السينما المصرية تواجه الإرهاب بأعمال ملحمية

"السرب".. فيلم يوثّق لبطولات القوات المصرية ضد الإرهابيين في درنة الليبية.
الاثنين 2021/02/22
إنجازات الجيش في مواجهة التطرف تخلدها السينما

يسود السينما المصرية، في الآونة الأخيرة، توجه نحو الاهتمام بالأعمال الحربية اتساقا مع انفتاح الجيش على تصوير معداته الحديثة، وإيمان قادته بقدرة الفن على توثيق جهوده وتضحيات عناصره أكثر من الكلمة المكتوبة، فتعدّدت التجارب التلفزيونية والسينمائية في هذا المجال، وكان آخرها فيلم "السرب" للمخرج أحمد نادر جلال والمنتظر عرضه قريبا في القاعات المصرية.

تنتظر دور العرض المصرية قريبا طرح فيلم “السرب” الذي يدور عن قصاص القوات الجوية من التنظيمات المتطرفة في مدينة درنة الليبية قبل ست سنوات، عندما أقدمت عناصر داعش على ذبح 21 مسيحيا من العاملين المصريين في المدينة وتصوير العملية وبثّها عبر الشبكات الإعلامية المتطرفة.

ويأتي “السرب”، الذي يلعب بطولته الفنان أحمد السقا وآسر ياسين وأحمد حاتم وكريم فهمي وشريف منير، والكثير من ضيوف الشرف، ومن تأليف عمرو عبدالحليم وإخراج أحمد نادر جلال، ضمن توجه جديد لتوثيق بطولات الجيش المصري، بعدما ظل الإنتاج الفني محصورا على الصراع العربي الإسرائيلي، وحرب أكتوبر 1973.

ويبدو العمل مكملا لنهج بدأه منتجو مسلسل “الاختيار” بطولة الفنان أمير كرارة، والذي تم عرضه في الموسم الرمضاني الماضي، ويدور في الفلك ذاته بتتبّع قصة استشهاد العقيد أحمد منسي ضابط الصاعقة الذي استشهد في معركة مع المتطرفين في شمال سيناء، ولقي إشادة كبيرة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي كرّم أبطاله، مطالبا بالمزيد من الأعمال التي تدور في الفلك ذاته.

ويجري إعداد الجزء الثاني من مسلسل “الاختيار” المزمع عرضه في رمضان المقبل، بطولة الفنان كريم عبدالعزيز وأحمد مكي، ويسلّط الضوء على الأحداث التي شهدتها مصر بداية من 2012 وحتى 2020، وبطولات قوات الشرطة والجيش في حفظ الأمن في تلك الفترة الانتقالية الصعبة، إلى جانب ملابسات فضّ اعتصام أنصار الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة الكبرى.

محمد عفيفي: المصريون يستقون التاريخ من السينما والدراما وليس من الكتب
محمد عفيفي: المصريون يستقون التاريخ من السينما والدراما وليس من الكتب

ذاكرة بصرية

تتعاطى الأعمال الجديدة على خلفية أن الشعب المصري يملك ذاكرة بصرية عميقة تجعله يبني تصوّراته عن التاريخ عبر ما يشاهده في السينما والدراما، مع تناقص معدلات قراءة الكلمة المكتوبة، ما يجعل التوجه الفني الجديد يحظى بدعم رسمي باعتباره أحد عناصر مواجهة التيارات المتطرفة التي تمارس الاستقطاب ليلا نهارا.

وقال تامر مرسي، رئيس الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عبر حسابه على موقع فيسبوك، إن “شركة ‘سينرجي’ التي تنطوي تحت لواء المجموعة، أنتجت ‘الاختيار’ وخافوا منه (يقصد الإخوان)، فصنعت ‘السرب’ وسيخافون منه أيضا”، مضيفا أن “العمل هدية للشعب المصري وهو تمجيد للشهداء”.

وأصبح الفن عنصرا أساسيا في تحقيق الكثير من الأهداف السياسية في المعركة الممتدّة التي تخوضها الدولة المصرية ضد المتطرفين وكشف جرائمهم، وربما كان ذلك هو السبب لتعرّض فيلم “السرب” لهجوم إلكتروني من قبل الإخوان بمجرد عرض مقطع دعائي جذاب له قبل أيام.

