السينما العربية في 2013.. تشخيص ونقد لمخاض الانتفاضات العربية

الثلاثاء 2013/12/31
2013 العصر الذهبي للفيلم الوثائقي.. إثر الثورة المصرية

السينما دائما حبيسة الأنظمة القمعية والأنظمة الشمولية والديكتاتورية، فلا أحد يعرف قوة السينما وعمق تأثيرها في الشعوب، وما تملكه من قوة تغيير فكري للمجتمع إلا المختصون والذين آمنوا بهذا الفن.

كم من فيلم تمّ منع عرضه قبل الثورة؟ وكم من كتاب يجرّم من يقتنيه؟ وكم من مخرج نفي؟ وكان أبرزهم المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي الذي منع من دخول سوريا لفترة من الزمن، وحورب على إثر فيلمه الوثائقي “الطوفان” الذي انتقد حزب البعث ورجالاته، ولولا أن معظم إنتاج أفلامه كان في الخارج، لما استطاع عمر أن يصنع أفلامه، وعند وفاته تمّ نعيه من قبل المحطات الأجنبية والصحف ووصف بالمخرج العالمي، لتقوم المؤسسة العامة للسينما السورية بنفي العالمية عنه لأنه كان ضدّ النظام.


تجريم الإبداع


كم من مخرج وصانع أفلام اعتقل بتهمة صنع فيلم الغاية منه قلب نظام الحكم، بالإضافة إلى من حورب وأبعد وبعضهم لقي حتفه.

في بعض دول الربيع العربي مثل سوريا حامل الكاميرا مثل حامل السلاح وقد يكون أعتى وجرمه أكبر. ففي الثورة السورية، الفكر الديكتاتوري الذي يخاف الحقيقة المصورة يتجلى. فقد سطع اسم باسل شحادة في الثورة السورية كأيقونة ورمز للمخرج السينمائي الذي يحكي ويرصد هموم بلده ويعرّي الطاغية وينقل الحقيقة، على إثر ذلك قتل أثناء القصف على مدينة حمص مع عدد من الناشطين.

معظم أفلامنا العربية هي أفلام مسروقة من أفلام أجنبية تمّ تعريبها، لا تتناسب مواضيعها وقضاياها مع الحاضر المعيش، حيث تمّ دعمها من قبل الأنظمة ورعايتها والتشجيع على الإكمال في هذا النهج، فكم من قضايا وتفاصيل صادمة في حياتنا لا يلتفت إليها أحد، ولا تجد من يلقي عليها الضوء.. كمّ هائل من أفلامنا لا يخاطب شارعنا العربي، بل يحاول أن يقود الشارع العربي إلى الانحطاط الفكري عبر تكليف مخرجين غير مؤهلين وكتاب وظيفتهم تكريس الفن المنحط.

تتمثل أمام السينما العربية فرصة كبيرة للتغيّر بعد الانحطاط السينمائي الناتج عن فكر منحسر ضيّق وصولي وهو انحطاط مسيّس لتغييب الشعوب.

فن السينما لا يرضخ لقسوة التنميط، بل هو ومن خلال تماهيه وذوبانه وحلوله واشتباكه في الشعر والتشكيل والمسرح والموسيقى في الراهن الاجتماعي والسياسي وصولا إلى النقد المتبصر وغير المنفعل، إنما يحقق استقلاليته.

"18 يوم" إخراج جماعي لمطلب واحد

لطالما نجحت الفنون وازدهرت في الابتعاد عن المؤسسات الحكومية والتمويل الحكومي المشروط بغاياته، وبالإضافة إلى هول الفساد الذي عمّ مؤسسات الدولة، فتجد مؤسسة السينما في إحدى الدول تنتج أربعة أفلام لأربعة مخرجين بشكل دائم، وكأن السينما ملكهم لأنهم قاموا بالدور المطلوب منهم وقاموا بصنع أفلام تلبي رغبة النظام الحاكم، إن لم يكن في تمجيده على الأقل في طرح قصص لا تمّت للواقع بصلة، أفلام تخديرية للشارع وعند اللزوم أفلام نقدية تسمّى بالنقد التنفيسي، وهذه سياسة تلك الدول فتصدّر أحد “الأراجوزات” ليقوم بتلك المهمة لتنفيس الشعوب؛ فإن لم تتكلم أيها المواطن هناك من يتكلم عنك.


مراوغات ممتعة


في الفترة الأخيرة قبل الثورات كان الركود الثقافي يسجل رقما قياسيا في الركود والانحدار، وقام الكثير من الفنانين في طرق ناقوس الخطر، ومن أبرز تلك الانحدارات، الانحدار في الرواية والكتابة الأدبية التي هي إحدى الأعمدة التي تستند إليها الأفلام، والخطر الثاني هو “الشللية” هذا المفهوم الذي برز كثيرا مؤخرا، والذي يضرب بعرض الحائط الطاقات والمؤهلات الفنية والكوادر في جميع المجالات فكم من فنان حقيقي في المهجر.

