السينما اللبنانية في عام.. التجاري الاستهلاكي غالب والروائي الجدي قليل

الاثنين 2013/12/30
"عصفوري" لفؤاد عليوان ناقش عناوين تصيب اللبناني في مقتل

لا يختلف المشهد السينمائي اللبناني في عام 2013 كثيرا عن ذلك الذي عرفه المشهد نفسه في الأعوام القليلة الفائتة. فالعدد الكبير نسبيا من الأفلام المنتجة حديثا، والمعروضة في الصالات المحلية خلال عام 2013، لا يقدّم جديدا مختلفا ومتميزا عمّا صنعته أفلام لبنانية سابقة، من دون التغاضي عن استثناءات سينمائية لافتة للانتباه، شكلا ومضمونا وأساليب معالجة.

وهذا لا ينحصر في “صناعة” الفيلم الروائي الطويل فقط، بل ينسحب على الوثائقي أيضا، علما أن الأعوام القليلة الفائتة شهدت ظهورا لافتا للانتباه لنمط سينمائي لبناني وثائقي، قيل مرارا إنه بمثابة الانطلاقة الجديدة للسينما الوثائقية العربية.

في عام 2013، عرضت في الصالات اللبنانية ثلاثة أفلام وثائقية جديدة، هي: “74، استعادة لنضال” للأخوين رانيا ورائد الرافعي، و”النادي اللبناني للصواريخ” للزوجين خليل جريج وجوانا حاجي توما، و”ليال بلا نوم” لإليان الراهب، تتمتع كلها بميزات تقنية وفنية وجمالية متفاوتة الأهمية، وإن لم تستطع جذب مشاهدين كثيرين، لأسباب يمكن اختزالها بما يلي:

أولا، لا يزال الفيلم الوثائقي “غريبا” عن الذائقة السينمائية اللبنانية والعربية، إذ أن كثيرين يتعاملون معه على أساس أنه “ريبورتاج” تلفزيوني. أي أنهم يسقطون عنه الصفات السينمائية التي بات يتمتع بها في الأعوام القليلة الفائتة، مع تطور الوعي الثقافي والمعرفي بأهمية الجانب السينمائي في إنجاز الفيلم الوثائقي.

أفلام لبنانية عرضت خلال عام 2013، أقل ما يمكن وصفه بها أنها لم تبلغ المستوى السينمائي المطلوب، لا شكلا ولا مضمونا

ثانيا، توغلت الأفلام الثلاثة في تفاصيل عديدة مرتبطة بالذاكرة اللبنانية، الاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية، التي لا يزال لبنانيون كثيرون منفضين عنها، لجهلهم إياها، أو لرفضهم العودة إلى الماضي، أو لنفورهم من كل ما يحرض على إعمال العقل، وعلى الاجتهاد الفكري والتأملي إزاء هذه الذاكرة التي يراد لها التغييب والاندثار لشدة ما تحمله من أسئلة قاسية ومعلقة، عن الذات والعلاقات وأنماط الحياة والسلوك الداخلي.

ثالثا، لامست الأفلام الثلاثة هذه جروحا بدا واضحا أنها لم تندمل، وإن تمّ ذلك بأشكال مختلفة تماما، إذ عاد فيلما “74، استعادة لنضال” و”النادي اللبناني للصواريخ” إلى أزمنة سابقة لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 15 أبريل 1975، بينما غاص “ليال بلا نوم” في أحد أقسى الأسئلة اللبنانية المعلقة: مصير المفقودين والمخطوفين، ومعنى التوبة، ونقصان الغفران، من خلال شخصيتين اثنتين، الأولى لمسؤول أمني سابق في ميليشيا “القوات اللبنانية” يدعى أسعد شفتري، والثانية لوالدة شاب فقد في عام 1982، أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، تدعى أم ماهر، أو السيدة مريم السعيدي، علما أن ماهر كان مقاتلا في “الحزب الشيوعي اللبناني”.


