السينما السورية تعرض جديدها في الحدائق العامة

السينما كانت حاضرة منذ ثلاثينات القرن الماضي في المجتمع الحمصي وتسمى “السهرة” التي تؤمها العائلات كطقس أسبوعي.
الثلاثاء 2020/10/27
"دمشق حلب" فيلم يغوص عميقا في الجرح السوري النازف

عاشت السينما في مدينة حمص السورية أياما مزدهرة، كانت فيها عشر صالات سينمائية في ستينات القرن الماضي، وبمرور الوقت تضاءل العدد إلى صالتين لا تقدمان أفلاما. فهل من طريقة تحرك لها الجمود وتطرق باب الحل؟ “العرب” واكبت تظاهرة سينما الهواء الطلق التي أقامتها المؤسسة العامة للسينما في سوريا ورصدت بعض ما جرى.

حمص (سوريا)- في قلب مدينة حمص السورية، تقع حديقة المحافظة، وعلى طرفيها تتموضع صالة سينما “حمص” وصالة “سينما الكندي”، وكلتاهما معطلتان عن العمل الآن بسبب الدمار الذي لحق بالمدينة. وكانت الصالتان تعملان حتى عام 2011، وبتوقفهما تعطلت الحياة السينمائية تماما في حمص.

ولضرورة أن يكون الناس على تواصل مع السينما في مدينة كانت مزدهرة بها، حضرت تظاهرة سينما الهواء الطلق التي أقامتها المؤسسة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة السورية في أربع محطات متفرّقة، كانت بدايتها من مدينة السلمية التي عرضت فيها إنتاجات المؤسسة للمرة الأولى. ثم في عيون الوادي من ريف حمص تلتها مدينة حماة، والمحطة الأخيرة كانت مدينة حمص، حيث تم عرض ثلاثة أفلام خلال التظاهرة، وهي “دمشق حلب” و”العاشق” و”ما ورد”.

ويتناول فيلم “دمشق حلب” للمخرج باسل الخطيب عن سيناريو تليد الخطيب حكاية رحلة افتراضية في حافلة من دمشق إلى حلب، يجتمع فيها أشخاص مختلفو التوجهات والأعمار، من بينهم مذيع سابق، جسّد دوره الفنان المخضرم دريد لحام، الذي ينوي زيارة ابنته في حلب الواقعة تحت الحصار، ليرصد العمل من خلال تلك الرحلة انعكاسات الحرب على أوضاع الناس وحياتهم.

أما فيلم “العاشق”، من تأليف وإخراج عبداللطيف عبدالحميد، فتنطلق أحداثه من قصة حياة مخرج سينمائي يصوّر فيلمه الأول ليعبر من خلاله إلى ذكرياته في قريته الساحلية الصغيرة والمهمّشة وطفولته ونشأته فيها، وقصة حبه الأول وما صاحبها من خيبات وما يعيشه في الزمن الراهن في حياته الجديدة بالمدينة.

في حين يسرد فيلم “ما ورد”، إخراج أحمد إبراهيم أحمد وسيناريو سامر محمد إسماعيل عن قصة “عندما يقرع الجرس” للكاتب محمود عبدالواحد، حكاية ثلاثة رجال يقعون في غرام امرأة واحدة تعمل في تقطير زيت الوردة الشامية، مقدّما رؤية للتغييرات الجذرية في بنية المجتمع السوري وصولا إلى الحرب الإرهابية على البلد.

حنين وشغف

المنتج الراحل نادر الأتاسي انطلقت مسيرته السينمائية من حمص، وهو الذي قدّم على امتداد ستين عاما العديد من الأفلام العربية
المنتج الراحل نادر الأتاسي انطلقت مسيرته السينمائية من حمص، وهو الذي قدّم على امتداد ستين عاما العديد من الأفلام العربية

تلقف الجمهور الحمصي التجربة بشيء من الحذر، أولا وهو يرى التجهيزات تركب في قلب الحديقة العامة، الفضول دفع البعض إلى السؤال والبعض الآخر اكتفى بالمراقبة، ومع بدأ عرض الأفلام تواليا، شاهد الناس نجوم فنهم على الشاشة الكبيرة في الحديقة، وما إن مرّت عشر دقائق حتى بدا المكان محتفيا بالحدث الذي يجري فيه، فالكراسي التي كانت مهيأة للحضور لم تلب الحاجة، إذ كان عدد الحضور أكبر، فصار الناس يشاهدون الفيلم عن بعد خلف أسوار الحديقة.

