السينما العربية تصل إلى العالمية

رغم المصاعب العرب يطوّرون سينما تستحق التتويج.
الأربعاء 2021/02/24
سينما لها طابع خاص (فيلم تومبكتو)

السينما ليست فنا فقط ولا تتوقف عند حدود الصناعة التي لها جوانبها الاقتصادية، إنها أيضا أداة ثقافية وسياسية بامتياز، تستعملها جل الدول في صراعاتها وعلاقاتها ونشر صورتها وذياع صيتها. ولنا في الولايات المتحدة أبرز مثال على ذلك، ومعروف كيف تنظر الدولة الأقوى في العالم لأهمية فن السينما ومدى استثمارها إياه في رسم سياساتها المستقبلية. فماذا عن السينما العربية ومدى حضورها العالمي؟

حدث في الدورة الخامسة من مهرجان كان السينمائي الدولي الذي عقد في أبريل عام 1952، أن فاز بالجائزة الكبرى (السعفة الذهبية) فيلم مغربي الجنسية مناصفة مع فيلم أميركي آخر “اثنين تحت الأمل” للمخرج رينيتو كاستيلاني.

حمل الفيلم اسم “عطيل” وهو المأخوذ عن المسرحية الشهيرة التي ألفها وليم شكسبير. وتمثل هذه الحالة الوجود العربي الأول على منصات التتويج السينمائية العالمية. ولكن متابعة المعلومة تفيد بأن مخرج هذا الفيلم هو الأميركي أورسون ويلز، صاحب الفيلم الشهير “المواطن كين” الذي يعتبره الكثير من نقاد السينما في العالم أفضل فيلم في تاريخ السينما العالمية، وكان الإنتاج دوليا وصور الفيلم في المغرب بمدينة الصويرة، حيث بنى المخرج  ديكورات ضخمة عن مدينة فينيسيا الإيطالية.

السبب الذي دفع بويلز إلى أن يقدم الفيلم بجنسية المغرب هو بعض العثرات الإنتاجية أو البيروقراطية. ولكن جنسية الفيلم مغربية، وبتحقيق الفيلم هذه الجائزة الكبرى، فإن سجلاتها دونت أن المغرب كان أول دولة عربية وأفريقية تحصل على جائزة “السعفة الذهبية” في مهرجان كان وفي وقت مبكر.

 ولكن الحقيقة أن حضور السينما العربية خجول على المستوى العالمي، سواء تعلق ذلك بمنصات الإنتاج أو العرض أو تحقيق جوائز سينمائية، خاصة في المحافل السينمائية الكبرى مثل مهرجان كان السينمائي في فرنسا أو جائزة الأوسكار في أميريكا. وعبر تاريخ الفن السينمائي الذي تجاوز مئة وخمسة وعشرين عاما، لم تحقق السينما العربية الحضور القوي المأمول.

حضور دولي

السينما واجهة ثقافية من خلالها تخاطب الدول بقية العالم، وهو ما لم يتحقق بالشكل الكافي عربيا
السينما واجهة ثقافية من خلالها تخاطب الدول بقية العالم، وهو ما لم يتحقق بالشكل الكافي عربيا

في استعراض سريع منتقى، على أبرز المحطات التي حققتها السينما العربية في المحافل السينمائية العالمية وفي شكل الفيلم الروائي الطويل وضمن الجوائز الرسمية، سنجد أن الجزائر كان لها كسب السبق في ذلك، من خلال فيلم “وقائع سنوات الجمر” للمخرج محمد الأخضر حامينا، الذي نال عنه جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي عام 1975.

وبعد أعوام حصل فيلم “إسكندرية ليه” للمخرج المصري يوسف شاهين على جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين في ألمانيا. لتنقضي فترة طويلة نسبيا بعد ذلك حتى العام 2005، حتى يحصل الفيلم الفلسطيني “الجنة الآن” لمخرجه هاني أبوأسعد على جائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي، وجائزة الفيلم الأوروبي وجائزة مهرجان برلين، ويصل إلى ترشيحات القائمة النهائية لأفضل فيلم أجنبي.