وتعدّ مساعي توثيق التاريخ عبر الفن الوازع الذي دفع الشركة المنتجة إلى بثّ مقطع تشويقي له حتى قبل انتهاء تصويره، ووضع جدول زمني لموعد طرحه في دور السينما، من أجل أن يواكب الإعلان عن العمل مع ذكرى عملية “درنة” بليبيا في 15 فبراير 2015.

وأكّد محمد عفيفي، أستاذ التاريخ المعاصر، لـ”العرب”، أن السينما المصرية ليس جديدا عليها توثيق بعض البطولات الحربية أو دعم جهود الدولة، فذلك الأمر تكرّر كثيرا في فترتي الخمسينات والستينات بسلسلة أعمال مثل “عمالقة البحار” لأحمد مظهر عن تضحيات رجال البحرية المصرية، أو أعمال الفنان إسماعيل ياسين التي كان هدفها تحقيق التلاحم بين الشعب والجيش في أعقاب ثورة 1952.

ويدور “عمالقة البحار”، الذي تم عرضه عام 1960، عن استشهاد مجموعة من الجنود والضباط على وحدة قاذفات الطوربيدات الصغيرة إبان العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على منطقة قناة السويس عام 1956، بينما لعب الفنان إسماعيل ياسين دور البطولة في سلسلة أفلام حربية، تحمل اسمه مثل: “إسماعيل ياسين في الجيش”، و”الأسطول”، و”الطيران”، و”البوليس الحربي”، لتحفيز الشباب على التطوّع في الجيش ولكسر الجليد بين المصريين والسلطة الجديدة.

وأضاف عفيفي أن شريحة كبيرة من المصريين تستقي التاريخ من السينما والدراما وليس من الكتب، فعند سؤال أي مواطن عن شخصية كصلاح الدين الأيوبي يحكي قصة الفيلم السينمائي “الناصر صلاح الدين” بما فيها من أخطاء تاريخية، وليس ما تم دراسته في الكتب، وهذا يظهر أهمية الفن في الحياة.

مشاهد فنية وحقيقية

انتعاش إنتاج الأفلام الحربية وسيلة لتوثيق التاريخ المعاصر، والحيلولة دون تعرّض المصريين لاستقطاب التنظيمات المتطرفة
مقطع سينمائي أفضل من ألف كلمة

تعجّ أرفف مكتبات كليات الإعلام بدراسات عن نظرية “ترتيب الأولويات”، والتي تؤكّد غالبيتها وجود تأثير قوي للسينما والدراما على الناس وتشكيل أولويات مختلف الفئات، ووعي الشباب والمراهقين، وتعتبر تلك الفئة الأكثر استقطابا من التنظيمات المتطرفة.

وطالب أستاذ التاريخ بالتفريق بين الفيلم التاريخي الوثائقي والدرامي، فالأول يسرد وقائع كما هي، على عكس الثاني الذي يتضمّن مادة وطنية مع رصد لبعض الجوانب الاجتماعية، وكلاهما يتطلّب وجود مستشار تاريخي لمراجعة السيناريو، وحضور جلسات التصوير للكشف عن أي خطأ تتنافى مع الوقائع الحقيقية.

وتعتمد تجربتا “السرب” و”الاختيار” على المزج بين المشاهد السينمائية والحقيقية، وتطعيمها بمقاطع من أحاديث القيادة المصرية المواكبة للأحداث، ما يجعلها هجينا من الأعمال التسجيلية والدرامية.

ولا تكتفي الأعمال الجديدة بالتركيز على الجانب الحربي فقط، لكن دائما ما تتطرّق إلى الجوانب الاجتماعية التي تلت ثورة 25 يناير2011 في مصر التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، والإشارة إلى أزمات الكهرباء والمحروقات وأسعار الصرف وندرة السلع، ومقارنتها بما تم تحقيقه من مشروعات على أرض الواقع، ونتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي ألقى بظلاله على قطاعات من السكان.

