السينما العربية في خبر كان: المخرجون مترددون والمخرجات جريئات

الأحد 2014/06/29
السينما العربية لم تستطع أن تدخل باب المنافسة مع الأفلام العالمية

مهرجانات للسينما العربية ومهرجانات للسينما العالمية ومهرجانات للسينما التسجيلية ومهرجانات لسينما المتوسط، ومهرجانات لسينما الأفلام القصيرة و.. في الوقت الذي لا نسمع فيه عن إنتاج سينمائي عربي ذي قيمة، بل إن بعض هذه المهرجانات يقام في بلدان لم تعرف الصناعة السينمائية حتى الآن، والإنتاج السينمائي فيها غائب تماما باستثناء بعض المبادرات الفردية من مخرجين هواة، وبالتالي لا يوجد فيها جمهور سينمائي، فلمن تقام هذه المهرجانات إذن، وما هي الأهداف التي تتوخى الجهات المسؤولة عن إقامة هذه المهرجانات تحقيقها من وراء إقامتها، خاصة أن بعضها مكلف وتتولى مهمة إدارتها والإشراف عليها جهات دولية عريقة في هذا المجال مقابل أجور عالية؟

من الطبيعي أن يكون الجواب على هكذا تساؤل أن تلك المهرجانات تقام من أجل الدعاية لتلك البلدان أولا، ومن أجل تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية ثانيا. والغريب أن العرب الذين فشلوا في خلق صناعة سينمائية متقدمة ومنافسة فرادى وجماعات، باستثناءات قليلة قد فشلوا في إقامة مهرجانات سينمائية منافسة على مستوى المهرجانات الدولية أيضا، حتى المهرجانات المميزة فإن نجاحها التنظيمي مرهون بالعطاءات التي تمنحها تلك الدول للشركات العالمية ذات الخبرة، وبوجود صالات عرض حديثة فيها تلبي في الغالب حاجات الجمهور من الوافدين.

وهو ما يلاحظ أثناء إقامة المهرجانات السينمائية، إذ نجد شبه غياب للجمهور المحلي باستثناء العاملين في المهرجان. مشكلة السينما العربية شبيهة إلى حد ما بمشكلة المسرح العربي، فكلاهما فن وافد لم يستطع أن يرسي أسسه وتقاليده كي يتطور ويتحول إلى صناعة ذات قاعدة مادية وبشرية من مخرجين وفنيين وإداريين إلا في مصر التي عرفت بدايات الإنتاج السينمائي في مرحلة متقدمة، على عكس كل المحاولات التي جرت في سوريا والجزائر ولبنان والعراق وفلسطين، ذلك أن الجهات التي كلفت بعملية الإشراف على خلق صناعة سينمائية كانت جهات رسمية تخضع لسلطة الدولة الأمر الذي جعل حالها من حيث البيروقراطية والمحسوبيات والفساد ومحدودية الدعم المالي لها لا يختلف عن حال باقي القطاعات الثقافية ومؤسسات القطاع العام الأخرى.

سينما المرأة المخرجة هذه تميزت في الغالب بالجرأة في التناول والطرح وفي القيمة الفكرية والجمالية التي جعلتها تحظى بالتقدير وبعدد من الجوائز في مهرجانات عالمية وعربية عديدة


مهرجانات للدعاية


حاولت المؤسسة العامة للسينما السورية منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي أن تخلق بدايات حركة إنتاج سينمائي فاضطرت من أجل ذلك للاستعانة بمخرجين من يوغسلافيا ومصر، ثم لجأت إلى إرسال مجموعة من الشباب لدراسة السينما في الاتحاد السوفياتي السابق، في حين قام البعض بدراسة الإخراج السينمائي في المعاهد السينمائية في القاهرة وباريس على نفقته الخاصة، ما وفر عددا لا بأس به من المخرجين الشباب الذين استطاعوا أن يقدموا أفلاما مميزة حازت على العديد من الجوائز العالمية في المهرجانات العالمية. لكن وللمفارقة أن تلك الأفلام كانت بعد نجاحها الخارجي لا يتمكن الجمهور السوري من مشاهداتها إلا بعد مرور سنوات عديدة على فوزها بالجوائز التقديرية دون أن يعرف أحد سبب ذلك. بعد سنوات من النجاح على الرغم من محدودية الأفلام المنتجة سنويا، فلمان أو ثلاثة أفلام في العام، شهدنا تراجعا واضحا في القيمة الجمالية والفكرية لتلك الأفلام صاحبه تراجع واضح في عدد الأفلام المنتجة سنويا بسبب ضعف التمويل الحكومي. والغريب أن العديد من المخرجين العاملين في مؤسسة السينما كانوا يتقاضون رواتبهم دون أن يتم تكليفهم بإخراج أي عمل، لأن عملية التكليف باتت مخصصة لاسم أو اثنين وهو ما انعكس على مستوى الإنتاج وقيمته الجمالية. رغم ذلك ما إن تدخل بناء المؤسسة حتى تجد غرف البناء بطوابقه الثلاثة مزدحمة بالموظفين والموظفات الذين في الغالب ليس لهم أي عمل ما شكل عبئا ماديا كبيرا على المؤسسة استنزف قسما كبيرا من مخصصاتها الحكومية وذلك بسبب المحسوبيات وسياسة المراضاة التي يقوم بها المدير العام للمؤسسة لكي يحافظ على وجوده كمدير لهذه المؤسسة. والحقيقة أن وضع الهيئات ومؤسسات السينما في العراق والجزائر لم تكن مختلفة كثيرا عن واقع المؤسسة العامة للسينما في سوريا إذ شهدت سنوات محدودة من الانتعاش في الإنتاج وجودة في بعض الأعمال، ثم عادت وفقدت دورها وحضورها.

