السينما الفرنسية تودع أسطورة ثاني أحسن دور سينمائي

ودعت فرنسا في الرابع من شهر يناير الجاري، واحدا من أشهر ممثليها الكبار ميشال غالابرو الذي اشتهر بأدواره الهزلية العديدة، ولكن لم يتمّ تتويجه إلاّ في دور درامي، حين سئل يومها عن إحساسه وهو يفوز بجائزة ثاني أحسن دور، قال “المهمة كانت بسيطة فمن السهل أن تُبكي الناس، لكن من الصعب جدا أن تُضحِكهم”.
الجمعة 2016/01/22
ميشال غالابرو مع "كتيبة رجال الدرك بسان تروبيه"

توفي ميشال غالابرو في الرابع من يناير الجاري، لقد فارق الحياة عن عمر يناهز 93 سنة، حيث عمّ الحداد فرنسا بأكملها، وتبادل أهل الفن كلمات التعازي وأغدق عشاق السينما بالحديث عن خصاله وشيمه الحميدة، عن دماثة أخلاقه وعن قوة أدائه الفني وتميزه في كل الأدوار السينمائية التي أداها، لكن أغلب وسائل الإعلام تتفق أنه وإن كان لديه الملايين من المعجبين فمن يمكنه الحديث عن ميشال غالابرو أفضل من ميشال غالابرو نفسه؟ فالكلمة هي للراحل محبوب الجماهير.

وجبة غداء مرت عليها ثماني سنوات، وكأنها كانت بالأمس، كان ميشال غالابرو قد وافق على إجراء حوار مع مجلة “ليكسبريس”، لكن شريطة أن يتمّ ذلك وهو يتناول الطعام لأنه كان يحب الأكل، وبرفقة زوجته لأنه كان يحبّ زوجته، التي توفيت في نهاية صيف 2015، ومن شدة حزنه على فراقها ها هو يلتحق بها، وإن كان ذلك من المتوقع جدا، فالأمر صعب الهضم.

كلمات النهاية

خلال تلك الوجبة الشهية (بالنسبة له) التي تحفظها الذاكرة (بالنسبة للصحافة)، استسلم الممثل للبوح بكل صراحة، وبطيبة قلب، ودعابة وموضوعية. لقد كان يمضغ لحم رأس العجل (بشوربة شعبية)، ولكن ليست ككلماته بطبيعة الحال، بدلا من الحديث عن سيرة مجد وتكرار ما يعرفه الجميع (ممثل بارع، وحش مقدس، نجم كبير، كوميدي مكتمل، وما إلى ذلك)، فقد فضلنا نبش تلك المقابلة، بالإضافة إلى عبارات لم تنشر آنذاك بسبب عدم وجود حيّز كاف في المجلة، ومع ذلك نشرت بالكامل بعد وفاته.

كتبت “ليكسبريس” في نعيها للفقيد وبدعابـة شبيهـة بطبعـه “هنـا، ميشـال غالابـرو لديه كل المساحة التي يريد، هناك أيضا من دون شك، لا شك أنه يلعب الكرة الحديدية مع لويس دو فونيس أو يدخن السيجار مع فيليب نواريه، نتمنى له الخير الكثير، أما نحن فليس لدينا سوى أعيننا لنبكي والأفلام لنتذكر، هذه الكلمات من أجـل ابتسامـة، نحن نواسي أنفسنـا قدر الإمكان”.

عم الحداد فرنسا بأكملها، بعد رحيل غالابرو، وتبادل أهل الفن كلمات التعازي، وأغدق عشاق السينما بالحديث عن خصاله

ومن بين ما عبر عنه في تلك المقابلة استقينا المقاطع التالية، حيث قال ميشال غالابرو: جيرار دوبارديو هو آخر وحش لدينا، هناك العديد من الممثلين الجيدين، لكن ليس لهم ذلك البعد الاستثنائي لريمو، ميشال سيمون، هاري باور وجول بيري، الذين بالإضافة إلى الشخصية التي تطبعهم، هم يجسدون أسطورة.