ثم كان الفيلم الفلسطيني “عمر” الذي قدمه هاني أبوأسعد أيضا وحقق به حضورا كبيرا على مساحات السينما العالمية، ووصل إلى الترشيحات النهائية للأوسكار، وحصد جائزة أفضل فيلم في مسابقة “نظرة ما” ضمن مهرجان “كان” السينمائي الدولي. كذلك كان الفيلم الأردني “ذيب” للمخرج ناجي أبونوار علامة فارقة في تاريخ السينما الأردنية والعربية، الذي حقق من خلاله العديد من الجوائز العالمية كان من أبرزها أفضل مخرج في مهرجان فينيسيا، وأفضل مخرج في البافتا ومهرجان بكين، كما نال العديد من الترشيحات من أهمها جائزة الأوسكار والبافتا ولندن لأفضل فيلم أجنبي.

فيلم “تمبكتو” من موريتانيا شكل في العام 2014 حدثا سينمائيا عربيا هاما لمخرجه عبدالرحمن سيسيكو، حيث حصد العديد من الجوائز العالمية منها جائزة خاصة من لجنة التحكيم الخاصة في كان، وعددا من جوائز السيزار وترشح للقائمة النهائية للأوسكار عن جائزة أفضل فيلم أجنبي.

مما يلفت النظر أن الوجود العربي قد تكثف في السنوات القليلة الماضية في أهم المحافل السينمائية العالمية

 أما فيلم “القضية 23” اللبناني  للمخرج زياد دويري فكان مدويا في العام 2017، حين حقق نتائج عالمية منها جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا، ووصل إلى القائمة النهائية لجوائز الأوسكار.

وبدوره حقق الفيلم اللبناني “كفر ناحوم” للمخرجة نادين لبكي في عام 2018 مجموعة من الجوائز، منها جائزة لجنة التحكيم من مهرجان “كان” السينمائي الدولي وترشح لجائزة الغولدن غلوب في فئة أفضل فيلم أجنبي. 

وحقق فيلم “يوم فقدت ظلي” من سوريا عام 2019 أرفع جائزة سينمائية لسوريا في تاريخها من خلال أعرق مهرجان سينمائي في العالم فينيسيا، فحققت مخرجته سؤدد كعدان جائزة أسد المستقبل وعددا من الجوائز العالمية في مهرجانات أخرى. وفي السنة التالية حقق الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” للمخرج أمجد أبوالعلاء ذات الجائزة، وكانت أول جائزة في هذا الحجم للسودان.

في العام 2021 تسجل السينما العربية حضورها الأوسع في منصة السينما العالمية من حيث المشاركات في مهرجاني الغولدن غلوب، التي ستقام في نهاية الشهر الجاري والأوسكار التي ستعلن نتائجها في الخامس والعشرين من أبريل القادم.

الأفلام العربية المشاركة في مسابقة الغولدن غلوب سبعة، من بينها الفيلم التونسي “الرجل الذي باع ظهره” للمخرجة كوثر بن هنية، الذي عرض في مهرجان فينيسيا في دورته الماضية، وحقق حضورا عالميا ملفتا، وشاركت فيه الممثلة الإيطالية الشهيرة مونيكا بيلوتشي.

 كما ينافس في الترشيحات الفيلم المغربي “أوليفر الأسمر” للمخرج توفيق بابا، وهو الفيلم ذاته الذي حصد جائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان دولي برازيلي. ومن لبنان يحضر فيلمان هما “يربوا بعزكن” إخراج ديفيد أوريان و”مفاتيح مكسورة” من إخراج جيمي كيروز، ومن فلسطين ينافس فيلم “بين السماء والأرض” للمخرجة نجوى نجار، أما السودان فيشارك بفيلم “ستموت في العشرين” لأمجد أبوالعلاء، ومن الأردن فيلم “200 متر” للمخرج أمين نايفة.

 أما في جوائز الأوسكار فكانت الترشيحات أوسع وبلغ عددها تسعة. فحضرت الجزائر بفيلم “مذبحة صطيف هليوبوليس” للمخرج جعفر قاسم، وهو فيلم جزائري تاريخي يتحدث عن تاريخ الجزائر الحديث. كذلك ترشح فيلم “الرجل الذي باع ظهره” من تونس، و”مفاتيح مكسورة” من لبنان، و”200 متر” من الأردن، و”غزة مونامور” للأخوين ناصر، والفيلم المصري “لما بنتولد” للمخرج تامر عزت، ومن المغرب فيلم “معجزة القديس المجهول” للمخرج علاءالدين الجم، ومن السعودية يشارك فيلم “سيدة البحر” للمخرجة شهد أمين.

