السينما السعودية من المحظور إلى المتاح

قرار عودة السينما ليس قرارا يعزف منفردا على وتر التغيير بل يأتي ضمن سياق التحولات التاريخية والاجتماعية التي تحدث داخل السعودية.
الجمعة 2018/04/20
السينما اليوم هي جزء من الشراكة الفعلية مع العالم

شهدت السعودية هذا الأسبوع نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة اتسمت بالاحتفاء الكبير بالدخول إلى عالم الفن السابع بعد غياب أكثر من 35 سنة.

أسدل الستار على مسرحية الكوميديا السوداء التي خلطت الديني والثقافي والسياسي. تلك المسرحية التي شيطنت الفن والسينما وحاربته لأسباب غير منطقية.

اُسدل الستار على مشهد شديد التناقض لطالما أدعى أن المجتمع السعودي معارض للفن وروج لهذه الأكذوبة لعزله عن السياق العالمي؛ وهي الكذبة التي أسقطها الإقبال الجماهيري الكبير ما إن فتحت قاعات العروض واحتضنت حفلات غنائية ومسرحية.

الواقع اليوم يقول إنه انتهى زمن الكوميديا السوداء التي فرضت على المجتمع حيث مُنعت السينما تماما لوقت طويل وانتهى زمن المعترضين على وجود الفن السينمائي والفن بأشكاله المتعددة وأولئك الذين كانوا يطلقون النار على الصحون اللاقطة للقنوات الفضائية فوق المنازل باعتبارها شرا مستطيرا وأولئك الذين أطلقوا على الشارع الذي تباع فيه أجهزة مشاهدة القنوات الفضائية “شارع إبليس”.

انتهى زمن المعترضين وبدأ إطلاق شاشة عرض تعرض للعالم مدى التقدم والثقافة التي يتمتع بها الإنسان السعودي الذي لم يكتف بحب الفن بل أصبح منتجا ومصدرا له من مخرجين وفنانين حاصلين على جوائز عالمية وعربية. وبحجم وطن يتنفس حرية تم افتتاح أول دار عرض سينمائي بالرياض.

السعودية اليوم ليست فقط مثار اهتمام العالم بل إنها تمضي بخطى واثقة نحو انفتاح مجتمعي وعصري حديث إلى توازن عقلاني بين أولويات المواطن السعودي واحتياجاته وبين ثقل وضغط المؤسسة الدينية التي توسعت في الفتاوى التي حرمت السينما سواء مشاهدة أو حضور أو ثقافة حاضرة باعتبارها تشكّل تهديدا أخلاقيا للحياة التقليدية المتاحة.

يقول وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان في أحد حواراته “نحن نريد أن ننهي هذه الحقبة الآن. نحن نريد – كما يريد الشعب السعودي – الاستمتاع بالأيام القادمة، والتركيز على تطوير مجتمعنا، وتطوير أنفسنا”.

نعم السعودية قادرة على فعل الكثير وها هي اليوم تعيد الأمور لطبيعتها وما يجب أن تكون عليه حيث نشهد عودة أنماط حياة لم تكن متاحة أو مسموح بها (السينما قادمة.. ويمكن للمحافظين ببساطة التزام منازلهم إذا لم تعجبهم فعاليات الترفيه) كان هذا تصريح واضح وشفاف أدلى به رئيس الهيئة العامة للترفيه، مما يعني أن هناك ممارسة للحرية العامة والاختيار في الطريقة التي يرغب الجميع في ممارستها وعيشها.

السينما لن تكون مجرد تسلية بل ستكون أحد أهم روافد الثقافة في السعودية وستظهر وجهها الإبداعي والفني. ما يريده السعوديون من السينما ليس قصرا على الترفيه اللحظي بل هو أكثر بكثير من الجلوس لمشاهدة عرض فيلم، ما يتطلعون إليه هو في الحقيقة تطلع إلى المضي لحياة طبيعية بعيدا عن المنع والحجب والجهل، إلى واقع جديد وشراكة مع العالم في الثقافة والتأثير والحداثة.

قرار عودة السينما ليس قرارا يعزف منفردا على وتر التغيير بل يأتي ضمن سياق التحولات التاريخية والاجتماعية التي تحدث داخل السعودية. فالسينما السعودية اليوم ليست مجرد دار عرض للأفلام وتناول الـ”بوب كورن” بل هي جزء من سياسة تخطط لتكون السعودية ضمن أفضل 10 دول في العالم في مجال الترفيه والسياحة.

ما يريده جمهور غفير من السعوديين من السينما لا يقلّ أهمية عمّا يريده السياسي والاقتصادي. السينما اليوم جزء من صناعة الحدث وصناعة الرأي السياسي والثقافي وصناعة الاقتصاد ونشر قيم التعايش والتأثير المجتمعي. السينما اليوم هي جزء من الشراكة الفعلية مع العالم ومثال عملي على أن السياسات الحكومية يمكنها صنع واقع جديد لمجتمعاتهم. والسعودية تسعى إلى تجسيد هذا الواقع.