الأفلام السينمائية هي نتاج معرفي للشعوب، فتستطيع تقييم مستوى الإدراك المعرفي والتطور الثقافي والازدهار الاقتصادي من خلال الأفلام، الكثير من الأحزاب التقليدية لا تدرك أن فيلما سينمائيا واحدا قد يكون أهمّ من نضالاتها طيلة عقود، فقد قام الفنان السريالي الكبير سلفادور دالي والمخرج لويس بانويل بصنع فيلم اسمه “كلب أندلسي” عام 1929، وكانت الغاية منه هو تغيير النهج التفكيري السائد، والحالة الثقافية الراسخة في تلك الفترة، وفتح باب جديد للتفكير، كل هذا التغيير ونسف الفكر الشعبوي في فيلم مدته ست عشرة دقيقة.

الأفلام الوثائقية هي الآن في عصرها الذهبي، فهي الوسيلة الأسهل لعرض القضايا الإنسانية وإيصال غاياتنا وأحلامنا

أسس الكثير من المدارس السينمائية الرمزية والسريالية والانطباعية والشاعرية وغيرها من التقنيات، التي وجدت فيها الأساليب المناسبة للتعبير في ظل الظروف المتغيرة، وللاحتيال على الرقيب الدائم وتجاوز الخطوط الحمراء لتجسيد هموم الشارع.

من رحم الثورات العربية انبثق التحرّر الفكري وغياب الرقيب ومقصه السياسي، وبفضل نظام الكاميرات الجديدة أصبح صنع الأفلام أسهل كثيرا من ذي قبل، ووجود شباب موهوبين بكثرة تمّ تغييبهم وإقصاؤهم وحرمانهم من الفرص من قبل؛ ففي مصر وحدها تمّ صنع أفلام كثيرة تتجاوز 300 فيلم معظمها أفلام وثائقية وقصيرة، انبثقت من ميدان التحرير وكانت انعكاسا للثورة، ففي السابق كان الإنتاج السينمائي المصري مرتبطا ببعض الشركات الاحتكارية الكبرى التي سيطرت على العديد من الإنتاجات، وفرضت توجهاتها.

بينما اليوم إن المعطيات تغيرت خاصة بتوفر مساحات كبيرة للعرض، فالآن يمكن لكل من يحصل على ترخيص أو تصريح أن ينتج وينجز فيلما سينمائيا ويعرضه، حتى لو على الرصيف إذا تطلب الأمر ذلك، السينما ستصبح مختلفة تماما عن ذي قبل، إذ أنها حطمت حاجز الخوف وأصبحت تتكلم دون رهبة وبحرية مطلقة، وسترتقي بعقلية المشاهد وطريقة تفكيره، فقد برز الفيلم المصري “18 يوم” الذي يتناول ثورة 25 يناير وعن الشعب المصري في الثورة والمظاهرات ضدّ الرئيس السابق حسني مبارك وعن رحيله. والفيلم يحتوي على نخبة من الممثلين الكبار مثل أحمد حلمي، منى زكي، هند صبري، حنان ترك، عمرو واكد، أحمد الفيشاوي وقد قام بإخراج الفيلم عشرة مخرجين.

من المؤكد أن السينما المصرية وسينما الربيع العربي بشكل عام ستكون في أفضل حالاتها وفي أوج عطاءاتها بعدما أزيلت من طريقها مجموعة القيود التي كبلت صناع العرض السينمائي لسنوات طوال، فالبوادر الأولى توحي بأن المشهد السينمائي ينعم اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، بكمّ هائل من الأفكار التي تحاكي هموم الحياة الواقعية والحرية، وهذا بتحرر الخيال سواء عند المشاهد أو صناع العرض السينمائي، وبالتالي هذه كانت إحدى النقاط الإيجابية التي أفرزتها الثورة بالنسبة للسينما.

الكثير من الأحزاب التقليدية لا تدرك أن فيلما سينمائيا واحدا قد يكون أهم من نضالاتها طيلة عقود

لكن الإشكالية تكون في إنتاج الأفلام الروائية الطويلة لأنها تكلف كثيرا، وتحتاج لجهات داعمة، ويجب وجود نضوج فكري لموجة التغيّر المفاجأة التي حدثت، فالمثقفون التقليديون وجدوا في الثورات مفاجأة وفي الحريات المتوفرة حاليا مأزقا، فقد تعوّدوا على التلميح، ففي مصر برزت الأفلام المباشرة وفي سوريا الأفلام الأقرب للسريالية المستمدّة من الأفلام الروسية، ويذكر أنه تمّ مؤخرا إنتاج فيلم سوري للمخرج محمد ملص “سلم إلى دمشق” يحاكي الواقع المعيش حاليا، وهو أول فيلم سوري روائي طويل في الثورة السورية.

أما الأفلام الوثائقية فهي الآن في عصرها الذهبي، فهي الوسيلة الأسهل لعرض القضايا الإنسانية وإيصال غاياتنا وأحلامنا، والواضح أن الثورات أنعشت السينما، وبالذات الأفلام الوثائقية، ولكن هنا أيضا تبرز إشكالية أن معظم صانعي تلك الأفلام هم من الهواة الذين لم تتح لهم الفرصة للعمل واكتساب الخبرة.

هذه الثورات شهدت ولادة موجة جديدة من السينما تحاكي الشارع وتتحدث عن همومه ومآسي المواطن العربي في ظل الواقع العربي، لكن النقاد يتوقعون أنه لا تثمر تلك الجهود عن أفلام ناجحة في القريب العاجل، فيجب أن تأخذ بعض الوقت مثل أيّ تغيّر، ولكنها الفرصة الوحيدة لإعادة إحياء السينما.
16