حملت العروض المقدّمة الكثير من الحنين لعدد من المشاهدين، من بينهم رجل سبعيني كان يعمل سائقا بين حمص وبيروت، بات يحضر يوميا للمكان، معبّرا عن سعادته الكبيرة بأن السينما في حمص تأتي إلى المشاهد إن لم يذهب هو إليها.

يضحك، ثم يذكر أنه كان يحضر في سينما “أوبرا” مع أصدقائه عندما كان شابا، وكان الأهل يشجعون على ذلك، كانت في المدينة العديد من الصالات وكانت كلها في هذه المنطقة، ويقول “لكننا للأسف منذ فترة طويلة لم نعد نجد عروضا سينمائية كالتي كانت”.

أما صديقه الذي يعمل بناءا، فقال “لم أكن أحضر السينما كثيرا، لكن أبنائي مهتمون بها”، ومشاهدته السينما في الهواء الطلق أمر يعيشه للمرة الأولى، وهو يراها فكرة جيدة، علها تخرجه قليلا من واقعه الذي يعيشه.

أحد العمال في الحديقة قال إنه لم يسبق أن وجد الحديقة بهذه الحالة سابقا، وأضاف “أشعر أنني في بلد أوروبي، الناس منتبهون للفيلم، وحتى الأطفال لا يعبثون بالأشجار كما هي عادتهم، أحببت الفكرة وأتمنى أن تتكرّر، الناس في الحديقة موجودون في كل يوم، لكنهم يوم الجمعة يكونون أكثر، أتمنى أن يصبح العرض بشكل دوري يوم الجمعة لكي يحضر الناس بعدد أكبر”.

سيدتان كانتا في كنيسة قريبة وجدتا العرض في الحديقة فدخلتاها، تقول إحداهما “ّجيّد أن نرى الفن والسينما في هذا المكان الذي عاش فترة عصيبة في زمن الحرب. السينما أجمل وفيها يعيش الإنسان وتستمر الحياة، لا نريد الحروب في سوريا وفي كل العالم، بل نريد السلام والمحبة والسينما، فاجأتني الفكرة وهي لطيفة ومن هناك أرسلت إلى أحفادي للحضور ومتابعة العروض”.

ويبدو حنين أهالي مدينة حمص السورية إلى السينما عميقا وحارا، فهي المدينة التي عرفت طقس الحضور السينمائي منذ ثلاثينات القرن الماضي بين العوائل التي كانت تحرص على متابعة العروض السينمائية التي كانت غالبتيها من هوليوود أو مصر، في تواتر أسبوعي صار عادة اجتماعية لدى الكثير من الأسر وكان “الحماصنة” يسمّونها بالسهرة.

في ما بعد انتقل هوس السينما إلى الشباب الذي كان يتهافت على حضور العروض الجديدة في صالتي “حمص” و”القاهرة” في كل يوم أحد، حيث تغيّر الصالتان أفلامهما. فيأتي جيل الشباب ذكورا وإناثا لكي يتابعوا هذه الأفلام قبل ساعة من بداية الفيلم لكي يعيشوا حالة كرنفالية تجمع شباب المدينة وصباياها، حيث تختلس النظرات وتقدّم قصائد الغزل قبل العروض، ومن بعدها تدور الأحاديث التي كانت في غالبيتها مفتعلة، ولكنها تشكل وسيلة لمدّ جسر التواصل بين شاب وفتاة.