ويضيف: نحن في فترة من الانحطاط على نطاق واسع؛ أصبحت فيه السياسة سركا، لم يعد للأدب أولئك الكتّاب الذين كنا نعرف في الماضي، وفي السينما لم يعد هناك مخرجون من طينة جون رينوار، لوتشينو فيسكونتي، جوليان دوفيفيي… هناك أناس لامعون، لكنهم في متناول أيدينا، إنهم لا يحركون جوارحنا، إنها حقبة أخرى، هناك وعود، هي أقوال. من المحتمل أني لن أكون هنا لمعرفة ما إذا كان سيتمّ الوفاء بها، ولكن لنأخذ شخصا مثل داني بون، هذا النوع تتوجب متابعته بشكل وثيق جدا، إنه وحش شاشة من عيار فرناند راينو.

عن الموجة الجديدة يقول الراحل في حواره: الموجة الجديدة لم تستهوني يوما، قد تقول لي ذلك أفضل، لأنه من الواضح أنني لم أستهوها، أنا أيضا، لم أكن أفهمهم، لم أكن الوحيد. أتذكر في عام 1959، كنت ألعب مسرحية “النمرة المروضة” إلى جانب بيير براسور، سوزان فلون وجون بول بلموندو، قبالة أولئك الوحشين الأولين، كنا قد قررنا مع جون بول أن نؤلف قطعة “كاباريه”، كانت موضة في تلك الحقبة.

يتواصل المقال على لسان الراحل: بسرعة بعدها، لم يعد بإمكان جون بول المجيء إلى البروفات، “أنا أصور”، قال لي، فأجبته “ماذا لست أدري”، أجابني. “يتوجب عليّ أن أمشي في الشانزليزيه، وأقول ما يمرّ برأسي، أمام كاميرا فوق دراجة نارية ثلاثية!” كان ذلك “إلى حدّ الأنفاس” الذي سيجعله ينطلق في جميع أنحاء العالم، والذي سيطلق موضة سينما- الحقيقة، أنا أسمي ذلك سينما- ريبورتاج.

ويتابع: السمعة والتغطية الإعلامية، كل ذلك نسبي للغاية، سأعطيك مثالا على ذلك، عندما كنت في الكوميديا الفرنسية، جاورت ممثلين مقتدرين، أتذكر لا سيما لويز كونت، ممثلة استثنائية. في كل مرة، كانت تثير صخب الجمهور بشكل لا يمكنك أن تتخيله، لكن المجلات كانت تفضل الحديث عن الممثلات الشابات غير المعروفات، لأنهن ظهرن في منعطف من فيلم ما وهن يلبسن تبان السباحة.. في تلك الحقبة، مسبقا، كان ذلك يؤلم البطون، أما اليوم مع التلفزيون فالأمر أسوأ، ومع مجرد ظهور على الشاشة الصغيرة يكفي لتصير نجمة، هذا غير عادل، ولكن إنها حصة هذه المهنة التي هي عبثية للغاية. بحسب ما جاء على لسان الراحل في حواره مع “ليكسبريس”.

ميشال غالابرو: نحن في فترة من الانحطاط على نطاق واسع، أصبحت فيها السياسة سركا

يواصل غالابرو: العديد من الممثلين لديهم الموهبة أفضل مني، لكن لم يسعفهم الحظ مثلي.. لأنني كنت فعلا محظوظا وأتيحت لي الفرصة. أي نعم! كان بإمكاني أن أكون أفضل، أن يتمّ استثماري على نحو أفضل، لكني لم أخرج خاوي الوفاض، مثلا، في الآونة الأخيرة لعبت إلى جانب جيرار دوسارت، وهو بارع وملفت للنظر، ومع ذلك فإنه يتقاضى أقل مني أجرا، كل هذا لأنه أقل ظهورا على شاشة التلفزيون.. هذا أمر مزعج على كل حال، فهمتم لماذا لا أشتكي أبدا، سيكون ذلك من غير اللائق.