الأعمال الجديدة لا تكتفي بالتركيز على الجانب الحربي فقط، بل باتت تتطرّق إلى الجوانب الاجتماعية التي تلت ثورة 2011

وتحوّلت المقاطع المصوّرة بوجه عام إلى رأس حربة في توثيق التغيرات التي تشهدها حياة المصريين. فافتتاح مشروع أو تطوير منطقة عشوائية يصاحبه إنتاج أفلام تسجيلية قصيرة تظهر تطوّر العمل تفصيليا قبل التطوير وبعده، لتوثيق مجهودات الحكومة بالصوت والصورة وإغلاق الباب أمام أي محاولات للتشكيك.

ولا يخلو فيلم “السرب” من تلك الفكرة، كما يؤكّد مؤلفه عمرو عبدالحليم، الذي قال إن الفيلم وجد دعما وترحابا من قبل الجهات المعنية، وتحديدا الشؤون المعنوية بالجيش المصري، ويرصد ما تتعرّض له البلاد من مؤامرات خارجية، ويمثل قصة يجب روايتها دون تضليل وتشويه تحضّ على قيمة الانتماء التي قلّت تدريجيا مع الزمن وهو واجب وطني قبل أن يكون فنيا.

وحظي فيلم “الممر”، بطولة الفنان أحمد عز وهند صبري، الذي تم عرضه منذ عامين في دور العرض، ويبثّ من وقت لآخر على القنوات التلفزيونية بمصر، بنسبة مشاهدات عالية، ويتناول فترة حرب الاستنزاف السابقة لمعركة أكتوبر 1973، ووصل الأمر إلى مشاركة عسكريين في أعمال صيانة المعدات الخاصة بهزيمة عام 1967 من دبابات وطائرات ومدفعية ثقيلة لتكون صالحة للاستخدام في العمل.

ويصعب عزل الاهتمام بالأعمال العسكرية حاليا عن محاولات المسؤولين إظهار فكرة “رد الجميل” للشهداء وأسرهم وتضحيات الجيش والشرطة، والتي تتضمّن إطلاق أسمائهم على المدارس ودعوتهم في المناسبات الرسمية وتكريمهم.

وأطلقت إيناس عبدالدايم، وزيرة الثقافة المصرية، أخيرا مشروعا بعنوان “أبطال من بلدنا” يهدف إلى تحويل قصص بطولات وتضحيات رجال القوات المسلحة إلى أعمال مسرحية، يتمّ عرضها في جميع المحافظات تباعا، لتخليدهم ضمن خطوات استنهاض الهمم لاستكمال المسيرة الحضارية والمساهمة في بناء الشخصية الوطنية.

وأوضحت الناقدة الفنية ماجدة خيرالله، لـ”العرب”، أن الإنتاج المصري ظل بعيدا عن حلبة الأعمال الحربية لاحتياجها لأعباء مالية ضخمة، ما يستدعي دور الدولة باعتبار الفن وسيلة لمخاطبة الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة أو غير ملمة بالأحداث الوطنية.

انتعاش إنتاج الأفلام الحربية وسيلة لتوثيق التاريخ المعاصر، والحيلولة دون تعرّض المصريين لاستقطاب التنظيمات المتطرفة

وطالبت بعدم توقّف الإنتاج عند مناطق تاريخية بعينها، ليمتدّ إلى مساحات أوسع ما يعكس بشكل حيادي الصراعات والانتصارات التي شهدتها الدولة لتحقيق أهدافها في تنمية الشعور بالإحساس الوطني، خاصة أن الشعب المصري متشوّق بشدة للإحساس بالعزّة والكرامة التي تتولّد لديه عند مشاهدته للملاحم المحلية.

وتحرّرت التجارب الفنية المصرية الأخيرة من الأسلوب الغربي في القصة التي تركّز على حكايات الحب بين الجنود الذاهبين للحرب وبنات الجيران، وباتت معنية أكثر بتفاني المقاتلين وتضحيات أسرهم وزوجاتهم والقلق الذي يكابدونه على أحباء يتجرّعون الخطر في كل لحظة.

17