الطريق ليس سالكا

"الرجل الذي باع ظهره" فيلم حقق حضورا عالميا ملفتا
"الرجل الذي باع ظهره" فيلم حقق حضورا عالميا ملفتا

كان أول فيلم عربي ترشحه جهته الإنتاجية للمشاركة في جوائز الأوسكار هو فيلم “باب الحديد” للمخرج يوسف شاهين عام 1958 في الدورة الحادية والثلاثين، واقتصرت المشاركة العربية على الأفلام المصرية غالبا، كونها السينما العربية الأهم، والتي تشكل حالة سينمائية راسخة.

واستمر الحال كذلك حتى ما قبل سنوات قليلة، ولم تظهر السينما العربية بكل مفاصلها على منصة التتويج الأوسكارية أبدا. لكن أرشيف الأوسكار يشير إلى استحقاق عربي سينمائي أنجز فيها منذ سنوات، لكنه يكاد يكون منسيا حتى من قبل المهتمين بالشأن السينمائي العربي أنفسهم.

ففيها سجل أن فيلم “z” الذي أخرجه اليوناني الشهير كوستا غافراس ونال عنه جائزة أفضل فيلم أجنبي في الأوسكار عام 1969 جزائري. وكان الفيلم من بطولة إيرين باباس وإيف مونتان. الفيلم سجّل على أنه من إنتاج جزائري، لكن أيا من مبدعيه الأساسيين ليس عربيا.

وللمرة الثانية تحقق السينما العربية وجودا هاما على منصات التتويج من خلال الإنتاج بعد فيلم عطيل المغربي عام 1952. وما عزز هذا الوجود الجزائري لاحقا فيلم “قاعة الرقص” للمخرج الإيطالي الشهير إيتوري سكولا عام 1983 الذي كان جزائري الإنتاج، وبعد ذلك عززت أفلام رشيد بوشارب “غبار الحياة” عام 1995 وفيلم “السكان الأصليون” 2007 و”خارجون عن القانون” 2011، مكانة الجزائر كأكثر الدول العربية حضورا في ترشيحات الأوسكار.

ومما يلفت النظر أن الوجود العربي قد تكثف في السنوات القليلة السابقة. حتى في أهم المحافل السينمائية العالمية مثل كان والأوسكار وبرلين وفينيسيا. وهذا ما يعني وجودا أوضح للسينما العربية في تلك المحافل لتحقق تفاعلا جيدا مع المحيط العالمي، خاصة مع وجود مهرجانات سينمائية عربية عديدة في مدن أوروبية، مثل مهرجانات مالمو وجنيف وزيورخ وأمسرتدام وغيرها.

حضور خاص

خالد النبوي.. حضور عربي على منصات السينما العالمية
خالد النبوي.. حضور عربي على منصات السينما العالمية

حقق فيلم “الرسالة” عربي المضمون والإنتاج حضورا خاصا في السينما العالمية. وهو الذي أنتج عام 1976، وقدم فيه مصطفى العقاد تجربة مميزة تجلت بكونه اعتمد في إنتاجه على صناعة نسختين عربية وإنجليزية.

وكان هنالك فريقا عمل من حيث وجود الممثلين. فلعب دور حمزة عم النبي عبدالله غيث في النسخة العربية، بينما كان أنتوني كوين في النسخة الإنجليزية، كما لعبت دور هند بنت عتبة منى واصف عربيا، وكانت نظيرتها في النسخة الإنجليزية إيرين باباس، وحقق الفيلم فعالية كبرى حين عرض في صالات العالم، ووصل الفيلم إلى ترشيحات الأوسكار عن أفضل موسيقى تصويرية فيه.

كذلك كان فيلم أسد الصحراء “عمر المختار” لمصطفى العقاد أيضا، الذي أنتج عام 1981 وقدم فيه موضوعا عربيا بصيغة عالمية، وشارك فيه مجموعة من الممثلين الأجانب منهم أنتوني كوين وإيرين باباس وأوليفر ريد.

وإلى جانب مشاركة الأفلام والحضور الإنتاجي وجدت بعض المشاركات العربية الفردية في السينما العالمية. كما في ترشيح الفنان عمر الشريف لجائزة الأوسكار كأحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم لورانس العرب.

وكان حقق بعدها جائزة أفضل ممثل في الغولدن غلوب عن دوره الشهير في فيلم “دكتور زيفاغو”.

كذلك حقق بعض الفنانين العرب والعالميين من جذور عربية بعض الحضور على منصات السينما العالمية، مثل سلمى الحايك وتيرانس مالك وغسان مسعود وخالد النبوي وعمر واكد وآخرين.

15