رجال الدرك

ميشال غالابرو إلى جانب لويس دو فونيس أو أيضا جون لوفيفر، منحوا الشهرة لكتيبة رجال الدرك (رجال الأمن) لـ”سان تروبيه”، هكذا صرحت ماريان ريتشارد، القائد الدركي المساعد بالمدينة الساحلية، في تصريح لوسائل الإعلام الفرنسية.

ببدلة الدركي “جربر” وبرتبة عريف أول، ساهم الراحل بشكل واسع في نجاح رجال الدرك باستعماله لشخصيات “كروشو” الهزلية لتأنيب رئيسه مارشال الثكنة، الدور الذي تقمصه لويس دو فونيس.

بدأت المغامرة في عام 1964، وفي عام 1982، بعد 18 عاما، سيخرج إلى صالات العرض فيلم “الدركي والدركيات”، آخر قطعة في الملحمة الأسطورية لجون جيرو. 1982 هي أيضا سنة ميلاد ماريان ريتشارد، التي تشتغل اليوم رسميا كقائد مساعد بالفرقة الثانية لدرك سان تروبيه، وقد تحدثت للصحافة عقب اختفاء الممثل الفرنسي.

“نحن نشعر بحزن عميق لوفاة غالابرو”، قالت ماريان ريتشارد متأسفة، وتابعت: بعد نقلي من “غاياك”، وصلت إلى سان تروبيه في أغسطس 2012، لقد كنت أعرف، فيلم “رجال الدرك”، لكن لدى وصولي، لم أستطع إمساك نفسي من مشاهدة الجزء الأخير.

لم تكن القائد ريتشارد لتفلت أو تشكل استثناء، ذلك لأن أسرتها أو زملاءها من البديهي أنهم تكفلوا بتحسيسها وتقريبها من الأمر، ولكن أيضا لأنه في سان تروبيه: ميشال غالابرو ولويس دو فونيس، ومركز الدرك لا يزال مؤسسة.

تضيف ريتشارد: في مصالحنا، لدينا صورة أو أكثر من مشاهد “رجال الدرك” عند آلة القهوة، ولدينا أيضا ملصق الفيلم بالطابق، وهو خالد لا يقيّد بزمن، لقد فوجئت لدى وصولي برؤية إلى أي مدى لا يزال الناس يفكرون في الأفلام ويطاردون المكلفة بالتواصل.. إن الظاهرة تتجاوز من بعيد مجرّد عشاق للسينما.

وتواصل “الناس يريدون أخذ صور لنا، يصورون مكاتبنا الجديدة أو المبنى القديم، إن الثكنة التي تُرى في الفيلم لم تعد في الواقع تستخدم، سيتمّ تحويلها إلى متحف، لقد تمّ ترميم الواجهة بالكامل، لن يخصص المتحف للدرك، ولكن للسينما في سان تروبيه، هكذا سيكون على نطاق أوسع”، هكذا أشارت ماريان ريتشارد.

حتى لو أن “درك سان تروبيه” لم يكونوا دوما لامعين بسبب مقالبهم وخدعهم، فقد سمحوا، حسب المكلفة بالتواصل، بتقريب “الدركيين الحقيقيين” من المواطنين.

تقول ماريان موضحة: لا يجب النظر إلى هذه الأفلام من منظور الدرجة الأولى، بل الدرجة الثانية، الثالثة أو الرابعة. إن تلك السخرية وذلك الطابع الهزلي لم يمسّا بسمعة رجال الدرك، ولم يعملا على الإساءة لذلك الاحترام الذي يكنه الناس لقوات النظام، بل على العكس تماما، بقية الأفلام في قلوبنا.

وتختم ريتشارد بقولها: بسان تروبيه، هذا الاهتمام يتجاوز من بعيد حدود فرنسا، إننا ندرك النجاح الدولي الذي حققه “رجال الدرك” من خلال سلوك السياح، إذ ينتابهم الفضول، حيث يريدون رؤية رجال الدرك، ويطلبون منا بعض التوضيحات، لقد صار ذلك جزءا من تراث المدينة الآن، وهذا لطيف على الدوام. لقد كان ميشال غالابرو آخر الدركيين في سان تروبيه، ذاكرتهم ليست مستعدة للنسيان.

16