الحرب والذاكرة

فيلم "بيبي" لإيلي حبيب.. وجوه الدراما اللبنانية إلى السينما


الانفضاض الجماهيري عن الأفلام الثلاثة هذه مشابه لانفضاض آخر عانته أفلام روائية طويلة تناولت أحوال البلد وناسه، كمن ينفض عما ساهم في تدمير هذا البلد، وإفقار ناسه ووضعهم في حالات نفسية مرتبكة وقلقة ومدمرة. فعلى الرغم من وقوعه أسير ارتباكات درامية متنوعة (تعدد المواضيع، وعدم معالجتها بشكل كاف.

خلل في البناء القصصي، خصوصا على مستوى “التوازن” الدرامي المفقود بين الماضي والحاضر، إلخ..)، إلا أن “عصفوري”، الروائي الطويل الأول لفؤاد عليوان، ناقش عناوين تصيب اللبناني في مقتل، وتحديدا اللبناني الرافض لاستعادة الماضي والمثول أمامه في راهن مستسلم لتنانين القتل والتخريب والفساد والعفن.

فمن سؤال المشروع الإعماري لمدينة بيروت إلى ذكريات الحرب الأهلية (1975 ـ 1990) والاجتياح الإسرائيلي والغربة والتهجير وانهيار مثل وقيم متنوعة، أفشت المساحة الدرامية لـ”عصفوري” جوانب معاشة في حاضر موبوء بألف خطإ وخطيئة.

ولعل هذا كله أقام ما يشبه الحاجز المعنوي بين الجمهور والفيلم، واضعا الجمهور أمام تحدّ جديد متمثل في سؤال الحرب والذاكرة، وجاعلا الفيلم مرآة فاضحة وكاشفة ومعرية.

إذا اختار فؤاد عليوان مقاربة الراهن اللبناني من خلال استعادة بعض الماضي والذاكرة، فإن لارا سابا في “قصة ثواني”، فيلمها الروائي الطويل الأول أيضا، اكتفت بالراهن، كي تكشف سينمائيا بعض ما يعتريه من بؤس وانهيارات وفوضى على مستوى الحياة اليومية، والعلاقات المعطلة، وقسوة العيش في مجتمع مفكك ومكسور ومشوّه.

وإذا ابتعد عليوان، في لعبة الأزمنة بين الماضي والحاضر، عن إيجاد توازن سينمائي بينهما، مكتفيا باستعادة شيء من الماضي في لحظة راهنة مليئة بالخيبات والألم والتمزقات، فإن لارا سابا اعتمدت التوازن المكثف بين قصص تدور أحداثها في وقت واحد، قبل أن تلتقي نهايات تلك القصص في حيز مكاني وزماني وإنساني ووجودي واحد.

انطلقت حكاية “عصفوري” من بناء بيروتي قديم يكاد الراهن يجتاحه في إطار سياسة إعمارية لا تتوافق والتراث المعماري ـ الاجتماعي ـ الثقافي لبيروت وللروابط القائمة بين عائلاتها، في حين طغى بعض الماضي من خلال ذكريات وإحباطات وعودة من المهجر تفتح أسئلة كثيرة عن اللحظة، وعن المقبل من الأيام، كما عن المشاعر والتأملات والانكسارات.

بينما اجتمعت قصص لارا سابا عند سؤال الصدفة والقدر، كما عند واقع الارتهان إلى العفن والفوضى: الابن المعذب جراء انقياد والدته إلى بيع جسدها وجسده من أجل المال، والابنة المصابة بكارثة مقتل والديها في حادث سير، يدخلها “حادث السير” في متاهة العيش على حافة الفقر والقلق والخوف، والزوجان الثريان السعيدان اللذان يصطدمان بعجز طبيعي للزوجة عن الإنجاب، قبل أن يصاب الجميع بكوارث تحل عليهم كلعنات مرفوضة. قصص من عمق الحياة اللبنانية ومآسيها، مشغولة بحرفية تشي بنفس سينمائي واضح.


