد فقدت كلا من الزوج والعشيق. هذا الفيلم يطرح موضوعا يحمل رؤية أخلاقية ساخرة عن الصداقة والشرف ونسبية الحقيقة، وهي رؤية تتكرر في كثير من أفلام رينيه. ويركز الفيلم بوجه خاص، على إبراز المشاعر المتباينة المتضاربة عند المرأة، ويمتلئ الحوار بالسخرية السوداء، ويتعمد رينيه دفع الممثلين إلى المبالغة في الأداء، وتصعيد المواقف نحو الحصول على أقصى شحنة درامية ممكنة (وهي من سمات الميلودراما) إمعانا في السخرية من العلاقات الزائفة للبورجوازية الفرنسية. وعندما سئل رينيه لماذا لم يطلق على الفيلم اسم “الحياة مسرحية” على غرار فيلمه الأسبق “الحياة رواية”، ضحك قائلا إن اللوم ينبغي أن يوجه إلى السينمائيين الذين يستخدمون مسرحيات شكسبير في السينما.

يرى البعض أن سبب العودة إلى مسرحة الفيلم، وهي سمة سائدة أيضا في معظم أفلام المخرج البرتغالي الكبير مانويل دي أوليفيرا، يعود إلى الولع الخاص بالمسرح أولا، والولع بفن التمثيل ثانيا، ثم العمر القصير للفيلم في دور السينما، فالأفلام تنتهي إلى العرض بالتليفزيون، وشركات التليفزيون أصبحت طرفا رئيسيا في تمويل الأفلام، والفيلم الممسرح أقرب إلى “التمثيلية التليفزيونية” التي تعتمد على ديكورات مغلقة وممثلين محدودي العدد وعلى الحوار، كما تعتمد على اللقطات القريبة والمتوسطة بدلا من المناظر العامة المبهرة.

لا شك أن من حق السينمائي أن يستخدم ما يشاء من طرق للتعبير في أفلامه، فالعبرة في النهاية بصدق الرؤية، والقدرة على الإقناع والإمتاع أيضا، فمن دون المتعة لا توجد سينما عظيمة.

16