والعارف بتاريخ السينما الجزائرية يتذكر عددا من الأفلام التي حازت على التقدير في أكثر من مهرجان مثل فيلم وقائع سنوات الجمر في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي. كما أن الخط البياني لتطور الإنتاج السينمائي العربي بعد تلك المرحلة شهد ظهور موجة من الأفلام السينمائية في تونس والمغرب مع وجود مجموعة من المخرجين المتميزين، لكن محدودية دور الدولة في دعم القطاع السينمائي دفع بالمخرجين في هذين البلدين إلى الاستعانة بالدعم الأوروبي لإنجاح مشاريعهم السينمائية إلا أن هذا الدعم لا يمكنه بأي حال أن يخلق نهضة سينمائية، سيما وأن السينما الأوروبية نفسها وتحديدا في فرنسا وإيطاليا قدت شهدت منذ ثمانينات القرن الماضي بداية تراجع واضح في حجم الإنتاج حتى أدى الأمر إلى أن ترتهن السينما الإيطالية العريقة والمميزة للدعم الهوليوودي الذي أخضعها لشروط إنتاجه الخاصة وأهدافه التجارية.

مشكلة السينما العربية شبيهة إلى حد ما بمشكلة المسرح العربي، فكلاهما فن وافد لم يستطع أن يرسي أسسه وتقاليده كي يتطور ويتحول إلى صناعة ذات قاعدة مادية وبشرية


المرأة المخرجة


المفارق والغريب أنه بينما تعيش السينما العربية أسوأ مراحل تاريخها حتى في مصر التي تعد السينما فيها من أعرق وأهم السينمات العربية، فإننا نشهد توسعا ملحوظا في عدد المهرجات واحتفاء خاصا بالسينما العالمية في الوقت الذي تتمثل السينما العربية بتلك المهرجانات بعدد محدود من الأفلام التي لم تستطع أن تدخل باب المنافسة مع الأفلام العالمية التي أصبحت تعتمد في الإخراج على التقنية المتقدمة والتمويل الكبير والخبرة المتوارثة بفعل وجود صناعة سينمائية عريقة فيها.

لكن الغريب واللافت للنظر هو اقتحام عدد لا بأس به من المخرجات السينمائيات العربيات هذا المجال وتقديم مجموعة من الأفلام الناجحة وإن كان عدد لابأس من تلك الأفلام اعتمد في تمويله على الدعم المادي الأوروبي، لكنه استطاع أن يكسر احتكار المخرجين الرجال لهذا الفن ويفتح أمام المخرجات فرصة لتقديم رؤيتهن الجمالية، وطرح قضاياهن ومعاناتهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مجتمعات لم تعترف لهن بحقوق المواطنة الكاملة التي تؤمّن لهن العدالة والمساواة مع الرجل. سينما المرأة المخرجة هذه تميزت في الغالب بالجرأة في التناول والطرح وفي القيمة الفكرية والجمالية التي جعلتها تحظى بالتقدير وبعدد من الجوائز في مهرجانات عالمية وعربية عديدة ما شكل شهادة تقدير لجهودهن في هذا المجال، ومنحهن الدافع لمواصلة هذه المهمة وتقديم الجديد.

توزعت أفلام المخرجات العربيات على نوعين من الأفلام، نوع ركز في معالجاته وموضوعاته على مسألة حرية المرأة وطرح معاناتها الإنسانية والاجتماعية والحقوقية، من خلال انحيازه لقضايا المرأة، بل تجاوز بعض الأعمال في طرحه موضوع الحرية وعلاقة المرأة بجسدها، بينما اتجه نوع آخر نحو القضايا الوطنية والاجتماعية العامة، وإذا ما تناول موضوع المرأة تناوله في إطار قضايا الواقع العامة، دون أن تشكل النسوية أو الجندر مفهوما خاصا بالنسبة إليه، الأمر الذي جعل سينما المرأة المخرجة تتعدد بتعدد الرؤى والاجتهادات الفكرية والسياسية التي راحت تنطلق منها المخرجة العربية في طرح موضوعات أفلامها ومعالجتها فكريا وجماليا.

16