علاقة تاريخية بالسينما

السينما السورية

بداية الحياة السينمائية في المدينة انطلقت من خلال عروض في الهواء الطلق بمقهى “المنظر الجميل” في فترة الثلاثينات، إلى أن تأسّست أول دار للسينما في المدينة وكان اسمها “أوبرا” في بداية الأربعينات، كانت أشبه بدار أوبرا فخمة، وهي تقع في شارع القوتلي الشهير، ثم تتالى ظهور الصالات السينمائية فبنيت صالة “الفردوس” ومن ثم “الزهراء” التي أقيمت ضمن مجمع حضاري فني كبير، وصالة “القاهرة” و”سينما الحمراء” التي هدّمت وبني مكانها مجمع تجاري.

كان عدد سكان مدينة حمص يقل عن ثلاثمئة ألف شخص، وكان لديهم عشر صالات سينما. كان للشباب المراهق مكانه فيها، فكثيرا ما كان يجتمع عدد من الشباب ليذهبوا إلى صالة السينما، هؤلاء كانت صالتهم المفضلة هي “الفردوس”. وكانت بطاقة الدخول إلى قاعة السينما بخسة الثمن خاصة لبعض الصالات التي تقدّم عروضها بشكل متواصل، حيث يدفع الشاب ثلاثين قرشا ليستمتع بمشاهدة الأفلام على امتداد يوم كامل.

لكن سمعة هذه الصالات كانت سيئة وتحرص العوائل على عدم ارتياد أبنائها لها لكي لا يخالط “شلة الزعران” (المتسكّعين). كذلك شهدت مدينة حمص حضورا هاما للنادي السينمائي الذي تولاه مطولا الراحل سمير الضاهر فقدّم فيه الكثير من الفعاليات السينمائية التي كرّست ثقافة سينمائية جادة لدى الجمهور.

ولا يمكن الحديث عن الحياة السينمائية في حمص دون التطرّق إلى قامة حمصية سينمائية شكّل حضورها وجودا حاسما في تاريخ السينما السورية والعربية، وهو المهندس والمنتج السينمائي الراحل نادر بيك الأتاسي الذي عمل في فن السينما لمدة تقارب الستين عاما.

ولد في حمص عام 1919 ودرس الهندسة في دمشق وبيروت. لكنه كان يملك شغفا خاصا تجاه السينما. فأسّس عام 1959 صالة “حمص” التي ما زالت موجودة إلى الآن، ثم انطلق ليصير له نصف صالات السينما بكل سوريا. ووصل نشاطه إلى بيروت ودبي اللتين ما زالتا تعملان حتى وقتنا الحالي. دخل الإنتاج السينمائي وكان فيلمه الأول “يا سلام عالحب” الذي حقّق نجاحا كبيرا ثم كانت خطوته الأهم في فيلم “عقد اللولو” مع النجوم نهاد قلعي ودريد لحام وصباح وفهد بلان واستمر عرضه في دمشق وبيروت عاما كاملا.

ومن هناك كانت نقلته النوعية في إنتاج الثلاثية الشهيرة لعائلة الرحباني وفيروز في لبنان، فقدّم ثلاثة أفلام هي “بياع الخواتم” عام 1964 وأخرجه يوسف شاهين، ثم “سفر برلك” عام 1967 و”بنت الحارس” عام 1968 وأخرجهما هنري بركات، وفي العام 2008 قدّم فيلم “سيلينا” من إخراج حاتم علي، وبذلك يكون قد قدّم للفن الرحباني كل إنتاجاته السينمائية.

كما قدّم لدريد لحام أهم وأشهر أفلامه، من بينها اللذان تعاون فيها مع الكاتب الشهير محمد الماغوط، وهما “الحدود” و”التقرير”، ثم قدّم فيلم “الكفرون” مع لحام. وقدّم أيضا أفلاما في السينما العالمية منها فيلم “كسارة البندق” للمخرج السوري أنور قوادري وأعمالا تلفزيونية خالدة كان منها “الملاك الثائر” الذي أخرجه محمد فردوس أتاسي ويحكي عن جبران خليل جبران.

بديل ناجع عن الصالات السينمائية المقفلة
بديل ناجع عن الصالات السينمائية المقفلة

 

16