نجومية فاترة

"ليال بلا نوم" نموذج لغربة الوثائقي رغم جودته


في مقابل هذا كله، هناك أفلام لبنانية أخرى عرضت خلال عام 2013 أيضا، أقل ما يمكن وصفها به أنها لم تبلغ المستوى السينمائي المطلوب، لا شكلا ولا مضمونا ولا معالجة ولا تركيبة سينمائية تمزج التجاري بالنوعي. ومع أن بعض هذه الأفلام اختار مواضيع جدية و”إنسانية”، إلا أن المعالجة الفنية والدرامية والتقنية أفقدته القدرة على تحصين بنائه السينمائي من كل خلل أو انهيار أو فراغ.

مثل أول: “غدي” لأمين درة، مع النجم التلفزيوني والمسرحي جورج خباز، كاتب قصة الفيلم أيضا. المتوحد الصغير بات مصدر إزعاج لبلدة ريفية مليئة بالأكاذيب والخدع والاحتيالات، فإذا بوالده يتلاعب بالجميع عبر ابنه الوحيد هذا، كاشفا إياهم جميعهم.

فكرة قبول الآخر يقابلها، في الفيلم، واقع الانشقاقات الاجتماعية بين أبناء بلدة واحدة. لكن المعالجة الدرامية افتقدت، خصوصا في الشق الأخير من الفيلم، متانتها وتماسكها، إذ أسرف النص في خطاب طويل مليء بالحس الإنساني المسطح، والإرشادات التي تليق بمدرسة أخلاقية بحتة.

ثلاثة أفلام أخيرة في لائحة الأفلام اللبنانية المعروضة في الصالات المحلية خلال عام 2013: “حلوة كتير.. وكذابة” للسوري سيف الشيخ نجيب، و”حبة لولو” لليال راجحة، وBebe لإيلي حبيب. يكمن مأزق الأول في كونه امتدادا لمسلسل درامي بعنوان “حلوة وكذابة”، فرض حضوره على مشاهدي الشاشة الكبيرة، دافعا إياهم إلى “متابعة” خاتمة المسلسل، أو جزءا أساسيا من حكايته، في الصالة السينمائية، من دون الاهتمام بالقالب السينمائي المطلوب (الخيانة مصدر قلق وتمزق عائلي، ودافع إلى الحيلة والخديعة بهدف الانتقام من الزوج الخائن).

أما الثاني، الذي وصفه البعض بكونه “فيلما نسائيا” بامتياز بسبب تمحوره حول ثلاث نساء -بالإضافة إلى إخراجه من قبل امرأة-، قدّم ثلاثة نماذج نسائية، بعضها منبثق من أيام الحرب الأهلية، وبعضها الآخر مرتبط بالراهن: الأم وابنتها و”فتاة الهوى” تتشابك أقدارهن، بعد أن تروي كل واحدة منهن قصتها مع ذاتها والآخر والمجتمع والبيئة، إلخ.. في حين أن الفيلم الثالث راهن على الكوميديا، إلى جانب وجوه تلفزيونية معروفة جدا كماغي بو غصن ويوسف الخال، كي يقدم عناوين اجتماعية متفرقة مرتبطة معظمها بمسائل الفساد والفوضى والسرقات. وهذا كله عبر شخصية الشابة بديعة (بو غصن)، التي بلغت الـ33 من العمر، لكن نموها العقلي توقف عند عامها الثامن.

التجاري الاستهلاكي سمة هذه الأفلام الثلاثة المغلفة بمواضيع تمسّ الحياة اليومية اللبنانية، وتستعين بتلفزيونيين لديهم شعبية واسعة، من دون أن يكون الأداء التمثيلي الخاص بهم ذا سوية سينمائية واضحة، ومن دون أن تتحول الـ”نجومية” إلى عامل مساعد على جعل السينما فنا قائما بحدّ ذاته، لا أداة للاستهلاك البصري والفني.

16